النفط والمؤامرة: هل نحن نفط فقط؟

 

د. أنس بن فيصل الحجي

 

 

بداية لا بد من التنويه أن فكرة المقال أدناه وبعض أجزائه ليست جديدة، وقد نشرت منذ عدة سنوات. والعودة إلى هذا الموضوع سببها الأسئلة الدائمة التي يطرحها كثير من الناس في مناسبات مختلفة عن النفط والتي يكتنفها تفكير "تآمري". المشكلة ليست في الأسئلة، ولكن كيف يمكن أن تقنع من كان تفكيره "تآمرياً" بأي إجابة مخالفة لما يعتقد؟ إن الإجابة عن أي سؤال "تآمري" هي إجابة خاسرة لا محالة، حتى لو كانت الإجابة هي الاعتذار عن الإجابة أو التزام الصمت. إن أي إجابة لا تتوافق مع ما يتوقعه صاحب "التفكير التآمري" تجعلك جزءاً من المؤامرة! ولعل أطرف حادثة حصلت معي تتعلق بهذا الموضوع هي تربص شخص لي في الشارع أراد أن "ينتقم" لأنه يعتقد أنني "أهنته" أمام الناس أثناء محاضرة ألقيتها في عاصمة عربية عندما اعتذرت عن الإجابة عن سؤاله وكان قد طلب مني في المحاضرة أن أوضح للناس "الدور الخياني" لدول الخليج التي تقدم النفط "مجاناً للأمريكيين والأوروبيين"، فاعتذرت بلطف لأن سؤاله خارج موضوع المحاضرة التي ركزت على أسباب ارتفاع أسعار النفط في السنوات الأخيرة إلا أنه عدّ الاعتذار "إهانة" ونَعتَني بـ"العمالة لدول النفط" و"أسيادهم". قد يظن البعض أن هذه الحادثة نادرة، ولكن الواقع أنني قابلت عددا كبيرا من الذين يفكرون بنفس الطريقة "التآمرية".

رغم انتشار التعليم في عالمنا العربي خلال العقدين الماضيين، ورغم أن هناك مؤامرات فعلية حيث لا يمكن نفي موضوع المؤامرة إطلاقاً، إلا أن هناك ربطاً مستمراً بين النفط والمؤامرة في عالمنا العربي بشكل يفوق بكثير ما يمكن أن يتقبله العاقل، وبشكل يتنافى مع الأحداث والبيانات والأدلة والبراهين. فهناك بعض الفئات في عالمنا العربي التي لا ترى في تصرفات دول الخليج في أسواق النفط العالمية خلال 75 سنة الماضية إلا المؤامرة تلو المؤامرة، فنشرت الشائعات كلما قامت إحدى دول الخليج بعمل شيء ما. فهم يرون في عدم قيام بعض الدول بتأميم النفط في بداية السبعينيات مؤامرة، ولما قامت هذه الدول بالسيطرة على قطاع النفط عدوا ذلك مؤامرة أيضاً. وعندما رفضت هذه الدول استخدام النفط كسلاح عدوا ذلك مؤامرة، ولما قامت الدول نفسها باستخدامه عدوا ذلك مؤامرة أيضاّ. المثير في الأمر أنهم يعدون زيادة السعودية للإنتاج مؤامرة، وتخفيضها له مؤامرة، وعدم تغييرها لمستويات الإنتاج مؤامرة أيضا, ارتفاع أسعار النفط عندهم مؤامرة، وانخفاضها مؤامرة، وثباتها مؤامرة أيضا.

السبب هو غياب الثقافة النفطية

تلجأ الشعوب إلى نظرية المؤامرة عندما لا تتوافر المعلومات اللازمة لتفسير ظاهرة معينة. ونظراً لمحدودية الحريات في العالم العربي، وانعدام الشفافية، وفقد الإعلام لدوره الحيوي في تثقيف المجتمع وتوعيته، وفشل الجامعات في تخريج دفعات لديها القدرة على التحليل والاستنتاج المنطقي، وفشل الحركات السياسية باتجاهاتها المختلفة في إيجاد فكر متناسق وسليم، أصبح طبيعياً أن يقوم المواطن العربي بقبول التفسير التآمري للأحداث، خصوصا أنه لا يمكن بأي شكل من الأشكال إثبات صحة المؤامرة أو خطئها ونتج عن هذا التفكير التآمري تشويه كبير لسمعة الدول النفطية وأهلها، خصوصا دول الخليج وحكوماتها وكل الأفراد الذين لهم علاقة برسم السياسة النفطية. وبالنظر إلى واقع العالم العربي نجد أنه لا يمكننا لوم الشعوب العربية على تبنيها للفكر التآمري، خصوصا في مجال النفط، ولكن نلوم الحكومات العربية التي لم توفر إلا النذر القليل من المعلومات، ولم تتخذ الخطوات العملية لمجابهة الفكر التآمري. من هذا المنطلق نجد أن نشر الثقافة النفطية أصبح ضرورة، ليس لأنها تُحَسِّن من صورة الحكومات والشركات النفطية الوطنية فقط، بل لأنها تركز الجهود على المشكلات الحقيقية في المجتمع بدلا من تركيزها على أمور لن تحل أي من مشكلاتنا. لقد أصبح نشر الثقافة النفطية ضرورة استراتيجية لتعميق الحوار على المستويات الوطنية والقومية والعالمية. كما أصبح مهماً في عملية تخليص الشعب العربي من طرق التفكير التآمرية المتعلقة بالنفط. وبما أن النفط هو نقطة أساسية في الخلاف بين أفراد المجتمعات النفطية من جهة، وبين العرب والغرب من جهة أخرى، فإن النفط جزء أساسي من الحوار بين هذه الفئات. ولا يمكن لأي حوار وطني أو قومي أن يكتب له النجاح إذا كان الفكر التآمري يسيطر على فكر بعض أطراف الحوار. ولا يمكن للحوار العربي-الغربي أن يحقق أي نجاح يذكر إذا كانت نظرية المؤامرة تسيطر على فكر أي من الطرفين. لذلك لا بد من نشر الثقافة النفطية على نطاق واسع، ولابد من أن تتحمل حكومات الدول النفطية وشركاتها النفطية الوطنية عبء نشر هذه الثقافة، رغم أن تصرفهم هذا قد يفسره أصحاب الفكر التآمري بأنه مؤامرة أيضاً، خصوصا إذا أصرت هذه الحكومات والشركات على السيطرة على عملية نشر الثقافة النفطية ومحتوى موادها. المشكلة أنه حتى قيام هذه الهيئات بنشر "الثقافة النفطية" قد لا يفي بالغرض لأن مفهوم "الثقافة النفطية" عندهم غير معرّف وغير واضح حتى الآن. بناء على ما تم طرحه أعلاه فإن مفهوم الثقافة النفطية لا يقتصر على لون النفط وطرق استخراجه وأنواعه، وإنما يمتد إلى أمور أخرى سياسية واقتصادية واجتماعية لا يمكن لمسؤول حكومي أو موظف في شركة حكومية التعرض لها لأسباب لا تخفى على القارئ.

وسيؤدي نشر الثقافة النفطية إلى منافع عديدة، وستكون الحكومات وشركات النفط الوطنية المستفيد الأكبر من هذه التوعية. الواقع أن المؤامرة الحقيقية هي في تصرفات بعضنا الذين لا يرون فينا إلا النفط، لذلك يربطون كل شيء به. هل نحن نفط فقط؟ إذاً كيف يمكن تفسير السيطرة البريطانية-الفرنسية على عالمنا العربي قبل اكتشاف النفط؟ وكيف يمكن تفسير الحروب الصليبية التي استمرت قرونا عديدة رغم عدم اكتشاف النفط في المنطقة في ذلك الوقت؟ ولماذا كان هدف الصليبيين، ثم اليهود من بعدهم، فلسطين التي ليس فيها أي نفط حتى يومنا هذا؟ وكيف يمكن تفسير اهتمام الأمريكيين بكوسوفو رغم عدم وجود أي نفط فيها؟ هل نحن نفط فقط؟ عفواً، لا تلقوا بالاً إلى المقال أعلاه، فهو جزء من مؤامرة أيضاً، فالجريدة تنتظر مقالي الأسبوعي، وليس لدي إلا ما هو موجود أعلاه!

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aleqt