اقتصاد الولايات المتحدة تحت تهديد المقصلة

 

دانييل غروس

 

 

عندما قامت مجموعة متطوعين اجتماعيين بقرع الجرس إعلانا لوقف التعاملات في بورصة نيويورك يوم الجمعة قبل الماضي، كان من شأن ذلك إعلان نهاية أسبوع من أشد الأسابيع هيجانا في الأسواق العالمية منذ خريف عام 2001. ويوم الثلاثاء الماضي، انخفض مؤشر داو جونز الصناعي، وهو الذي انخفض أصلا عام 2008 بنسبة 9 بالمائة بسبب الأخبار الاقتصادية السوداوية، نحو 600 نقطة (5 بالمائة) قبل أن يعود وينهض من كبوته بعدما أعلن بنك الاحتياطي الفدرالي عن التخفيض الطارئ لمعدل الفائدة بنسبة ثلاثة أرباع النقطة، وهذا أكبر تخفيض من هذا النوع منذ 24 سنة. أما يوم الأربعاء الماضي فكان أشبه بيوم مرموط الخمائل،

إذ انخفض مؤشر داو جونز أكثر من 3 بالمائة قبل أن يعود ويقفل على ارتفاع ويربح. "كان يوم أمس أشبه بعاصفة قذرة واليوم ليس أفضل منه بكثير"، حسبما قال سمسار بورصة متجهم الوجه يرتدي سترة تعامل خضراء كان خارج مبنى بورصة نيويورك. كاري ماهر، الذي يعمل في مبنى للمكاتب في وول ستريت يقع قبالة مبنى البورصة، لاحظ وجود إشارات ضغط في السوق، تمثل بعدد غير معهود من المدخنين المتوترين في الخارج، محتشدين على الرصيف البارد لقد بحث المستثمرون أيضا عن العزاء في النيكوتين خارج فرع من فروع لجنة زيهانغ للأوراق المالية وسط شنغهاي. فقد راح العديد من الرجال المسنّين، الممنوع عليهم التدخين داخل المبنى، ينظرون عبر المدخل إلى الشاشة الداخلية الكبيرة التي تعرض أسعار الأسهم. "كان الوضع مخيفا جدا في وقت سابق من هذا الأسبوع"، كما قال زهينج زياوشينغ، البالغ من العمر 68 عاما، وهو ينفخ وجنتيه لمقاومة البرد. إن مؤشر شنغهاي المركب، الذي ارتفع أربعة أضعاف خلال السنتين الأخيرتين، انخفض خلال 48 ساعة بنسبة تزيد عن 10 بالمائة، وهذا أكبر انخفاض يحصل خلال يومين في تاريخ بورصة شنغهاي. وفي اليوم نفسه، قام مستثمرون هنود مصعوقون، غاضبون بسبب هبوط مؤشر سنسكس المعياري في مومباي بنسبة 5 بالمائة خلال يومين متتاليين، بتنظيم احتجاج خارج مبنى بورصة بومباي، هاتفين "الموت لـ [وزير المال بالانيابان] تشادامبارام".

في دافوس، بسويسرا، كان من شأن تقلب الأسعار تحييد جدول أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي عن خط النقاش المرسوم له. ففي اللحظة نفسها التي كان فيها المشاركون يترجلون من القطار الريفي الذي يدخل منتجع التزلج في جبال الألب، كانت الفوضى تعم كل الأمكنة في وطنهم. وبدلا من مناقشة وباء الملاريا والتمويل الوحدي، أمضى الكثير من كبار المديرين وقتهم منحنين بقلق فوق شاشات حواسيبهم ومنقّلين أصابعهم على هواتف بلاكبيري كمن ينقّل أصابعه بين حبيبات السبحة. وقد ألغى وزير الخزانة هنري بولسن زيارته المقررة وبقي في واشنطن للمساعدة على إعداد رزمة حلول تحفيزية.

إن حالة الهلع الكبرى في السوق العالمية عام 2008 تجعل الجميع يتساءلون هل الولايات المتحدة، السائرة حاليا على درب الركود الاقتصادي، تدخل الآن مرحلة طويلة من المشاكل الاقتصادية يتم خلالها خفض عدد الوظائف، وتستمر الأسعار في ارتفاعها وكذلك قيمة الدولار بالتراجع» وإن كان الأمر كذلك، فيتساءلون هل اقتصاد الولايات المتحدة المتردي سيجعل بقية بلدان العالم تهوي معه. يُعرف الركود الاقتصادي بأنه انقباض واسع النطاق في الحركة الاقتصادية يدوم لأكثر من بضعة أشهر، وبسبب التأخر في المعطيات المالية، لا يجري عادة الإعلان رسميا عن وجود حالات ركود إلا بعد وقت طويل من بدئها. باختصار، من الممكن أن تكون الولايات المتحدة بدأت تعاني حالة ركود اقتصادي. ومع أن الأسواق العالمية استعادت استقرارها في أواخر الأسبوع الماضي، مدعومة من خفض معدلات الفائدة الذي أقره الاحتياطي الفيدرالي ومن اقتراح لرزمة حلول تحفيزية بقيمة 150 بليون دولار وضعه - على عجلة- قادة في مجلس النواب والرئيس بوش، يبقى السؤال المطروح: ما درجة السوء التي سيصل إليها الوضع، ومتى ستبلغ نهايتها؟ المعطيات المخيبة للآمال حول الوظائف ومبيعات المفرق العائدة إلى شهر ديسمبر تشير إلى أن عجلة الاقتصاد قد توقفت. أمام الآلة المالية المعقدة التي تربط اليوم بين أسواق العالم، هل يسحق ركود اقتصادي أمريكي نسبة النمو الكبيرة التي شهدناها في الأسواق الناشئة مثل الهند والصين، ويُسقط الاقتصاديات الأوروبية في الهاوية؟ يقول نوريال روبيني، أستاذ العلوم الاقتصادية في كلية ستيرن للأعمال في جامعة نيويورك: "نحن، طبعا، بعيدون جدا عن ركود كالركود الاقتصادي العظيم. ولكن من حيث الخطر العام ومخاطر الانهيار المالي الكامل، ربما يحتم علينا العودة إلى تلك الفترة البعيدة لتوفير تشبيه ملائم".

الأسئلة مفتوحة، وطارئة ومُربكة، وتحمل مغزى عميقا بالنسبة إلى الأسواق واقتصادياتها الكامنة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى العمال والمستهلكين. والأرجح ألا يتضح الحل قبل عام من الآن، مع افتتاح أعمال منتدى دافوس عام 2009. وتبقى الشكوك بمنزلة صب للزيت على حركة أسواق الأسهم السريعة الاشتعال. إن المستثمرين من شنغهاي إلى سياتل، من المتهورين في التعامل بالصناديق الاستثمارية المختلطة، إلى المدخرين الهادئين المنتظمين في صندوق التقاعد، يشبهون اليوم بهلوانيي السيرك الذين يتأرجحون على لوح فوق كرة. فهم لا يحافظون على توازن هش إلا بالتمايل الشديد إلى الأمام وإلى الخلف. على الرغم من أفضل الجهود التي يبذلها المحللون، غالبا ما تتحدى تقلبات أسواق الأسهم اليومية المنطقَ أو التفسير السهل. فالأسواق تعالج بلا توقف التوقعات، والآمال والمخاوف المتعلقة بالمستقبل العاجل للأسهم وللحركة الاقتصادية الكامنة في نهاية المطاف وراءها.

إذا ما نظرنا إلى التقلبات الأخيرة في المزاج، نستطيع تشخيص حالة الاقتصاد العالمي بالمس الانقباضي. ومن الغموض الذي لف الأسواق الأسبوع الماضي، يبرز سبب واضح لحالة التناقض هذه. من الناحية الأولى، الولايات المتحدة، وهي أكبر قوة اقتصادية في العالم ووجهة العديد من الصادرات العالمية، يمكن أن تكون على شفير ركود اقتصادي ولكن في الوقت نفسه، تظهر على الاقتصاد العالمي، وبعد فترة خمس سنوات لافتة عرفت خلالها كل القوى الاقتصادية الكبرى تقريبا نموا متزامنا، بوادر لما يسميه علماء الاقتصاد "تفكك الترابط". هذا هو معنى تفكك الترابط: على الرغم من أن محرك العالم الاقتصادي، أي الولايات المتحدة، قد توقف عن العمل، يعتقد المتفائلون أن عربات القطار التي كان يجرها خلفه خلال العقود العديدة الماضية، ولاسيما الأسواق الناشئة كالهند والصين، قد تتمكن أخيرا من متابعة سيرها بدفع من قوتها الخاصة إن المشاكل الحالية تكونت شيئا فشيئا خلال سنوات عدة، وبالنظر إلى الماضي، كان توقعها أمرا سهلا. في الولايات المتحدة، بدأت المشاكل مع الإفراط والتقصيرات في سوق إقراض سندات الدين العقاري ذات التصنيف الائتماني المنخفض وفي سوق الإسكان. ومع انفجار الفقاعة، ازدادت عمليات حبس الرهن وتوقفت أنشطة الإسكان توقفا سريعا. على مر عام 2007، توسعت رقعة المذبحة ببطء، من مقترضي سندات الدين العقاري ذات التصنيف الائتماني المنخفض وشركات بناء المنازل، إلى مالكي المنازل من الطبقة الاجتماعية الوسطى والمتاجر التي يرتادونها، كمتاجر هوم ديبوت. ومع استفحال ديون سندات الدين العقاري ذات التصنيف الائتماني المنخفض، فإن المقرًضين والبنوك الذين اقتحموا بتهور سوق سندات الدين العقاري ذات التصنيف الائتماني المنخفض منيوا بخسائر فادحة. ففي الأسابيع الأخيرة، خفّض البنكان الممتازان سيتيغروب وميريل لينش تخفيضا هائلا القيمة الدفترية للأصل، تجاوز 30 بليون دولار، لسندات الدين العقاري ذات التصنيف الائتماني المنخفض وللاستثمارارات المرتبطة بها. إن ما بدأ بصورة مجهود لتوزيع المخاطر، بتحويل الديون العقارية إلى أدوات مالية، والتعامل بها ومن ثم محوها من دفاتر حسابات البنكين ونقلها إلى أسواق رؤوس المال العالمية، فاقمَ تلك المخاطر، في الواقع. فعقب الخسارة، أرسلوا أسرابا من طائرات رجال الأعمال إلى دول الخليج العربي وآسيا بهدف جمع رأسمال جديد من مختلف الصناديق الاستثمارية الحكومية التي حلت مكان صناديق الاستثمار المباشر والصناديق الاستثمارية المختلطة كسُبل الاستثمار المفضّلة لدى الشركات سيئة الأحوال. ولما انخفض عرض القروض، بدأ المستهلكون، الذين يشكلون 70 بالمائة من الحركة الاقتصادية في الولايات المتحدة، يخفضون نسبة مصروفهم، الأمر الذي أدى إلى فترة عيد ميلاد كئيبة بالنسبة إلى متاجر البيع بالمفرق، من "دولار جنرال" إلى "تيفاني".

بالطبع، في كل مرحلة من المراحل، أعلن واضعو السياسات وقادة الشركات أنه تم احتواء الأضرار، ليروا لاحقا القالب المالي يتفتت كليا. يقول كن روغوف، بروفيسور العلوم الاقتصادية في جامعة هارفرد: "الأزمة تسير على الخطى القديمة المختبرة لنوبات الجنون المالي السابقة. فعلى غرار هذه الأزمة بالذات، كان معظم الأزمات المصرفية في السابق ينتج عن ارتفاع أسعار العقارات والأسهم. إن حل الأزمة يستغرق وقتا".

لقد صمدت أسواق الأسهم الأمريكية جيدا جدا عام 2007 أمام المحنة المتفاقمة، وذلك بفضل نزعتي اقتصاد كلي قويتين. لقد بقي النمو الاقتصادي قويا حتى الربع الثالث، وقد بدأ الاحتياطي الفيدرالي، بقيادة بن برنانك، بتخفيض معدلات الفوائد في شهر سبتمبر، الأمر الذي يبشر عادة بتحقيق الأسواق أرباحا. إن ازدهارا مستمرا في الاقتصاد العالمي عوّم شركات متعددة الجنسيات مثل "آي بي أم"، و"جنرال إلكتريك" و"كوكا كولا". لكن الأعمدة التي تحمل سوق الأسهم، وهي الإسكان، والمستهلك، والخدمات المالية، والسلع الفاخرة، بدأت تتصدع الواحدة تلو الأخرى، ثم تردّت أخبار الاقتصاد الكلي خلال ديسمبر ويناير. بحلول الأسبوع الماضي، بدا أن المستثمرين لجأوا إلى خط دفاعهم الأخير، ألا وهو شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل "آبل"، ذات هوامش الأرباح الكبيرة، والمنتجات الرائجة والنمو العالمي الكبير لكن آبل أصدرت عصر الثلاثاء بيان دخل خيب آمال المحللين» فقد خُفض سعر السهم فيها بنسبة 31 بالمائة حتى الآن في هذا العام. أما شركة Google سريعة النمو، ومعشوقة السوق المرتفعة الأسعار، فانخفضت قيمة سهمها بنسبة 26 بالمائة منذ أعلى قيمة له في نوفمبر 2007.

ما علاقة كل ذلك إذن بسعر الأسهم في الصين؟ مع ازدياد حجم التبادل التجاري، والتدفق المفتوح لرؤوس الأموال، وزيادة التضييق على الدمج الاقتصادي، أصبحت أسواق البورصة في العالم متزامنة السلوك: فمن المحتمل أكثر بكثير أن تتحرك في الاتجاه نفسه في الوقت نفسه. من الواضح أن الوضع اختلف تماما في التسعينات. ومع ذلك، رغم هذا النمو العالمي كله، لا تزال الولايات المتحدة أكبر قوة اقتصادية في العالم، وأكبر مصدر أحادي للطلب على الصادرات من الصين وعدة بلدان أخرى. يقول وانغ تونغجيانغ، الاختصاصي المالي في جامعة إيست تشاينا نورمال (إي سي أن يو): "أصبح اليوم بين الصين والاقتصاد العالمي رابط قوي جدا. إن الانهيار الذي شهدته الأسواق يعكس بجزء منه التشاؤم والقلق من مستقبل الشركات العاملة في قطاع التصدير". من المتعارف عليه في الاقتصاد أنه إذا عطست الولايات المتحدة، فسيصاب باقي العالم بالزكام. أو بذات الرئة.

لكن بين الأسواق والاقتصاد الحقيقي فرقاً. تتزايد أعداد رجال الأعمال وعلماء الاقتصاد الذين يعتبرون أن الولايات المتحدة وبقية دول العالم ربما تسير حاليا في اتجاهات مختلفة. يقول جيمس أوونز، المدير التنفيذي لعملاق الآليات الأمريكي "كاتربيلر": "نحن نشهد تفككا عاما للترابط". ولما كان الطلب ضعيفا في الولايات المتحدة، يقول: "أمريكا الجنوبية، وآسيا، وروسيا، وأوروبا الشرقية، تتمتع كلها بصادرات قوية جدا تعتمد على السلع الأساسية. إن الصحة الاقتصادية الجوهرية في هذه الأسواق ممتازة". علاوة على ذلك، لم تعد الشركات والمستهلكون في هذه البلدان يعتمدون على التمويل الأمريكي حتى يشتروا الجرارات ومعدات البناء.

لقد كانت عبارة "تفكك الترابط" واحدة من العبارات الرنانة التي نشأت عن منتدى دافوس. ثمة كتاب رائج المبيع عنوانه The World Without Us (العالم من دوننا) يدور حول مصير كوكبنا في غياب البشر. لكن ثمة إمكانية كبيرة لأن يكون أيضا عنوان الاقتصاد العالمي عام 2008. ففيما لا تقدم الولايات المتحدة أي إسهام مادي ربما إلى النمو الاقتصادي، يقول وافدون وقحون جدد على ساحة الاقتصاد العالمي إنهم يستطيعون الإمساك بزمام الأمور اعتبارا من الآن.

لقد قال وزير التجارة الهندي كمال ناث لنيوزويك: "إن نمونا الاقتصادي ليس مدفوعا من الصادرات. بل هو مدفوع من الطلب الداخلي. نحن لم نزدهر على حساب الولايات المتحدة". ويقول إن الصين أخذت مكان الولايات المتحدة كأكبر شريك تجاري للهند، وإن الصادرات إلى الولايات المتحدة تتركز في قطاعات مثل تكنولوجيا المعلومات والمستحضرات الصيدلية. إن الصادرات، على أهميتها، تشكل نحو 23 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي للهند. ومع ذلك، يشير شنكر أشاريا، العالم الاقتصادي في المجلس الهندي للأبحاث حول العلاقات الاقتصادية الدولية، إلى أن وجود ركود في الولايات المتحدة يمكن أن يخفض النمو بنسبة 0.5 بالمائة في الهند هذا العام.

إن علماء الاقتصاد الصينيين هم على المستوى نفسه من التفاؤل فيما يتعلق بأحوال بلدهم. لقد قال يو يونغدينغ، مدير معهد الصين للاقتصاد والسياسة العالميين: "تحتل الصين موقعا ماليا جيدا، ولدينا طلب داخلي قوي". بالرغم من ذلك، وبسبب تراجع الطلب على الصادرات إلى الولايات المتحدة، الأرجح أن يشهد اقتصاد الصين المفرط الزخم تراجعا. يرى يو أن معدل نمو الصين سيهبط عام 2008 إلى 9 أو 10 بالمائة، وذلك من معدل النمو الحالي الذي يقارب 11 بالمائة، "وهذا تقدير متحفظ جدا مني".

من المؤكد أن الأذى يمكن أن يطال الصانعين الصينيين للسيارات الألعاب الذين يصدّرون كل منتجاتهم إلى الولايات المتحدة. لكن صانعي السيارات الحقيقية في الصين ــ وفي بلدان أخرى ــ ينتجون سلعهم إلى الأسواق الناشئة. ففي عام 2007، وللمرة الأولى، باعت شركة "أودي" في الصين سيارات أكثر مما باعت في بريطانيا أو الولايات المتحدة» لقد أنشأت أول مشروع مشترك لها في الهند. إن روبرت ستادلر، المدير التنفيذي لأودي، قال نيوزويك: "عملنا على تنويع أسواق صادراتنا لئلا نعتمد على منطقة أساسية واحدة فقط". إنه واثق بأن "النمو في الأسواق الناشئة سيعوض عن النمو الأبطأ في مناطق أخرى".

ليس الجميع مقتنعا بأن اقتصاديات الولايات المتحدة وسائر دول العالم آيلة إلى الطلاق. إن ديفيد ماكورميك، مساعد وزير الخزانة للشؤون الدولية قال لنيوزويك: "الرياح الأمامية التي تواجه حاليا اقتصاد الولايات المتحدة تتشكل بصورة أساسية من تراجع سوق الإسكان، ومن اضطراب سوق رأس المال، وارتفاع أسعار مصادر الطاقة ولكي تصيب نظرية تفكك الترابط، يجب إثبات أن هذه المشاكل ليست، إلى حد معين على الأقل، مشاكلَ تؤثر في الاقتصاديات خارج الولايات المتحدة. لا أعتقد أن إثبات ذلك ممكن".

ثمة مسألة مؤكدة وهي أن الولايات المتحدة أصبحت تعتمد اليوم على طيبة الأجانب بدلا من أن يكون الوضع معكوسا. فمع تراجع قيمة الدولار، تعوم شركات أمريكية عديدة جرّاء الصادرات. لقد قال أدوارد غريسر، مدير المشروع التجاري في مؤسسة السياسة التقدمية: "أقله حتى نهاية عام 2007، عوضت الصادرات عن تراجع النمو في قطاع الإسكان". لقد ارتفعت قيمة الصادرات من 980 بليون دولار عام 2002 إلى 1.62 تريليون دولار العام الماضي، أي بزيادة 65 بالمائة. إن نينا كابلان، مؤسسة شركة "ساميت ميتالز ريكوفري كورب"، وهي شركة تتعاطى تجارة خردة المعادن في ليونيا، نيوجرسي، شهدت ازديادا في مدخولها بلغ الضعفين في السنة الماضية، وذلك بفضل الطلب المزدهر من الصين، وقد استخدمت لتوها موظفا يتكلم اللغة المندرينية. وقالت: "يوجد حاليا طلب هائل على خردة المعادن، وهذا يعود إلى العولمة وإلى انتشار التصنيع في مختلف أنحاء العالم".

لكن تزايد الصادرات لم يضع حدا لتراجع اقتصاد الولايات المتحدة، ولهذا السبب توجب على واشنطن أن تتدخل لتسبب هزة ما. في ظل الاتفاق الثنائي الطرف بين الرئيس بوش ومجلس النواب، سيحصل مسددو الضرائب الذين يجنون أقل من 75 ألف دولار كأفراد أو 150 ألف دولار كعائلات على 300 دولار عن كل فرد و600 دولار عن الزوجين، إضافة إلى 300 دولار عن كل ولد. علاوة على ذلك، ستحصل أيضا نحو 35 مليون عائلة لا تسدد ضرائب الدخل الفيدرالية على شيكات قيمتها 300 دولار» يُفترض بالشيكات أن تنقل 100 بليون دولار إلى أيدي المستهلكين المفتقرين إلى النقود. وستحصل الشركات على 50 بليون دولار من التخفيضات الضريبية بشكل ازدياد مؤقت في الاقتطاعات في بعض الاستثمارات التجارية. كما أن الخطة تعزز لمدة سنة حجم القروض التي تستطيع أن تشتريها الجمعية الفدرالية الوطنية للرهن العقاري والشركة الفيدرالية للرهن العقاري على القرض المنزلي، وذلك من 417 ألف دولار إلى 625500 دولار، الأمر الذي ينعكس على معدلات فائدة أقل على الرهن العقاري بالنسبة إلى العديد من أصحاب المنازل.

"ما من حل سحري هنا، لكن الخطة ستقدم عونا كبيرا"، كما قال النائب بارني فرانك، رئيس لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب، والذي لعب دورا أساسيا في التوصل عبر المفاوضات إلى اتخاذ إجراءات في رزمة الحلول التحفيزية. إلا أن تأثير الرزمة ــ والتصديق عليها في نهاية المطاف ــ يبقيان موضع شكوك. فعلى مجلس الشيوخ أن يستعمل نفوذه. لقد خاب أمل بعض الديموقراطيين من كون الخطة لا تمنح إعانات بطالة وتزيد عدد القسائم الغذائية، التي يتم عادة صرفها بسرعة. إن السيناتور كنت كونراد من ولاية نورث داكوتا، ورئيس لجنة الموازنة، يقلق من ألا تصل الشيكات إلى علب بريد المستهلكين قبل شهر يونيو على الأرجح. لقد قال: "أظهرت نتائج عام 2001 أن ما بين ربع سنة وربعين مرّ قبل أن يتمكن الناس في الواقع من صرف النقود". ربما يكون الأوان قد فات عندئذ لمساعدة متاجر البيع بالمفرق التي تغلق العشرات منها أبوابها. صحيح أن التدابير المتخذة بشأن الرهن العقاري غير مضرة، لكن جزءا كبيرا من الأضرار قد وقع. لقد انخفضت نسبة مبيعات المنازل الموجودة مجددا في شهر ديسمبر بنسبة 2.2 بالمائة، فيما الأسعار تسير نحو انخفاض إضافي. يوم الخميس الماضي، أفاد تقرير لشركة لينار العملاقة لبناء المنازل أن نسبة مبيعات المنازل انخفضت 50 بالمائة في الربع الرابع من عام 2006. أما التوقع المثير للكآبة لعام 2008 والذي جاء على لسان ستيوارت ميلر، المدير التنفيذي في "لينار" فهو: "لسنا نتوقع أن تتحسن أحوال السوق".

إلا أن الوضع ليس سوداويا بالكامل. ففي اللحظة التي كان السياسيون يهنئون أنفسهم فيها على اتخاذهم خطوة شجاعة بالتصويت على إرسال النقود إلى الناخبين خلال سنة انتخابات، كان المستثمرون يتطلعون إلى قيام الاحتياطي الفيدرالي بخفض معدلات الفوائد بنسبة أكبر في اجتماعه المقرر هذا الأسبوع. إن المطالبات بإعانات البطالة استقرت في الأسابيع الأخيرة على 300 ألف، وهو رقم منخفض، الأمر الذي يشير إلى إمكانية أن يكون الاقتصاد قد أضاف عددا لا بأس به من الوظائف في شهر يناير، وهذا وفقا لإيان موريس، أحد العلماء الاقتصاديين في بنك أتش أس بي سي. وأضاف: "هذا هو السبب الذي جعلنا نمانع حتى الآن الإعلان عن وجود حالة ركود". إذا كانت ردة فعل الاقتصاد مماثلة لردة فعله التقليدية أمام تدابير قاسية من هذا النوع، فمن الممكن أن يكون أي ركود اقتصادي خفيف الوطأة وقصير المدة نسبيا لكن السياسيين يشعرون بتفاؤل أكثر من معظم المحللين والخبراء الاقتصاديين الآن، ويعود ذلك جزئيا إلى شعور واسع بالخوف من مشاكل إضافية تتعلق بالتسليف، تفوق طاقة المستهلكين، والشركات وأصحاب المنازل. إن النظام المالي في الولايات المتحدة أشبه بلعبة جنغا، التي ينزع فيها اللاعبون الدعامات من الهيكل إلى أن ينهار. لن تقدم الرزمة التحفيزية مساعدة كبيرة في تدعيم الحلقات الحالية الضعيفة الموجودة في البناء المترنح. خلال مأدبة الغداء في دافوس، سرد مدير أحد الصناديق الاستثمارية المختلطة جورج سوروس رواية عن القروض كانت رهيبة بما يكفي لجعل عدة صحافيين يغصّون بشريحة لحم العجل بالكراث الأندلسي. لقد قال: "إن قدرة الاحتياطي الفيدرالي على إنقاذ الوضع محصورة بشكل لم يُشهد له مثيل في السابق". المسألة ليست ببساطة مسألة خفض معدلات فوائد لتمكين البنوك والشركات من الحصول على أموال إضافية. إن مصدر قلقه، كما هي حال الكثيرين غيره، هو قيمة شركات التأمين على السندات، وعقود مبادلة العجز عن سداد القروض، وأدوات استثمارية اشتقاقية أخرى، هي احتكارات للسوق غامضة وغير خاضعة بشكل واسع للقوانين.

ابتداء من تسعينات القرن الماضي، طورت البنوك الاستثمارية ما يشبه نظام القرض المتوازي. هذا الأخير يتضمن عقود مبادلة للعجز عن سداد الديون، وهو نوع من التأمين يكون له مردود في حال بطلان سند ما. إن القيمة الإجمالية لهذا النوع من العقود بلغت عام 2007، حسب الجمعية الدولية للمبادلات المالية والأدوات الاستثمارية الاشتقاقية: 45 تريليون دولار. الشركات التي كان تعمل في المجال الممل لتأمين السندات البلدية وسعت نشاطاتها بشراسة لتشمل هذا النظام، مؤمّنةً سندات ترتكز على ديون غير مؤهلة. إن تراجع قيمة الدين غير المؤهل أثار مسألة استقرار هذه الشركات نفسها، وصلاحية بوليصة التأمين التي تبيعها وقيمتها، ومن الممكن أن يؤدي ذلك إلى دورة انحدارية لتخفيضات القيمة الدفترية للأصل. العجز عن سداد الديون في هذا المجال يمكن أن يتسبب بخسائر تصل إلى 250 بليون دولار، وفقا لبيل غروس، مؤسس شركة "بيمكو" العملاقة للصناديق الاستثمارية المشتركة، وهو مبلغ يناهز ذاك الذي سيخسره المستثمرون من الرهونات غير المؤهلة. إن القلق حول الأسعار المتهاوية لأسهم شركات تأمين السندات مثل "أم بي آي آي" و"أمباك" ارتفع إلى مستوى دفع مدير وكالة التأمين في ولاية نيويورك أريك دينالو إلى الاجتماع بمديرين في قطاع الخدمات المالية بهدف وضع خطة تعويم محتملة. لقد قال سوروس: "عالجنا مسألة السيولة، وعلينا الآن معالجة مسألة الملاءة".

ليس علماء الاقتصاد عادة جماعة ساخرين. لكن الاقتصاد العالمي يتسم اليوم بقدر كبير من السخرية، ولا سيما عندما تحتاج شركات التأمين إلى تأمين. الرهونات غير المؤهلة، والسندات المرتكزة عليها، هي في الولايات المتحدة نظيرة الألعاب المحتوية على الرصاص ومعجون الأسنان الملوث بالمواد الكيميائية في الصين، أي إنها صادرات يُفترض أن تكون آمنة فيتبين أنها سامة.

إن المستثمرين المتشائمين والمقرّعين في منتدى دافوس العام الماضي تحولوا إلى حكماء هذا العام. سنة 2007، كان مدراء الشركات المساهمة الخاصة والبنوك الأمريكية نجوم منحدرات التزلج في سويسرا. أما هذا العام، فمديرو الصناديق الاستثمارية الحكومية من الخليج العربي وآسيا كانوا هم محط الإعجاب الأساسي. إن ما كان يُعتبر عموما أقوى نظام مالي في العالم يبدو اليوم من أضعف الأنظمة، بينما تكاد الاقتصاديات الناشئة تكون نماذج للسلامة المالية والنقدية. خلال التسعينيات من القرن الماضي، اهتزت الأسواق العالمية جراء الأزمات في المناطق النامية، كأمريكا اللاتينية، وروسيا والشرق الأقصى. أما اليوم فتهزها مشاكل في البلدان الأشد تطورا، كالسندات غير المؤهلة في الولايات المتحدة» وإفلاس بنك إقراض الرهون نورذرن روك في المملكة المتحدة» وفضيحة التعاملات الاحتيالية في بنك سوسييتيه جنرال الفرنسي. من الواضح أن نظاما ماليا جديدا بدأ يخيم.

استنتاجا من النزعات الحالية - وهي الطريقة التي يُجري بها معظم الخبراء الاقتصاديين توقعاتهم - الأرجح أن تستمر الولايات المتحدة في شق طريقها بجهد وهي تمحو آثار طوفان الديون وتعالج مشاكل القروض النظامية، فيما الأرجح أن تنتقل الأسواق الناشئة كالصين والهند من الازدهار الصاروخي السرعة إلى الازدهار السريع. لكن التوقعات في أزمنة التحولات لا يعول عليها بشكل متأصل. فالاقتصاد العالمي وبعض من مكوناته الشديدة الطموح تسير إلى درجة كبيرة خبط عشواء.

هذا لا يعني أن العالم يواجه ركودا عظيما ثانيا، فاقتصاديات العالم مختلفة اختلافا جذريا عما كانت عليه قبل 80 سنة، عندما كان أجدادنا مرغمين على أن يشحذوا القروش. في دافوس، أشار فريد بيرغستن، مدير مؤسسة بيترسون للاقتصاد العالمي التي تتخذ من واشنطن مقرا لها، إلى أن الأسواق الناشئة اليوم تشكل ما يناهز نصف الاقتصاد العالمي. إذا افترضنا أن الولايات المتحدة واليابان لا تشهدان أي نمو، وأن الأسواق الناشئة تنمو بنسبة 5 أو 6 بالمائة، فسينم الاقتصاد العالمي مع ذلك عن نمو ملموس عام 2008. لقد قال بيرغستن: "توصلت إلى استنتاجً أن ركودا اقتصاديا عالميا أمر غير قابل للتصور" لكن في الاقتصاديات والأسواق، التطورات غير القابلة للتصور، سواء أكانت سارة أو سيئة، تميل إلى البروز بشيء من الانتظام. إن تلك النقطة وُضحت بشكل حازم في دافوس من قبل جاكوب فرينكل، الحاكم السابق لبنك إسرائيل. ففي خضم جلسة عن مصير الاقتصاد العالمي اتسمت إجمالا بالتفاؤل، قال: "في العام الماضي، لم يأت أحد على ذكر الرهونات غير المؤهلة".

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:newsweek-4-2-2008