بكين تبدأ دفع ثمن تدخلها لـ "تعقيم" سوق الصرف

 

ريتشارد مكريجور

 

 

مع وصول احتياطي الصين من العملات الأجنبية إلى مستويات غير مسبوقة وغير مريحة في السنوات الأخيرة، وجد صانعو السياسة الصينيون عزاء في فكرة أنهم على الأقل يجنون أرباحاً على الورق من إدارة هذه الأموال.

وكي يحافظ على استقرار الرنمينبي، يعمد بنك الشعب الصيني إلى شراء كل العملة الأجنبية التي تدخل إلى البلاد ويستثمرها، وبعدئذ يحاول "تعقيم" التأثير النقدي في الصين عبر إصدار فواتير بالعملة المحلية لسحب تلك الأموال من التداول وارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة وانخفاضها في الصين يعني أن الدولارات التي تستثمرها بكين في الولايات المتحدة تدر على البنك المركزي الصيني أكثر مما يدفع في فواتير العملة المحلية لكن عجلات السياسة النقدية عكست اتجاهها بشكل مفاجئ الآن. فأسعار الفائدة آخذة في الانخفاض في الولايات المتحدة، بينما بدأت ترتفع في الصين التي تتشدد حكومتها في سياستها الائتمانية من أجل محاربة التضخم وتهدئة بعض قطاعات الاقتصاد ونتيجة لذلك، سيدفع البنك المركزي الصيني نحو على الفواتير التي يصدرها في البلاد 250 نقطة أساس أكثر مما يحصل عليه من سندات الخزينة الأمريكية ونمت هذه الفجوة بسبب خفض أسعار الفائدة من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي يوم الأربعاء وبعملية حسابية بسيطة، يتبين أن بكين تخسر مليارات الدولارات. وتتضاعف هذه الخسائر إذا أخذنا في الحسبان أثر ارتفاع قيمة العملة الصينية.

ولو تمت جدولة هذه الخسائر بصورة معقولة وتتسم بالصدقية، فإنها يمكن أن تصبح بسهولة قضية سياسية كبيرة في الصين حيث يتواتر الجدل الحاد الذي يلقى باللائمة على السياسات التي تؤدي إلى تبديد ثروة الدولة وأحجم عدد من خبراء الاقتصاد الصينيين الذين تم الاتصال بهم فيما يتعلق بهذا المقال، عن مناقشة احتمال تحقق خسائر قياسية من العملات الأجنبية، بسبب حساسية هذا الموضوع ووفقاً لحسابات أجراها هونج ليانج، الخبير الاقتصادي في بنك جولدمان ساكس ـ الصين، تخسر الصين نحو أربعة مليارات دولار شهرياً بسبب تدخلها للإبقاء على قيمة عملتها منخفضة مقابل العملات الأجنبية، ويتزايد هذا المبلغ لأن احتياطيها من العملات الأجنبية ما زال يتنامى بسرعة تفوق سرعة نمو الناتج المحلي الإجمالي وحسب براد سيتسر من مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، لو تم حساب الخسائر على " أساس تراكمي، أي باحتسابها وأنت تضيف إليها وليس عندما تدركها، فستكون الخسارة أعلى، قريباً من 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي".

ويتابع: "البنوك المركزية مربحة عموما، وهي تدفع أرباحاً للحكومة بعد تغطية مصاريفها. ولذلك الخسائر لأول وهلة تأتي من تدني الأرباح وليست خسائر مباشرة" وقال ستيفن جرين، من بنك ستاندار تشارتر في شنغهاي، إن عكس أسعار الفائدة معناه أن عمليات بنك الصين الشعبي الآن "سالبة من حيث التدفق النقدي" لكن إذا أردت أن تحسب التكلفة، فعليك أن تتذكر أن البنك ما زالت لديه أموال كثيرة (من السنوات السابقة، حين كانت أسعار الفائدة في صالحه)".

ولا تصرح الصين بالعناصر التي يتكون منها ما تحتفظ به من العملات الأجنبية، ولا كيف يتم استثمارها، وهذا يعني أن أي حساب للخسائر يعتمد على التخمين إلى درجة ما.

وحاول بنك الشعب الصيني أن يستبق التحول في أسعار الفائدة كذلك، عندما اعتمد في السنة الماضية على طرق أخرى لعزل الأموال الداخلة إلى البلاد، فطلب من البنوك التجارية إيداع مزيد من الأموال لديه في صورة احتياطي إجباري. وأصبح على البنوك الصينية أن تضع 15 في المائة من ودائعها لدى بنك الشعب الصيني بفائدة تقل كثيراً عن نسبة الـ 4 في المائة التي تعطيها فواتير العزل وهناك أيضا خلاف حاد بين خبراء الاقتصاد حول تقييم تلك الأموال وأثر أية خسائر، إن وجد، ترد في الميزانية العمومية للبنك المركزي وذكر أحد كبار خبراء الاقتصاد الصينيين: "أن ذلك لا يهم"، مضيفاً أن الاحتياطي لم يكن معداً أبداً لاستخدامه كأي أموال استثمارية عادية.

وقال نيكولاس لاردي، من معهد بيترسون في واشنطن، إن بعض خبراء الاقتصاد الأمريكيين يوافقون على هذا القول. وخلص إلى أن "هذه كانت خسائر على الورق ولا يترتب عليها أية تبعات اقتصادية" على أن لاردي قال إن الخسائر على مخزون احتياطي العملات الأجنبية يمكن أن يكون لها تأثير إذا أريد استخدام هذه الأموال كما كانت تستخدم في الماضي لإعادة رسملة المؤسسات المالية وربما كان من الأهم بكثير احتمال امتداد هذا الأثر في صناعة سياسات الخسائر إلى عمليات التقييم التي يتبعها البنك المركزي.

وقال لاري: "مثلا، خضع البنك المركزي الكوري للأمر الواقع وسمح بارتفاع قيمة عملة البلاد بشكل كبير بعد أن بدأ بتكبد خسائر كبيرة من عمليات العزل التي كان يقوم بها" وبدأت قيمة الرنمينبي ترتفع بشكل أسرع في الأشهر الأخيرة، بمعدل بلغ 20 في المائة تقريباً في السنة، مقارنة بـ 6 إلى 7 في المائة طيلة عام 2007 بكامله وفي المدى القصير، بدأت تخفيضات سعر الفائدة التي أجراها بنك الاحتياطي الفيدرالي تتسبب على الأرجح في تأخر عمليات رفع الفائدة المتوقعة كثيرا من جانب بنك الشعب الصيني، ربما حتى نيسان (أبريل) أما في المدى الطويل، فيقول خبراء الاقتصاد إنه لن يكون أمام الصين من خيار إلا السماح بارتفاع قيمة عملتها بشكل أسرع، حتى في وجه المقاومة المحلية الكبيرة لذلك، وذلك في المرحلة التي يبدأ فيها نمو صادراتها في التباطؤ.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:5 aleqt -2-2008