الوقت مناسب ليصبح الجميع أكثر حيوية

 

صمويل بريتان

 

 

كان لدينا منذ عدة سنوات صديق يهودي لتواني اعتاد أن يختار في حديثه تعابير إنجليزية اصطلاحية مثيرة وكان من بين التعبيرات تعبير "يصبح أكثر حيوية" وحين أنظر إلى معظم التعليقات حول الأزمة الائتمانية، أميل إلى ترديد هذا التعبير موجهاً إياه إلى نفسي. ومن المؤكد أننا نعرف الآن أن اقتصادات السوق لا تتحرك وفقاً لخط مستقيم، لكنها تتعرض لنكسات بقوة متغيرة، بصورة دورية. وعرّف الراحل كريستوفر داو في دراسته العظمى "حالات الركود الرئيسية"، هذه الأمور كمناسبات يظهر فيها الناتج المحلي الإجمالي تراجعاً مطلقاً بين عام والعام الذي يليه. وشهدت المملكة المتحدة خمس دورات من هذا النوع منذ عام 1920 (1920-1921، و1929- 1932، و1973- 1975، و1979-1982، و1989- 1993).

وتراجع الإنتاج في هذه الدورات بنسبة متراكمة قدرها 10 في المائة، مقارنة بالاتجاه العام. وإذا احتسبنا أثر فترات التعافي المتعاقبة، فإن الأثر الصافي كان تراجع اتجاه النمو من 3 إلى 2 في المائة سنوياً. إنها ليست بالقصة الممتعة، غير أنها ليست كافية لتبرير ادعاء كثير من المعلقين من أصحاب تفكير الأماني الذين يدعون في كل مرة أن الأزمة النهائية للرأسمالية وصلتنا في نهاية المطاف. والأمر الأشد إزعاجاً هو الطريقة التي يحب فيها أعضاء النخبة المالية التوغل في التشاؤم. ويقول أحدهم للآخر: "الأزمة أسوأ مما تعتقد"، ثم يبدأون بالتخمين حول أي مشروع تال هو الذي سينهار. ومن بين الكلاشيهات الكلامية المضللة التي تتردد في مثل تلك الأوقات: "لم تعد القواعد القديمة تنطبق"، و"لم تعد العلاجات التقليدية تجدي نفعاً".

كان أحد أسباب توجهي لدراسة علم الاقتصاد هو حيرتي إزاء البطالة القسرية: التناقض القائم بين الحاجات غير الملباة إلى جانب الأيدي العاطلة عن العمل. وبينما هناك ما يكفي من المشكلات الأصلية بسبب ندرة الموارد الحقيقية لتلبية كل شيء نريد عمله، فإن حالات الكساد المرفقة بالافتقار إلى الإنفاق تعتبر إضافة لا ضرورة لها. وهناك وسائل أكثر من كافية لتحفيز المواطنين أو الحكومات على زيادة الإنفاق واحتاج صانعو السياسة إلى نظرية جون ماينارد كينز المسهبة في التفاصيل كي يقتنعوا بالأمور الواضحة من الطبيعي أن هناك المزيد مما ينبغي قوله، إذ إن نقص الطلب لا يسبب كل أشكال البطالة. فهي قد تعكس إصرار النقابات العمالية، أو غيرها من أصحاب المصالح على مكافآت حقيقة تخرج الناس من نطاق الوظائف. وإذا حاولنا علاج ذلك من خلال زيادة القوة الشرائية في النظام القائم، فإننا لن نحصل إلا على تضخم متسارع وكان أثر هذه المطالبة بزيادة الأجور في زيادة البطالة واضحاً في المملكة المتحدة في السبعينيات، لكنه يظل مصدر تهديد الآن في ألمانيا فقط، وربما في أجزاء أخرى من منطقة اليورو.

هناك تعقيد أشد مكراً يتمثل في أن فترات الركود تعمل على التخلص من الاستثمارات غير المجدية، أو المشروعات غير الكفوءة التي ازدهرت خلال فترة الانتعاش. ويدخل هذا في نطاق تفكير "التدمير الخلاق" لدى جوزيف شومبيتر. لكن بينما يكون علينا التوقف بينما تتقدم عملية التخلص من تلك الشركات غير الكفوءة، فإنه ليست هناك حاجة لتحمل تحرك لولبي باتجاه الهبوط، يضطر معه العمال والشركات إلى تقليص إنفاقهم عبر النشاطات المجزية تماماً. ويمكن ضبط مثل هذا "الكساد الثانوي" من خلال ضخ قوة إنفاق كاف عبر التحفيز النقدي، أو المالي، أو مزيج من الاثنين. ومع ذلك، فإنه حين دعا دومينيك شتراوس- كان، رئيس صندوق النقد الدولي، إلى مثل هذه السياسات على أساس قاعدة انتقائية قبل أيام قليلة، كان رد فعل البعض كما لو كان البابا اعتنق تعاليم مارتن لوثر.

لا يزال من الأمور البعيدة عن الوضوح ما إذا كنا نواجه كساداً عالمياً رئيسياً. ويبدو أن منطقة اليورو، والصين، والمملكة المتحدة، تعمل وفقاً لحدود سلامة الطاقة الإنتاجية. وحتى في الولايات المتحدة، فإن المؤشرات تدع مجالاً للجدل. وإذا كان رد فعل السلطات الوطنية مبالغاً فيه على تهديد بحدوث تراجع اقتصادي، فإن النتيجة يمكن أن تكون مبالغة في تحفيز الاقتصاد في مرحلة الصعود المقبلة. وإحدى وسائل فهم هذا الأمر هي التفكير في مقياس حرارة مبرمج بشكل سيئ، بحيث يكون رد فعله بطيئاً للغاية على هبة باردة مؤقتة، ما يجعلنا نصل إلى درجة الغليان الذاتي في الوقت الذي يتم فيه تشغيل التدفئة.

مثل هذه المبالغة في التحفيز تحمل معها مخاطر جرنا إلى معدلات تضخم أعلى يصبح من المؤلم للغاية تخفيضها. وهناك إهمال غير عادل لألان جرينسبان. فالجزء الثاني الأكثر تخميناً في سيرته الذاتية يقول إنه وفقاً للسجل التاريخي، فإنه دون وجود شيء مثل معيار الذهب، فإن معدل التضخم العالمي سيصل إلى نحو 4.5 في المائة بحلول عام 2030 ورغم ذلك، فإننا نحقق نتائج أسوأ للغاية فيما يتعلق بمؤشرات حقيقة أخرى. والخطر يكمن في أنه ما لم يظهر صانعو السياسة أنهم يستهدفون تضخماً بنسبة 2 في المائة، فإن النتيجة النهائية ستتجاوز 4.5 في المائة بكثير.

إن التحفيز المثالي لعالم اليوم تم تحديده في القصة الإخبارية الرئيسية لفاينانشيال تايمز بتاريخ 29 كانون الثاني (يناير). ويمكن أن تأتي القوة الدافعة الرئيسية من آسيا ومنطقة اليورو. وسيكون هناك تحفيز معتدل في الولايات المتحدة. ولسوء الخط، هذه الرزمة تعاكس معتقدات وتحيزات صانعي السياسة في هذه المجالات. ولا تزال الولايات المتحدة تحارب شبح ركود الثلاثينيات، والبنك المركزي الأوروبي متمسك بالتمويل الصحيح، والسلطات الصينية خائفة من تحمل المخاطر فيما يتعلق بالاستقرار المحلي وكانت لديّ إغراءات بين الحين والآخر لأقول إن العالم المعولم بحاجة إلى سياسة مالية معولمة. والمشكلة حينذاك هي أن الجميع يمكن أن يكونوا على صواب، أو على خطأ في الوقت ذاته، ما يعمل على تضخيم أي أخطاء في السياسات. والخليط القائم من ردود الأفعال، رغم كونه بعيداً عن المثالية، يمكن أن يكون أفضل حل وسط متاح. لكن دافعي الرئيس المستمر مازال "يصبح أكثر حيوية" وبينما لا يمكننا تجنب التذبذبات المعتدلة، فإنه لا حاجة إلى حشر أنفسنا بالحديث عن ركود آخر.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aleqt-5-2-2008