"الركود" الأميركي... وإفلاس سياسات "التحفيز" الاقتصادي!

 

دونالد بودرو 

 

 

هناك الآن ما يشبه الإجماع على أن الاقتصاد الأميركي في طريقه نحو الركود. ففي ديسمبر الماضي، قفز معدل البطالة إلى 5 في المئة؛ والمستثمرون اليوم متشائمون طبعاً بشكل متزايد. وعلى نحو متوقع، يسارع السياسيون في مثل هذه الحالات إلى تقديم عدد من المخططات من أجل إنعاش الاقتصاد، يقوم معظمها على مبدأ "التحفيز". إذ تتعالى الأصوات المنادية بوضع مزيد من المال في أيدي الأميركيين العاديين على أمل أن ينفقوه -بدلاً من أن يدخروه- مما يدعم بالتالي الاقتصاد بصفة عامة غير أن التحفيز من هذا النوع غير مفيد ولا جدوى منه، لأن الحكومة لا تستطيع خلق قوة شرائية حقيقية؛ وأقصى ما يمكنها أن تفعله هو نقلها من "س" من الناس إلى "ص". فإذا قدمت "الخزينة" شيكاً تحفيزياً إلى "ص"، فإن المال يأتي من الضرائب أو الاقتراض أو يتم خلقه حديثاً ففي حال كان مصدر المال هو الضرائب، فإن قيمة الشيك التحفيزي الذي لدى "ص" يتم توفيرها عن طريق مزيد من الضرائب التي يدفعها "س"، الذي لن تبقى له حينها دولارات كثيرة لينفقها أو يستثمرها. وفي حال اقترض "العم سام" من أجل توفير الشيكات التحفيزية، فإن هذا الاقتراض يسحب المال من القطاع الخاص، علماً بأن أي دولار يتم اقتراضه -سواء من الأجانب أو من المواطنين الأميركيين- بهدف التحفيز كان سيُنفق أو يُستثمر بطرق أخرى لو أنه لم يُقرض للحكومة.

أما الوسيلة الأخرى الوحيدة لتوفير تحفيز من هذا النوع، فتتمثل في سك "الاحتياطي الفيدرالي" (البنك المركزي الأميركي) لأموال جديدة؛ غير أن هذا الخيار للأسف يفضي بشكل حتمي إلى التضخم. ففي هذه الحالة، يصبح لدى الأميركيين مزيد من الدولارات في مَحافظ جيوبهم، ولكنهم يدفعون في الوقت نفسه أسعاراً عالية مقابل البضائع والخدمات. فالرخاء إذن لا يكمن في إغداق مزيد من الدولارات على الناس!

ثم إن التحفيز الذي يتم تمويله عن طريق أموال تم خلقها حديثاً يضر بالاقتصاد بصفة خاصة. ذلك أن التضخم الذي يتسبب فيه يدفع المستثمرين إلى الهروب من الدولار. ولكن لما كان التضخم يحتاج إلى بعض الوقت لكي يظهر، فإن ضخ أموال جديدة في الاقتصاد يمكن أن يخلق شعوراً مؤقتاً بأن المستهلكين والمستثمرين أغنى مما هم عليه في الواقع. وهذا الشعور الخاطئ يؤخر ويؤجل على نحو خطير ضرورة التخلص من الاستثمارات العقيمة. وهكذا، يتم تمديد دورة حياة الاقتصاد السيئ وإليكم الآن هذه المقولة: "فقط حينما تتكسر الموجة، يمكنك أن تتعرف على الذين كانوا يسبحون عراة". تشير هذه الكلمة البليغة، التي تنسب إلى "وارن بافيت"، إلى الدور المهم -والمؤلم- الذي تلعبه فترات الركود الاقتصادي، ألا وهو تحويل المال من الاستثمارات السيئة إلى الاستثمارات الجيدة والسليمة. أما إرجاء هذا التعديل من خلال أوهام المال السهل، فلا يخدم مصلحة أحد على المدى البعيد.

إن القدرة على الإنفاق ليست وقود النمو الاقتصادي بقدر ما هي المكافأة عليه. والسبيل إلى النمو الاقتصادي هو الاستثمار الذي يزيد إنتاجية العامل. ولعل أفضل طريقة بالنسبة لصناع السياسة كي يغذوا ويدعموا مثل هذا النمو تكمن في تفادي الذعر في حالة تراجع اقتصادي، والتركيز على فهم القواعد الاقتصادية الأساسية بشكل صحيح. وهذا التركيز قد لا يحسِّن الأشياء -أو يجعلها تبدو أحسن- اليوم، ولكنه يجعل الغد أكثر إشراقاً والخبر السار يتمثل في أن هذه القواعد الأساسية هي بالفعل كذلك. وهكذا، فإن الرئيس بوش يستطيع اتخاذ إجراءات ما ابتداء من الغد. أما الخبر المحزن، فيتمثل في أن كل هذه الخطوات تتطلب من "بطة عرجاء" (إدارة ضعيفة سياسياً) السباحة ضد التيار السياسي.

أولاً، على الرئيس بوش أن يدعو إلى خفض مهم ودائم في معدلات الضرائب الخاصة بكل من أرباح الشركات والدخل الشخصي. ثم، عليه أن يشدد على خفض كبير في حجم الإنفاق الفيدرالي، بما في ذلك إلغاء جميع المعونات الزراعية. كما يمكنه، بموازاة مع إظهاره لهذه الشجاعة، أن يدعم أيضاً التجارة الحرة بدون قيد أو شرط إن خفض الضرائب شيء جيد بالطبع؛ ولكن من المهم معرفة: لماذا؟ فالهدف ليس زيادة إنفاق المستهلك، بل زيادة عوائد الاستثمار والعمل. ذلك أن السماح للمستثمرين والعمال بالاحتفاظ بمزيد من ثمار إبداعهم وجهدهم وركوبهم الخطر، يشجعهم على بذل مزيد من الجهود؛ وبالتالي، يقوي الاقتصاد. وهكذا، يتم خلق الشركات التي ما كانت لتُخلق في ظروف أخرى. والشيء نفسه ينطبق على الآلات والتدريبات التي تُحسِّن إنتاجيةَ العامل وسيتقاطر المستثمرون بأعداد ضخمة للاستفادة من معدلات الفائدة المنخفضة هذه، وهو ما يؤدي إلى زيادة ارتفاع الاستثمارات الإنتاجية علاوة على ذلك، فمن شأن خفض الإنفاق الحكومي أن يؤدي إلى استغلال مزيد من موارد الاقتصاد من قبل الشركات التي تخلق الثروات، بدلاً من أن تذهب إلى المجموعات الخاصة والمشاريع أو الأنشطة غير المفيدة للاقتصاد. كما أن من شأن الالتزام بتجارة حرة أن يُطمئن المستثمرين العالميين أن الأميركيين يرفضون الانكماش وأخيراً، على بوش أن يُطمئن مجلس محافظي "الاحتياطي الفيرالي" أنه لا يتوقع منهم ولا يريدهم أن يستعملوا السياسات النقدية على نحو سياسي. وبموازاة مع تذكيرهم بحكمة ميلتون فريدمان (عالم اقتصاد أميركي عُرف بمعارضته لتدخل الدولة في الاقتصاد)، ينبغي عليه أن يحثهم بقوة أيضاً على كبح جماح إمدادات المال إن الأموال السليمة، والضرائب المنخفضة، والتجارة الحرة، قد لا "تحفز" الاقتصاد اليوم، ولكن من المؤكد أن هذا الخليط سيزيده قوة وحيوية على المدى البعيد.

*عميد كلية العلوم الاقتصادية بجامعة جورج مايسون الأميركية

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر: ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"