تأثيرات تدني قيمة الدولار

 

بيتر شيف

 

 

لم يعد من السهل تجاهل ضعف الاقتصاد الأمريكي، والتكلفة العالمية المترتبة على سوء إدارتنا

مع بداية عام 2008، أصبح اعتماد الولايات المتحدة على رؤوس الأموال الأجنبية أكثر وضوحا. السؤال المطروح في العام الجديد: متى ستنضب مصادر الأموال هذه؟

بسبب قلة المستثمرين الكبار الأمريكيين المستعدين أو القادرين على توظيف الأموال، اضطرت شركتا "مورغان ستانلي" و"سيتي غروب" أخيرا إلى بيع أجزاء كبيرة من أعمالهما إلى صناديق استثمارية حكومية في آسيا والشرق الأوسط. تم إغراء المشترين بشروط لمصلحتهم بشكل أسهم ممتازة ذات مردود عال، إضافة إلى أفضلية على أصحاب الأسهم الحاليين، مما يعطيهم أولوية في الحصول على أصول وأرباح، في حال حصول كارثة. هذا التقرب سيستمر» وقد أعلنت شركة "ميريل لينش" أخيرا أنها تبحث عن رؤوس أموال في الخارج بالرغم من صفقة بيع أسهم بقيمة خمسة بلايين دولار لحكومة سنغافورة ومع أن هذه الصفقات ضرورية، فهي غير مفرحة للأمريكيين. نحن بكل بساطة نبيع أصولا للإيفاء بديوننا ولتحفيز الاستهلاك. هذا يعرف ببيع البقرة لشراء الحليب.

في غضون ذلك، فإن الأجانب الذين استثمروا وباعوا في الأسواق الأمريكية خلال العام الماضي تأثروا أيضا. فسوق الأسهم الأمريكية تخلفت عن الأسواق الأجنبية عام 2007، كما فعلت خلال معظم العقد الماضي. والمستثمرون في القروض عانوا انهيار سوق التداول بسندات القروض السكنية، والمصدرون إلى الولايات المتحدة عانوا تضاؤل أرباحهم مع انخفاض قيمة الدولار. وحتى المستثمرون بالعملة الأمريكية وبسندات الخزينة خسروا بسبب انخفاض سعر الدولار وبالرغم من هذه الكارثة المالية، كان 2007 عاما قياسيا إضافيا فيما يتعلق بعلاوات الرواتب في وول ستريت. مع أن البنوك الاستثمارية الكبرى خسرت عشرات البلايين من الدولارات، وباعت ما لا تملكه بواسطة تركيبات مالية مشبوهة مما يهدد بكارثة الآن، فإن المديرين في كبرى المؤسسات الأمريكية يُغدَق عليهم بأموال هائلة من جديد. بأسلوب عشوائي سائد في القطاع المالي الأمريكي، أوضحت هذه المؤسسات أن مديريها لن يجبروا على مشاركة معاناة المستثمرين فيها.

طبعا، كل هذا لم يوقف التهافت الأجنبي على الشركات الأمريكية. فتدفق رؤوس الأموال وصل إلى مستويات هائلة قاربت 27 بليون دولار، ومن الممكن أن ترتفع أكثر بكثير لا شك في أن الكثيرين يعتبرون تراجع الدولار فرصة لشراء أصول أمريكية تبدو سليمة بأسعار بخسة لكن لم يعد من السهل تجاهل ضعف الاقتصاد الأمريكي والتكلفة العالمية المترتبة على سوء إدارتنا، والمسألة مسألة وقت قبل أن يزداد حذر المشترين.

ففي الأشهر الأخيرة، توقفت المؤسسات المالية في أنحاء العالم عن إقراض إحداها الأخرى. هذا التوقف متأت من حقل الألغام الذي زرعته أزمة القروض الممنوحة لغير المؤهلين في الولايات المتحدة. لقد أصبحت هوية المقرض غامضة، وقيمة القرض غير مؤكدة، وإفلاس المقرض ممكنا. في بيئة تنتشر فيها المخاطر غير المرئية، من المنطقي أن تتوقف البنوك عن الإقراض. لقد تمثلت ردة فعل البنك المركزي الأوروبي بتقديم قروض قصيرة الأمد بقيمة 350 بليون يورو (500 بليون دولار) على أمل إغراء البنوك الأوروبية للحد من القيود التي فرضتها. ومع أنه يبدو أن هذه السياسة أدت إلى بعض النتائج المفيدة على المدى القصير، فإن هذا النوع من السياسات المالية غير المدروسة لا يخلو من عواقب تضخمية ستؤثر في المستهلكين في منطقة اليورو.

في غضون ذلك، يدلل صانعو السياسات الأمريكيون المستهلكين الأمريكيين. والمسألة التي تدعو إلى القلق بشكل خاص هي خطة إدارة بوش لتجميد القروض السكنية التي تشكل سابقة خطرة. فمن خلال إلقاء العبء المالي على كاهل المقرضين الذين يعيش الكثيرون منهم خارج الولايات المتحدة ولا يصوتون في انتخاباتها، يظهر السياسيون بوضوح أنهم لن يسمحوا للمستهلكين الأمريكيين بأن يعانوا من العواقب الوخيمة المتأتية من المديونية المفرطة وبالرغم من مساوئ هذه الخطة، فهي أفضل بكثير من الخطط التي يحاول بعض المرشحين الرئاسيين وأعضاء الكونغرس إعدادها وفيما تصبح أزمة العقارات مسيسة، يمكننا أن نتوقع بروز أفكار مثل تجميد غير محدود لعمليات حبس الرهن وتخفيض تلقائي للقروض وتخفيضات ضريبية كبيرة تمولها إنفاقات تزيد من عجز الميزانية. إن التخلف عن دفع قروض السيارات يصل إلى معدلات قياسية. ما الآتي؟ تجميد لدفعات قروض السيارات؟ في سنة انتخابية، كل شيء ممكن.

وفيما يرزح الاقتصاد الأمريكي أخيرا تحت أعباء ديونه الهائلة، تزايدت النداءات المطالبة بتخفيض بنك الاحتياطي الفيدرالي لمعدلات الفائدة. مع أن بين بيرنانكي الملقب بـ"الطوافة" قام بدوره، مخفضا الفوائد بنسبة 100 نقطة ومبتكرا طرقا جديدة لزيادة السيولة في البلد، لم تكن جهوده كافية بالنسبة إلى المصرفيين والسياسيين الجشعين. وحماستهم للحؤول دون انهيار قطاع العقارات المزدهر ومنع الاقتصاد من الركود، من شأنها أن تقنع المستثمرين الأجانب بأن الولايات المتحدة ستستمر في الاعتماد على تخفيض قيمة الدولار كوسيلة قسرية لمواجهة كل مصاعبها الاقتصادية. ونتيجة لذلك، سيبقى الوضع المالي في الولايات المتحدة صعبا في السنة المقبلة سيتوجب على العالم أن يواجه مخاطر الديون بالدولار المنتشرة في كل أنحائه. ولما كانت إمكانية الاستفادة من المدخرات الأجنبية أمرا أساسيا لاستمرار الاقتصاد الأمريكي، فعلينا أن نحذر من مغبة إيذاء الذين نحتاج إليهم.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:newsweek