ارتفاع قيمة العملة نقمة اقتصادية

 

علي بن طلال الجهني

 

 

في عام 1970 أتت مجلة «الإيكونوميست» البريطانية باسم جديد لمرض اقتصادي معروف سمته «مرض هولندا»، وسبب التسمية أن هولندا بدأت باكتشاف وإنتاج «الغاز الطبيعي»، وزيادة مبيعاتها من الغاز دفعت المشترين من خارجها إلى شراء كميات أكبر من العملة الهولندية، فوجدت السلطات النقدية في هولندا أن قيمة عملتها قد ارتفعت بسرعة، وهذا أدى إلى كساد بقية صادرات هولندا بسبب ارتفاع أسعارها حينما تُدفع بالعملة الهولندية. وقد عانت روسيا أيضاً من «مرض هولندا» لأن زيادة الطلب على النفط والغاز وبقية المعادن والمواد الأولية التي تنتجها روسيا زادت الطلب على الروبل الروسي بسرعة كبيرة فارتفعت اسعار جميع المواد في روسيا، وصار ارتفاع قيمة الروبل لعنة على ما يمكن لروسيا أن تصدره من مواد صناعية، ولعنة على مستوى معيشة غالبية المواطنين، لأن كل أسعار ما تنتجه بلادهم ارتفعت واليوم يشكو الأميركيون والأوروبيون واليابانيون كلما سنحت الفرصة لهم بالشكوى من التدني النسبي لقيمة العملة الصينية ولماذا يقاوم الصينيون رفع قيمة عملتهم؟

لأسباب كثيرة لعل أهمها:

أولاً: أن ارتفاع قيمة العملة الصينية سيؤدي إلى انخفاض صادراتها لأنها ستكلف المستهلك الأميركي والأوروبي والياباني وغيرهم أكثر مما كانت تكلفهم من قبل. ومعنى ذلك انخفاض نسبة النمو الاقتصادي في الصين وارتفاع نسبة البطالة. وانخفاض نسبة النمو وارتفاع نسبة البطالة يؤديان إلى انخفاض مستوى معيشة المواطنين في المستقبل.

ثانياً: رفع قيمة العملة معناه ضخ سيولة إضافية في داخل الدائرة الاقتصادية المحلية في الصين، وهذا بدوره يؤدي إلى ارتفاع مستوى السيولة، وارتفاعها هو أداة ارتفاع الطلب الكلي، وزيادة الطلب الكلي التي لا ترافقها زيادة في المعروض هي أسرع وسيلة لرفع نسبة التضخم.

إن دولة صغيرة (عدد سكانها اقل من 5 ملايين) كالنروج، واجهت «مرض هولندا» في أواخر السبعينات بسبب نفط بحر الشمال. ولتستطيع النروج المنافسة في الأسواق العالمية «عقمت» «الكرونة» النروجية عن أضرار ارتفاع قيمة صادراتها، باستحداث صندوق استثماري توضع فيه عائدات الصادرات النفطية بحيث تم عزل تأثير الزيادة الطارئة في الصادرات عن بقية الاقتصاد النروجي، أي تفادي تأثير زيادة الاحتياطيات من العملات الأجنبية على العملة وبقية مؤشرات الاقتصاد من صادرات وواردات ونسب البطالة والتضخم وتنقسم أنواع العملات في وقتنا الحالي إلى ثلاثة أنواع. الأول، وهو ما يسمى بـ «المُعوّم» وهذه العملات تحدد أسعارها «النسبية» المطلوب منها خارج منطقتها والمعروض منها في داخل وخارج الدول المُصدّرةَ اليها. والنوع الثاني من العملات التي ترتبط بواحدة أو بمجموعة من العملات المعوّمة. والنوع الثالث، الذي تحدد له الحكومة المصدرة له قيمة تحاول المحافظة عليها عن طريق الحد من الاستيراد والتحكم الكامل في بيع وشراء عملتها ومعظم هذه العملات التي تتدخل الحكومات في تحويلها إلى عملات أخرى، عملات «رخوة» لا يمكن الاعتماد عليها، ولا يمكن أن يستمر وجودها في بلد متقدم، وفي كثير من الأحيان تكون قيمتها في السوق السوداء أقل بكثير من قيمتها الرسمية وأهم العملات المعومة في وقتنا الحاضر هي الدولار واليورو والين الياباني والجنيه الإسترليني والفرنك السويسري واليوان الصيني. فكيف تقاوم الدول المُصدّرة لهذه العملات المعومة «مرض هولندا»، أي كيف تحد من ارتفاع قيمة عملاتها بحيث لا تصل إلى المستوى الذي يلحق الأضرار بصادراتها ويرفع نسبة «التضخم»؟

يعرف المختصون المصرفيون أنه لا بد من التدخل إما بالحد من الطلب على عملاتهم إن كان ذلك ممكناً، أو «بتعقيم» تأثير زيادة تدفق العملات الأجنبية عن طريق شراء سندات ديون شركات أو حكومات بعملات أجنبية صعبة. والصين مثلاً في محاولة منها لمقاومة ارتفاع قيمة عملتها تشتري سندات الخزانة الأميركية. وهذا الشراء معناه إضافة سيولة داخل الاقتصاد الأميركي تشجع على شراء صادرات الصين إلى الولايات المتحدة وتحد من ارتفاع قيمة العملة الصينية بـ «تعقيمها» وهذا كله يقودنا إلى عملات دول الخليج العربية المرتبطة كلياً أو جزئياً كالكويت بالدولار. ولو أن هذه الدول حولت كل عائداتها من صادرات النفط ومشتقاته إلى عملاتها المحلية لزادت مستويات السيولة. ثم يزيد الطلب وترتفع الأسعار. ولذلك تلجأ هذه الدول إلى شراء عملات أخرى أو سندات ديون أجنبية حتى تعزل مستوى السيولة الداخلية عن التغيرات السريعة التي تحدث في أسعار النفط ومشتقاته. ولو أنها لجأت إلى رفع قيمة عملاتها بنسب ملموسة كما طالب الكثيرون لخلقت مشكلات اقتصادية أخرى، لأن رفع قيمة العملة هو مماثل لرفع مستوى السيولة. فإذا زادت قيمة العملات الخليجية، فإن ذلك يعني أن أسعار المواد المستوردة - وغالبية ما يستهلكه الخليجيون مستورد - ستنخفض بالعملات الخليجية، فترتفع الأسعار وتموت فرص المنافسة لأي صادرات خليجية صناعية كمنتجات الصناعات البتروكيماوية.

وما الحل؟

من الواضح أن الأسعار ارتفعت، خصوصاً المواد الغذائية والإيجارات لأسباب سبق ذكرها، وهذه مشكلة تقلق المسؤولين عن السياسات المالية والنقدية. ولا بد من البحث عن حلول دائمة لا موقتة كرفع قيمة العملة، التي يؤدي رفعها إلى رفع نسبة التضخم بعد رفعها ببضعة أسابيع في أفضل الأحوال.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat