الصين وقائمة أغنى أغنياء العالم

 

 

 د. عبدالله المدني 

 

 

السباق بين العملاقين الآسيويين الهندي والصيني مستمر على مختلف المستويات وفي كافة الحقول، والعالم من حولهما يراقب ويتساءل، فمثلاً حينما كتبت قبل عدة أشهر عن واقع صناعة الكتاب وأحوال النشر والتأليف والترجمة في الهند، امتلأ بريدي الإلكتروني بمئات الرسائل التي تساءل أصحابها: وماذا عن الصين؟، ومؤخراً تكرر الأمر في أعقاب كتابتي لموضوع عن دخول بعض الهنود قائمة أغنى أغنياء العالم، إذ امتلأ بريدي الإلكتروني برسائل تتساءل عن ثروات الصينيين، لذا أرجو أن يكون في مضمون المقال التالي الرد الشافي على تلك التساؤلات.

قبل نحو عامين فقط كان في الصين حوالي 15 بليونيراً، ارتفع عددهم اليوم بصورة دراماتيكية إلى مائة بليونير طبقاً لدراسة أعدتها مؤسسة "هورون" البريطانية، وإلى 66 بليونيراً طبقا لمؤسسة "فوربس" الأميركية، الأمر الذي يمكن معه القول إن الصين باتت تحتل الموقع الثاني خلف الولايات المتحدة على مستوى العالم لجهة أعداد أصحاب الثروات البليونية وليس قيمة ثرواتهم، علماً بأن الولايات المتحدة لديها بحسب مجلة "فوربس" 415 بليونيراً، أما عن أصحاب الملايين في الصين، فتخبرنا مؤسسة "مري لينش"، بأن عددهم في عام 2005 وصل إلى نحو 320 ألف مليونير بزيادة 6.8 % عن عام 2004، وبثروات إجمالية وصلت إلى 1.59 بليون دولار. ويشترك أثرياء الهند والصين في أن صعودهم على قائمة أثرى أثرياء العالم، كان نتيجة لتبدل وتغير الأحوال والسياسات الاقتصادية في بلديهم، ويختلفان في مصدر الثراء السريع، الذي يعود في الهند أساساً إلى ثروات سابقة تمت تنميتها في ظل نظام لم يكن قاسياً ضد الرأسماليين مثلما كان النظام "الماوي" في الصين، فيما هو يعود في الصين أساساً إلى دخول الأثرياء الجدد سوق المضاربة في الأسهم والعقارات.

وأحد أوجه الاختلاف الأخرى بين أثرياء الهند والصين أن الأخيرين أقل شهرة، إذ لا يعرفهم أحد حتى داخل الصين كنتيجة لما يحيطون به أنفسهم من عزلة خوفاً من الحسد، أو خوفاً من القيل والقال المؤدي إلى تسليط الأضواء عليهم، وبالتالي فتح شهية السلطات الرسمية للتحقيق في مصدر ثرواتهم في بلد لا يزال يحكمه نظام شيوعي اشتراكي، ولا يتجاوز متوسط دخل الفرد السنوي فيه عن ألف دولار، وكان إلى وقت قريب يمنع الملكية الفردية، ويؤمم الثروات ويحرض الجماهير ضد الرأسماليين، وينظر إلى كل ثري نظرة الشك والريبة، ولم يتبن مبدأ إن أصحاب الأملاك يمكنهم أيضاً أن يكونوا من العصاميين والمجتهدين والموهوبين إلا في السنوات الأخيرة ومن الأمور الأخرى التي يختلف فيها بليونيريو الهند عن نظرائهم الصينيين، أن الأخيرين يتمتعون بنفوذ هائل في البلاد بسبب أنهم غالباً ما جمعوا ثرواتهم الضخمة من خلال التعاون مع مسؤولين كبار في الدولة، (فبحسب صحيفة الجارديان البريطانية، هناك علاقة وطيدة ما بين عائلات الزعماء الصينيين وكبار رجال الأعمال، فمثلاً ابنة رئيس البلاد "هو جينتاو" متزوجة من رئيس شركة "سينا" العملاقة التي تعمل في مجال الإنترنت، وزوج ابنة رئيس الوزراء الأسبق "لي بينغ" يملك ويدير أنجح ناد لكرة القدم، وابن الأخير يهيمن على كبرى شركات البلاد الكهربائية، وأقارب الزعيم الإصلاحي"دينغ هسياو بينغ" يسيطرون على مجموعة "بلوي" العملاقة، وإنْ كانت هناك صور رائعة لأناس اعتمدوا على ذكائهم وجهدهم الشخصي في بناء ثرواتهم، مثل المواطن الصيني "شي زهينغ غرونغ"، الذي درس الفيزياء في أستراليا قبل العودة إلى بلاده في عام 2001 لتأسيس شركة "صن تك باو"، العاملة في مجال الطاقة الشمسية والتي تساوي اليوم 9 بلايين دولار، ومثل المواطن "هوانغ غوانغ يو (38)عاماً الذي ترعرع في قرية صغيرة في جنوب الصين وعانى من الفقر والبؤس قبل أن يبدأ مع أخيه مشروعاً لبيع الصحف وجمع وبيع القوارير البلاستيكية، ليصعد خلال فترة وجيزة على رأس شركة "غوم" ومن الأسماء العصامية الأخرى السيدة "زهانغ ين" مؤسسة وصاحبة شركة شيماو العملاقة، إحدى أكبر وأشهر الشركات الصينية العاملة في بيع الأجهزة الإليكترونية شركة "ناين دراغون بيبر" التي تجمع الورق وتعيد تصنيعه وتحويله إلى علب فاخرة للهدايا ثم تصدرها إلى الولايات المتحدة، وهذه السيدة تعتبر اليوم أغنى امرأة في الصين وآسيا، وإنْ بدا منذ شهر أبريل الماضي أن امرأة أخرى تنافسها على اللقب هي السيدة "يانغ هوي يان" (26 عاماً) صاحبة شركة "كونتري غاردين" القابضة العاملة في مجال العقارات، هذا المجال الذي يعتبر مجالاً خصباً لمضاعفة الثروات في الصين بسرعة، على اعتبار أن الصين لم تسمح للسكان بشراء وامتلاك منازل خاصة إلا في الثمانينيات، الأمر الذي شجع الكثيرين على امتلاك الأراضي البكر في المدن الكبيرة، ومن ثم إقامة المشاريع السكنية الضخمة فوقها - فمثلا من بين أكبر عشر بليونيرات في الصين، هناك ستة منهم من ضمن المضاربين في الأراضي والعقارات، وتتفق "هورون" البريطانية و"فوربس" الأميركية على أن ثروة هذه المرأة تقدر اليوم بنحو 17.5 بليون دولار، ورثتها من والدها، الذي كان عامل بِناء قبل أن يتحول إلى أحد "تايكونات" العقارات، بفضل ذكائه وسرعة التقاطه للفرص.

ومن الأسماء التي يُشار إليها بالبنان في الصين اليوم كتاسع أغنى رجل في البلاد "زو رونغ ماو (55 عاما) الذي يرأسٍ ويدير مجموعة "سيما" المتخصصة في تطوير وإدارة العقارات الفاخرة ومشاريع الإنشاءات السكنية الرائعة في الصين والولايات المتحدة، ورغم أن ثروة هذا الرجل ليست ضخمة، ولا تتجاوز البليون دولار، إلا أنه حديث الناس بسبب سرعة انتقاله من مجرد عامل نسيج إلى بليونير، وامتناعه عن التعاطي مع وسائل الإعلام، تمسكاً على ما يبدو بالحكمة الصينية القائلة:"إن المسمار النافر دائماً يكون عرضة للطرق"، وهو لا يريد أن يكون هذا المسمار، وهناك إضافة إلى هذا الثري، روبن لي (38 عاماً) الذي جمع ثروته المقدرة بنحو 1.9 بليون دولار من إنشاء ما يشبه موقع "جوجل" باللغة الصينية ويقول أحد المراقبين تعليقاً على دخول الصينيين قائمة أثرى أثرياء العالم، إن هؤلاء غالباً من الطارئين على مجتمع الأثرياء إلى الدرجة التي لا يعرفون معها كيفية التصرف بأموالهم أو توجيهها إلى الجهة المثلى، وهذا يختلف بطبيعة الحال عن أثرياء الهند الذين لديهم علاقات وروابط خارجية تساعدهم على توجيه ثرواتهم نحو وجهات استثمارية مجزية أو الاستحواذ على مؤسسات أجنبية ناجحة، على نحو ما حصل مع تايكون صناعة الصلب الهندي "لاكشمي ميتال" الذي يعتبر اليوم ثاني أكبر مستثمر في صناعة الصلب على مستوى العالم بفضل نجاحه في الاستحواذ على مصانع للصلب في جمهورية التشيك وجنوب أفريقيا فضلاً عن حصص معتبرة في شركات أميركية وفرنسية وألمانية ورومانية وكازاخية يقدر إجمالي قيمتها بنحو 52 بليون دولار.

لكن السؤال الذي يظل قائماً هو: ماذا عن موقف رجل الشارع العادي في الصين من هذه الطبقة المتنامية والتي ناصبها النظام العداء لعقود من الزمن بل وحرض الجماهير ضدها؟ لاشك أن الهوة ما بين الأغنياء والفقراء في الصين هي إلى اتساع، ومعها زادت موجة العداء ضد الأغنياء، ففي استطلاع للرأي أجرته صحيفة "تشاينا يوث ديلي" في أوساط من هم تحت سن 45 عاماً، تبين أن أكثر من 81% ممن استطلعت آراؤهم ينظرون إلى الأثرياء، كأناس تنقصهم روح المسؤولية الاجتماعية، وأن 38 % ممن شاركوا في الاستطلاع، أفصحوا عن شكوكهم حول طريقة جمع الأثرياء لثرواتهم الطائلة مؤكدين أنها جمعت كنتيجة لفساد ما أو بيع سلع مغشوشة أو عبر الاتجار بمواد ممنوعة أو عبر انتهاك حقوق الأطفال في العمل أو عبر استخدام النفوذ والمحسوبية وتعليقاً على هذه النتائج، كتب باحث سوسيولوجي صيني في إحدى صحف هونغ كونغ قائلاً:"إن على الصينيين أن يغيروا طريقة نظرتهم إلى الطبقة الغنية الصاعدة، وألا ينطلقوا في أحكامهم من منطلقات إيديولوجية أو حزبية ولى زمنها".

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihaad-6-1-2007