هل صعود آسيا "الإقتصادي" يخدم مصلحة عالمية ؟

 

فيكتور ماليت

 

 

مع إطلالة عام 2008 فإن عدداً قليلاً جدا من المتعلمين يمكن أن يكونوا غير واعين للقوة الاقتصادية والاستراتيجية المتزايدة لآسيا.تأملوا في عام 2007 وهو العام الذي بدأ بإطلاق الصين صاروخا باليستيا لتدمير قمر صناعي خاص بالطقس وهو في مداره. كانت تجربة ناجحة لحرب الفضاء التي أرسلت موجات صدمية في كل أنحاء الولايات المتحدة. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) تجاوزت بتروتشاينا إكسون موبل بوصفها أكبر شركة في العالم من حيث القيمة السوقية. وهذه المرة شعرت وول ستريت الاهتزاز وفي الشهور الواقعة بين بداية عام 2007 وشهر تشرين الثاني (نوفمبر) مضت الشركات الصينية والهندية في فورة تسوق لشراء أصول دولية، من المناجم الأسترالية إلى البنوك البريطانية والإفريقية.

مارك رنتون، رئيس الصيرفة الاستثمارية لمنطقة المحيط الهادي الآسيوية لدى سيتي جروب، قال لفاينانشيال تايمز: "هناك تحول أساسي يحدث في مركز الجاذبية للعالم" وكان الإحساس بأن صعود آسيا الاقتصادي السريع قد تم الشعور به أولاً في مرفقي الأعمال والمال. فالصين تضم الآن أكثر من 100 ملياردير (بالدولار)، وتمثل المرتبة الثانية في هذا المجال بعد الولايات المتحدة. وليست فقط أكبر شركة نفط في العالم، صينية، بل ينطبق الشيء ذاته على أكبر بنك، وأكبر شركة طيران، وأكبر شركة تأمين، وأكبر شركة اتصالات لكن عودة آسيا الوشيكة إلى الهيمنة الاقتصادية العالمية التي حظيت بها قبل الثورة الصناعية، ليست مجرد قضية أموال. فبكين بسطت، وبسرعة، نفوذها السياسي والثقافي في أمريكا اللاتينية وإفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى وليس كل هذا النفوذ مفيد. فبنجاح الصين والهند، وبوجود أكثر من مليار إنسان في كل منهما، وتعطشهما للموارد، فإنهما تهددان بيئة الكرة الأرضية. فالصين على وشك أن تصبح ـ أو أصبحت بالفعل - أكبر مسبب لانبعاث ثاني أكسيد الكربون في العالم، والذي يساهم في الاحتباس الحراري. ففي هذه السنة وحدها، أنشأت 90 ألف ميغاواط من الطاقة الجديدة لتوليد الكهرباء، وهي كمية أكبر من الطاقة الكاملة للشبكة البريطانية.مثل هذه الإحصائيات المثيرة للرعب تغري برؤية عام 2008- عام "الحفل البارز" للصين، العاب بكين الأولمبية - على أنه نقطة تحول في الساحة العالمية ويكتب كيشور ماهبوباني في كتاب سيصدر قريباً بعنوان: The New Asian Hemisphere: the Irresistible Shift of Global Power to the East " إننا ندخل الآن واحدة من أهم لحظات التشكل في التاريخ العالمي" ويقول فرانسيس فوكوياما إن التاريخ لا يقف عند حد، بل يتحرك بسرعة أكبر من أي وقت مضى ـ والتغيرات في القوة النسبية للدول والقارات في تسارع بسبب التأثير الذي توفره التكنولوجيات الجديدة والمعدلات التي لم يكن بالإمكان تصورها في السابق للنمو الاقتصادي وتدفقات رأس المال لكن هل صعود آسيا أمر لا يمكن وقفه؟ وهل ينبغي على بقية العالم أن يكون حزيناً، أو سعيداً إزاء ذلك، في ضوء الافتقار إلى الديمقراطية في الصين، وهي أعظم قوة في آسيا؟

السؤال الأول يجاب عنه بسرعة: نعم، فصعود آسيا سيستمر. وبطبيعة الحال يمكن أن لا يكون هناك أي "فصل" لآسيا عن الاقتصاد العالمي. فنجاح المنطقة يقوم على التجارة الأجنبية والاستثمار - ويمكن للمصدرين أن يعانيا من ركود أمريكي في عام 2008 لكن الاقتصادات الآسيوية الآن نشطة بما يكفي للحفاظ على نفسها خلال تباطؤ في الطلب العالمي والجواب على السؤال الثاني، حول التفاؤل والتشاؤم، أكثر تعقيداً بعض الشيء. فمع أن الصحيح أن عدداً قليلاً من السياسيين الأمريكيين والأوروبيين المضللين يرون أن صعود آسيا جزء من منافسة غير متكافئة تسرق الصين فيها الوظائف الغربية، إلا أن آخرين يعترفون بالمساهمة التي تقدمها آسيا للرفاه العالمي من خلال التجارة المتزايدة والأسعار المتدنية للسلع الاستهلاكية وعلى الأسيويين والغربيين على حد سواء، أن يطروا على الآثار المؤدية للاستقرار التي يحدثها ازدهار آسيا الجديد فعدم الاستقرار والخطر في آسيا يوجدان تحديدا في تلك الأماكن التي فشلت التنمية في الصمود فيها: كوريا الشمالية وبورما وأفغانستان وباكستان الريفية وأجزاء من الهند التي يكتسحها الثوار الماويون. ومع أن قتل بيناظير بوتو، زعيمة المعارضة الباكستانية، يظهر مدى عدم استقرار هذه الأماكن، فليس هناك أي سبب يدعو إلى عدم مشاركتها في النهاية في نجاح آسيا وبالنسبة للسياسة، فإن الغربيين يحملون مخاوف مبالغاً فيها - والديكتاتوريون الآسيويون يملكون أمالاً مبالغاً بها – من أن الحزب الشيوعي الصيني سيوجه الصين إلى مكانتها الحتمية أكبر اقتصاد في العالم، بينما يبقي الحرية والديمقراطية في وضع جامد وهذا يتجاهل الثورة الهادئة، التحرر الواقعي التدريجي لأكبر دول العالم سكاناً، والتي تجري الآن أمام أنظار هو جنتاو ووين جياباو وبقية القيادة الصينية. ويكتب ماهبوباني، وهو دبلوماسي سنغافوري سابق: "لم يكن الشعب الصيني أكثر حرية في أي وقت مضى" ومع أن الصحيح أن كثيراً من الصينيين يجهلون بشكل رهيب، الأحداث التي تقع في بلدهم وفي الخارج، وذلك نتيجة نظام فعال جداً لرقابة الدولة التي تميت كل وسائل الإعلام، بما فيها الإنترنت والرسائل النصية على الهواتف الجوالة، فإن المواطنين الصينيين الذين أخذوا يصبحون أغنى وأكثر اتصالاً مع الاقتصاد العالمي، يسافرون ويلتقون بالناس ويتحدثون وهم أيضا يتظاهرون. فالاحتجاجات السابقة، باستثناء مظاهرات ميدان تيانانمن عام 1989 التي قادها الطلاب، ضمت في معظمها عمال المصانع المهاجرين الذين يشكون من الأجور غير المدفوعة، أو الفلاحين الغاضبين من فساد المسؤولين المحليين. وفي هذه الأيام، فإن الصينيين في المدن أيضاً يقومون باحتجاجات ويدافعون عن قيمة ممتلكاتهم وحماية صحتهم. وكان آخر الاحتجاجات التي وقعت في أكسيامن وشنغهاي، حين رفض المتظاهرون خططاً تتعلق بإقامة مصنع كيماوي ووصلة سكة حديد ذات سرعة كبيرة. ومن الصعب أن نرى طبقة متوسطة أكثر من ذلك.

إن الزعماء الآسيويين، الناجحين في إدارة الاقتصاد، لا يدركون هذا النوع من التحديث السياسي والاجتماعي لكن إذا كان الشيوعيون الصينيون وطغاة آسيا الوسطى، يعتقدون أن بإمكانهم تحديث اقتصاداتهم دون إطلاق الإصلاح السياسي، فإنهم يخدعون أنفسهم حتى إذا كان على العالم أن ينتظر بضع سنوات بعد عام 2008 ليثبت أنهم مخطئون.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aleqt-5-1-2008