هل آن الأوان للتخلص من عبء التوقعات الاقتصادية؟

 

صاموئيل بريتان

 

 

"لا أعرف عددا كبيرا ممن جمعوا ثروات استنادا إلى التوقعات الاقتصادية، لكنني أعرف عددا كبيرا ممن جمعوا ثروات عن طريق بيع هذه التوقعات". (فريدريك هايك) قبل أكثر من 30 عاماً قال دنيس هيلي، وهو وزير سابق للمالية في إحدى حكومات حزب العمال في بريطانيا، إنه يريد أن يفعل بأصحاب التوقعات الاقتصادية ما فعله سفاح بوسطن بالبائعين المتجولين الذين يطرقون أبواب البيوت (كان ألبرت دو سالفو المعروف بسفاح بوسطن يتظاهر بأنه بائع متجول ويطرق باب البيوت، وحين تفتح له المرأة الباب وتسمح له بالدخول، كان يعتدي عليها ويقتلها خنقاً. أي أن هيلي كان يريد من الناس أن تفقد الثقة بالتوقعات الاقتصادية إلى الأبد) وللأسف فإنه لم يفلح في مسعاه والواقع، أنني شعرت بنذير شؤم منذ أن أظهرت التوقعات الاقتصادية الرئيسية في بداية عام 2007 أن الآفاق الاقتصادية جيدة على نحو لافت للنظر فحتى وقت قريب؛ الصيف الماضي، قالت الافتتاحية في نشرة الآفاق الاقتصادية التي تصدرها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: "إن الوضع الاقتصادي الحالي هو من كثير من النواحي أفضل مما رأيناه خلال عدة سنوات" وأنا أبرز هذا التوقع بصورة خاصة لأنه كان من أوضح التوقعات وأكثرها خضوعاً للتحليل المنطقي وكان المؤلفون مدركين تماماً للمخاطر، بل إنهم أفردوا "مربعاً" تحدثوا فيه عن أسواق القروض السكنية لضعيفي الملاءة ومع ذلك قرروا التمسك بتوقعاتهم. وكانت هناك نظرات متفائلة شبيهة بتلك النظرة في التوقعات الرسمية الأساسية في البلدان.

هذه التوقعات لا تحظى دائماً بميزة أنها خاطئة على نحو موثوق. فهي تذكرني بشركة الوساطة المالية الخرافية التي توقعت أموراً حول سوق الأسهم أفضل من التوقعات التي أتت بها الشركات المنافسة ثم نفد حظها وتساءل أصدقاء الشركة عما حدث. وكان الجواب: "كان لدينا شريك كنا دائماً واثقين من خطأ أحكامه (وبالتالي كنا نبني توقعاتنا على عكس ما يقول)، لكنه تقاعد الآن".

شعرت بتوافر الجرأة لديّ لأصدر هذه الأحكام، ويعود بعض السبب في ذلك إلى التشكك الذي تبين في مذكرات ألان جرينسبان، الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي اعترف فقط بأن التوقعات كانت تقدم أداة مفيدة للتحقق من الانسجام وعدم التناقض وكان دائماً أكثر اهتماماً بما يجري فعلاً على الأرض والواقع أن اهتمامه بذلك كان كبيراً إلى حد أن الصحافيين اعتادوا أن ينتظروا وهم في حالة من المرح المفتعل ما كان يقوله حول مؤشرات من قبيل "تحميل سيارات الشحن"، وهي مؤشرات كان يشعر بأنها تعطي دلائل مهمة حول الاقتصاد الحقيقي لكنني لا أحتاج إلى أن أنظر إلى الأشخاص الذين يتمتعون بجرأة من أصحاب الآراء الخارجة عن الجماعة ففي نشرة كانون الأول (ديسمبر) التي تصدرها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول الآفاق الاقتصادية، نقرأ تقييماً للتوقعات الحديثة التي أصدرتها المنظمة وبطبيعة الحال، ليس مما يثير الاستغراب أن النتيجة التي خلصت إليها النشرة هي أن أداء المنظمة في هذا المقام كان لا بأس به ثم يأتي الاعتراف بأن التوقعات "أظهرت بصورة عامة قدرة محدودة على توقع نقاط الانقلاب والتحول في دورة الأعمال" لكن هذا هو بالضبط الوقت الذي نحتاج فيه أكثر ما يمكن إلى التوقعات الاقتصادية.

إن الأمر الخاطئ فعلاً في عملية التوقعات التقليدية فُسِّر عن غير قصد في التقرير السنوي حول التوقعات الاقتصادية لعام 2007 في بريطانيا. إن "المكونات الرئيسية" للتوقعات هي تقديرات لمستوى الاتجاه العام ومعدل نمو الناتج ومقدار "فجوة الناتج" (الفرق بين الناتج الفعلي في اقتصاد معين وبين الناتج الذي كان يمكن تحقيقه لو سار الاقتصاد بأكبر قدر من الكفاءة) هذا التقدير الخاص بالفجوة، إلى جانب تقدير المكونات الرئيسية للنشاط الاقتصادي، يؤديان إلى "رأي مستنير حول المسار قصير الأجل للاقتصاد للعودة إلى الاتجاه العام".

مرة أخرى أقول إن هذا لا يهم إذا لم يكن هناك نشاط ذو بال، لكنه يمكن أن يكون مضلِّلاً تماماً إذا كان هناك تغير مستمر في المعدلات الطبيعية للبطالة أو في الطاقة الإنتاجية الفائضة على نحو متساوق مع التضخم المستقر، كما كانت عليه الحال على نحو عجيب في السبعينيات، وعلى نحو أقل غرابة في العقد ونصف العقد الماضي في الاتجاه المعاكس.

أرجو أن يعذرني القارئ على هذه الملاحظات ذات الطابع الفني إلى حد ما. لكن جوهر ما يوصف بالثورة المضادة لأصحاب النظرة النقدية (التي تؤمن بأن الأداء الاقتصادي يتحدد على نحو شبه كامل بالتغيرات في عرض النقود) لم يعتمد على قيمة الإجراءات الخاصة في عرض النقود. إن العبرة الرئيسية المستفادة منها، كما حاولت أن أشرح ذلك في تلك الأيام، لكن دون طائل، هي حماقة استخدام السياسة المالية العامة أو السياسة النقدية لتحديد المتغيرات الحقيقية، مثل الناتج ومعدلات التوظيف وحاول اللورد بيرنز، الذي أمضى فترة طويلة في منصب كبير الاقتصاديين في وزارة المالية البريطانية، أن يستخدم تعبير "الإطار الاسمي" لسياسات الأنماط الجديدة وكان يعني بذلك أن السلطات الحكومية يمكن أن تحاول التأثير في سير حركة الإنفاق في الاقتصاد، لكنها لن تستطيع تحديد المدى الذي يمكن فيه تقسيم أية زيادة في الدخل القومي بين الزيادات المفيدة في الناتج وزيادات التضخم التي تذهب هدراً. وكان هذا حتى قبل أن تصبح العولمة قوة مسيطرة لكن تعبير بيرنز لم يكتب له الرواج وعاد أصحاب التوقعات الاقتصادية الرئيسية إلى محاولة توقع المتغيرات الحقيقية، والواقع أنهم لم يتوقفوا أصلاً عن فعل ذلك، واعتبروا أن أي تركيز على حركات النقد بمثابة انحراف سياسي يميني. حين أسمح للأفكار التي من هذا القبيل بالظهور، فإنني عادة ما أُسأل: "ما هو البديل الذي لديك؟" كان هناك مسؤول في وزارة المالية البريطانية مثقف اقتصادياً لكنه غير فني، هو السير فرانك فيجارز (توفي عام 1990، ويعني اسمه "الأرقام الصريحة") ورغم اسمه فإنه لم يكن يريد توقعات وإنما تجميع معلومات عن سير الأمور في الأجزاء الرئيسية من الاقتصاد فضلاً عن ذلك، فإن خطط الطوارئ التي تغطي أفضل وأسوأ الحالات التي يمكن أن تحدث لها دورا تلعبه في عالم لا توجد فيه لأحد قدرة سحرية على استقراء المستقبل رغم الحاجة الماسة إليها فما الذي أقوله إذن حول المتوقعين من القطاع الخاص؟ ما الذي يعطيني الحق، وأنا متخصص في الاقتصاد السياسي وأميل نحو اقتصاد السوق، في أن أعترض على أذواق زبائن هؤلاء المتوقعين؟ ذات مرة قال الاقتصادي النمساوي فريدريك هايك إنه لا يعرف عدداً كبيراً من الأشخاص الذين جمعوا ثروات عن طريق التصرف استناداً إلى التوقعات الاقتصادية، لكنه يعرف عدداً كبيراً من الناس الذين جمعوا الثروات عن طريق بيع هذه التوقعات ومن الصعب بالنسبة للعاملين في أية مهنة أن يقفوا في وجه الأفكار السائدة في عصر معين وفي مجال توقع ما لا يُتوقع، فإن المتوقعين الجيدين يقعون في الغالب على معلومات مهمة حول بنية الاقتصاد لكنني أظن أن كثيراً من زبائنهم مهتمون بالدرجة الأولى بمعرفة السبيل المحتمل الذي يمكن أن تتغير فيه السياسة الرسمية ولِفِعْل ذلك ربما يكون من المفيد التمسك بأساليب التوقع التي لا تكون منقطعة الصلة من أساليب التوقع التي يستخدمها من يُسمَّون أهل السلطة.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aleqt-3-1-2008