آفاق التعاون الإندونيسي- الخليجي

 

د. عبدالله المدني

 

تتميز علاقات اندونيسيا مع البلاد العربية عن غيرها من العلاقات بوجود عاملين لعبا على الدوام دورا في تواصلها واتصافها بالحميمية، رغم البعد الجغرافي الكبير. العامل الأول هو الرابطة الدينية ممثلة في اعتناق ما لا يقل عن 90 في المئة من سكان اندونيسيا البالغ تعدادهم 220 مليون نسمة، للإسلام. أما العامل الثاني فيتمثل في وجود نسبة من ذوي الأصول العربية ضمن مكونات الشعب الاندونيسي، جلها من الطبقة المتوسطة المتعلمة، وبعضها من ذوي المكانة المرموقة في المجتمع وأجهزة الدولة.

وما يهمنا هنا تحديدا هو علاقات اندونيسيا بمنطقة الخليج والجزيرة العربية التي لئن تواصلت دون انقطاع على مدى قرون طويلة منذ حلول أفواج المهاجرين الأوائل من أبناء حضرموت في جزيرتي سومطرة وجاوه وغيرهما من الجزر الاندونيسية في القرن الثالث عشر الميلادي، فإنها تعرضت على الصعيد الرسمي لبعض الفتور يوم كانت بوصلة جاكرتا مصوبة نحو مصر الناصرية وحليفات الأخيرة من الأنظمة العربية الراديكالية، وكانت سياساتها الخارجية قائمة على التجييش والشعارات والعنتريات ومحاربة ما كانت تصفه بالأنظمة الإمبريالية وغير ذلك مما لم تسلم منه حتى جاراتها القريبات مثل سنغافورة وماليزيا. وبانتهاء هذا النهج السياسي العقيم بخروج بطل الاستقلال وأول رؤساء البلاد أحمد سوكارنو من السلطة في منتصف الستينيات ومجيء الجنرال سوهارتو الذي انضم كحليف مخلص إلى الاستراتيجيات الغربية في حقبة الحرب الباردة، انكفأت البلاد على همومها الداخلية ونأت بنفسها عن مشاكل العرب– خلا تأييدها اللفظي للقضية الفلسطينية- وانحصرت جهودها الإسلامية في أعمال منظمة المؤتمر الإسلامي، فيما كان تركيزها الأول والأهم على التنمية والبناء الداخلي واستقطاب الاستثمارات الغربية والآسيوية والتعاون مع شريكاتها في منظمة "آسيان".

وكغيرها من دول شرق آسيا التي بنت قواعد نهضتها الأولى في ظل أنظمة ديكتاتورية، نجحت اندونيسيا في تحقيق نمو اقتصادي مضطرد في ظل حكم سوهارتو الديكتاتوري، وإن لم تصل إلى مستوى جاراتها لأسباب كثيرة من بينها استشراء الفساد في أوصال النظام واستمرار القمع الرسمي وانعدام مناخ الحريات المحفز على الإبداع، أي خلافا لما حدث في دول الجوار التي تنبهت في الوقت المناسب إلى الحاجة لإحداث إصلاحات سياسية فسلمت أنظمتها من السقوط. وكانت النتيجة أن اضطر سوهارتو إلى التنازل عن السلطة في عام 1998 تحت ضغط الشارع وقوى المجتمع المدني المطالبة بالإصلاح، ليبدأ عصر الديمقراطية الحقيقية والتعددية السياسية الراهن.

وهكذا فإن الرئيس الاندونيسي سوسيلو بامبانغ يودويونو، الذي بدأ جولة في الدول العربية في الخامس والعشرين من إبريل الجاري، جاء إلى الخليج وبلاده اليوم كبرى ديمقراطيات العالم الإسلامي وإحدى القوى الإقليمية الناهضة والزاخرة بالفرص والإمكانيات الاقتصادية. وهو في حرصه على تخصيص القسم الأكبر من جولته الرسمية لزيارة العواصم الخليجية إنما بعث بأكثر من رسالة. منها أن اندونيسيا مكترثة بتنمية روابطها مع دول الخليج العربية في كافة المجالات ومقابلة ما يبدو أنه سياسة خليجية جديدة للتوجه الحثيث نحو الشرق الآسيوي بتوجه مماثل نحو أقطار الخليج. ومنها أيضا أن اندونيسيا معنية بأن يكون لها نصيب معتبر لا يقل عن نصيب جاراتها الآسيويات في استثمارات الخليجيين الخارجية المتأهبة اليوم أكثر من أي وقت مضى للدخول في أسواق آسيا، خاصة بعد الاتفاقيات العديدة التي أبرمت بين دول المنطقة وكل من الصين والهند وماليزيا وسنغافورة مؤخرا.

والحقيقة أن اندونيسيا ودول مجلس التعاون الخليجي تستطيع من خلال التعاون الجماعي أو الثنائي معالجة الكثير من التحديات المشتركة. فدول الخليج بفوائضها المالية الضخمة الناجمة من الطفرة الراهنة في أسعار البترول أمامها فرص استثمارية مجزية في اندونيسيا في قطاعات التعدين والمناجم والنقل والزراعة والكهرباء والمياه والصناعات الخفيفة والمصارف، لا ينقصها سوى الترويج لها والتعريف بشروطها وعوائدها من قبل الاندونيسيين والإقدام والجسارة من قبل الخليجيين، علما بأن إجمالي حجم استثمارات كبرى دول المنطقة، أي المملكة العربية السعودية، في اندونيسيا في الفترة من 1997 إلى 2004 بلغت 7.5 مليار دولار موزعة على 35 مشروعا.

أما اندونيسيا التي تواجهها منذ بضع سنوات مشاكل في الطاقة ومشتقاتها إلى الحد الذي تحولت معه إلى دولة مستوردة لهذه السلعة من بعد أن كانت مصدرة لها وبالتالي عضوا مؤسسا لمنظمة الاوبيك، فأمامها فرصة لتفادي المزيد من المشاكل عبر التعاون مع القطاع النفطي الخليجي والاستثمار المشترك في صناعة النفط والغاز والبتروكيماويات وأعمال التكرير وبناء المصافي، وبطريقة أبعد كثيرا مما أفصح عنه مؤخرا مبعوث الرئيس يودويونو الشخصي إلى الشرق الأوسط علوي شهاب حول اتفاق جاكرتا والرياض على بدء مشروع مشترك لبناء مصفاة تكرير ضخمة في اندونيسيا بطاقة 400 ألف برميل.

وبعيدا عن الشأن الاقتصادي، يمكن للجانبين تدشين تعاون أمني وثيق في مجال مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه وتبادل المعلومات عن شبكاته، لا سيما وأنهما تعرضا وما زالا يتعرضان للتهديد من نفس القوى الإرهابية المنطلقة من أفكار وأجندات سقيمة ذات مدرسة ومرجعية متطرفة واحدة.

ويبقى بعد ذلك التعاون حول الملف الشائك المتمثل بالعمالة الاندونيسية في دول الخليج، الذي إذا ما أهمل دون حلول عملية وواضحة، فقد يلعب دور المحرض على توتير العلاقات. حيث تستضيف دول مجلس التعاون الخليجي الست حاليا ما لا يقل عن مليون عامل اندونيسي، أكثر من نصفهم في السعودية وحدها. وجل هذه العمالة من النساء العاملات في المنازل من ذوات المؤهلات المتواضعة والأعمار الصغيرة التي كثيرا ما يتم التحايل حولها. والجزئية الأخيرة وحدها هي مكمن المشكلة في ظل انعدام قوانين وآليات واضحة في الدول المضيفة لإنصاف العمالة المنزلية ومنع التعدي على حقوقها الإنسانية، بما في ذلك حقها في استلام مستحقاتها أولا بأول. ويشار إلى أن جاكرتا عبرت مرارا عن امتعاضها من بعض المشاكل التي تتعرض لها مواطناتها في الخليج على يد أرباب العمل، بدليل إعلان سفارتها في الرياض أنها تتلقى أكثر من عشر شكاوى يوميا بهذا الخصوص. غير أنها تفادت اللجوء إلى إغلاق باب السفر أمامهن إلى دول المنطقة بسبب ما تساهم به العملية في تخفيض معدلات البطالة ودرجة الفقر من جهة، وتفضيل الأسر الخليجية لهن لاعتبارات تتعلق بالدين المشترك وبعض العادات الاجتماعية المشابهة من جهة أخرى.

و كل ذلك بحسب راي د. عبدالله المدني في المصدر المذكور .

المصدر : الاتحاد الاماراتيه – 30-4-2006