حان الوقت لأن تصادق كل الدول على اتفاقية الأمم المتحدة لمحاربة الفساد

 

 

انطونيو ماريا كوستا

 

الرواية الغريبة لحاكم ولاية في نيجيريا والذي هرب الى بريطانيا متنكرا في زي امرأة عقب الافراج عنه بكفالة على ذمة اتهامات بغسيل اموال قد تم التعاطي معها بنوع من الاستخفاف في الصحافة.

غير ان واقع الفساد الرسمي على اعلى المستويات بالغ الكآبة.حيث يتم نهب بلايين الدولارات ـ التي تكون الحاجة ملحة لها لصالح مشاريع الرعاية الصحية والتعليم والتنمية الاقتصادية ـ من خزانة الدول في انحاء العالم كل سنة.

يهاجم الفساد ركائز المؤسسات الديمقراطية من خلال تشويه العملية الديمقراطية ومنع ترسيخ حكم القانون.وهو ما يعيق الاستثمار الاجنبي والنمو الاقتصادي.في كثير من البلدان يعد الفساد الرسمي احد العناصر الرئيسية التي تسبب عدم الثقة في الحكم وتزكي التطرف السياسي والارهاب.

ان الفساد سلاح قاتل بكل ما في الكلمة من معنى.حيث تم الاعلان ان مدفوعات الرشى جعلت من السهل على الارهابيين تهريب المتفجرات على متن طائرتين تم تفجيرهما بعيد اقلاعهما من موسكو العام الماضي.كما يعتمد افراد الجريمة المنظمة والارهابيين ومهربي المخدرات على الفساد عند قيامهم باعمالهم الشريرة.

في الوقت الذي دخلت فيه اتفاقية الامم المتحدة لمحاربة الفساد حيذ التنفيذ صار لدى العالم اخيرا اداة فعالة تحت تصرفها في محاربة هذه الكارثة الدولية ـ اذا اختار العالم استخدام ذلك.

وان كان المثير للاسى هو ان اغلب الدول المتقدمة لم تصادق بعد على الاتفاقية.وتعد هذه الاتفاقية هي اول اداة عالمية ملزمة قانونا في محاربة الفساد. فهي تطالب بتدابير وقائية وتجريم اشكال الفساد الاكثر انتشارا.بل انها تنشئ برنامج عمل للشرطة والادعاء للتعاون في اعتقال الجناة وتسليمهم الى بلدانهم الاصلية.

وتطالب الاجراءات الجديدة الصارمة بشأن استرداد الاصول المالية ـ والتي تعد الاولى من نوعها ـ الدول ان تعيد الاموال والاصول المالية الاخرى التي تم الحصول عليها عن طريق الفساد الى الدولة التي نهبت هذه الاموال منها.ان الايام التي كان يستطيع فيها الزعماء السابقون الفاسدون قضاء سنوات لهم في العيش في الترف المفرط في بلدان اجنبية ويسحبون من ارصدتهم البنكية السرية باتت معدودة.وهناك الان اسباب قوية للامل بان الاصول المالية المنهوبة سيتم اعادتها الى اصحابها واستخدامها في التنمية.

ان الفساد يؤثر على كل الدول غنيها وفقيرها.وكما هو في اغلب الحالات تكون التبعة الاثقل على كاهل البلدان الفقيرة.حيث في افريقيا وحدها تقدر خسائر الفساد باكثر من 148 بليون دولار في السنة اي ما يعادل ربع الناتج المحلي الاجمالي السنوي لافريقيا.

ويتم اجبار الملايين في افريقيا وغيرها على دفع رشاوى من اجل الحصول على الخدمات الاساسية مثل الرعاية الصحية او تصاريح ممارسة انشطة او مشاريع.

في بانغالور بالهند تطلب الممرضة في العيادة 7 دولارات كي تسمح للاباء برؤية بنتهم حديثة الولادة.ويزيد هذا المبلغ عن اجر اسبوع لعائلة فقيرة لكن الاباء يضطرون الى دفع هذا المبلغ خشية اصابة طفلتهم بمكروه.

قد يعتقد البعض ان الفساد متأصل في ثقافة بلدان بعينها ومن ثم لايمكن تحقيق شيء مع مثل هذه البلدان وهذه فكرة خبيثة بقدر ما هي فكرة زائفة وغير حقيقية.

فزعماء مثل الرئيس النيجيري اوبسانغو اوضحوا انهم جادون جدا في معالجة الفساد.وتم فصل مسئولين كبار في نيجيريا من مناصبهم ويواجه اخرون تحقيقات جنائية.

في كثير من البلدان من سلوفاكيا الى اندونيسيا نسمع اخبارا مشجعة لمسئولين وقضاة وصحفيين شجعان يأخذون موقفا قويا ضد الفساد وينجحون في ذلك. وعندما اجتمع زعماء العالم في نيويورك في سبتمبر الماضي للاحتفال بالذكرى الستين للامم المتحدة وافقوا بالاجماع على جعل محاربة الفساد اولوية لهم.

تعد هذه الاتفاقية الاممية اداة يمكن ان تجعل هذا الالتزام حقيقة.لكن الاداة ليست عصا سحرية ولانستطيع ان نركن عليها وحدها.اذ لم يصادق على هذه الاتفاقية حتى الان سوى 38 دولة معظمهم من العالم النامي.ويتعين على كل اعضاء الامم المتحدة التصديق عليها ويتبعون ذلك بقانون او ميثاق سياسي ذات اجراءات فعالة لتنفيذ بنود الاتفاقية وضمان ان يكون لها تأثير حقيقي ودائم على حياة شعوبهم.وهذا يعني سن قوانين وتنفيذها وانشاء مؤسسات وبناء قدرات بغية وضع البنود الجديدة القوية للمعاهدة موضع التنفيذ.

يلعب مكتب الامم المتحدة للمخدرات والجريمة دورا رائدا في دعم الدول على التنفيذ الفعال لهذه الاتفاقية.حيث اننا نساعدهم على تحسين انظمتهم الوطنية المناهضة للفساد والتأكد من انها تنشئ المؤسسات التي يمكن ان تمنع وتعاقب الانواع الاكثر انتشارا للفساد. ونساعد الدول على التعاون على الصعيد الدولي من اجل تقديم المذنب للعدالة وتحديد الاموال المنهوبة من خزانة الدول واعادة هذه الاموال الى الدول الاصل.

لكننا لايمكننا عمل ذلك وحدنا بل ان لكل دولة وكل فرد دورا في ذلك. ولايمكن لاحد ان يتوقع ان تختفي هذه المشكلة بين عشية وضحاها وان كانت البادرة الواضحة من حكومات العالم تظهر ان هذه العمل يمكن ان يحقق عائدات ضخمة في السنوات المقبلة.وفي النهاية فاننا نستطيع وقف ومنع الفساد.

انطونيو ماريا كوستا : المدير التنفيذي لمكتب الامم المتحدة للمخدرات والجريمة في فيينا بالنمسا.

خدمة كيه آر تي خاص بـ(الوطن).

المصدر : ICAWS - 18-11-1426 هـ