الآثارالاقتصادية والاجتماعية لرفع الدعم عن أسعار المشتـقات الـنفطية

 

 

 د. ابراهيم موسى الورد

 

افرزت التجارب الدولية في العصر الحديث تنوعا لوسائل الدعم ولاهدافه فتباينت باختلاف النظم الاقتصادية وباختلاف درجة التطور الاقتصادي، وبصورة عامة فان هذه السياسة تتمثل بحزمة من الاجراءات والاسس والمبادئ التي تهدف الى تحقيق اهداف اقتصادية او اجتماعية او سياسية تنعكس في ميزانية الدعم المحددة وفق برنامج معين ولمدة زمنية محددة، وتكون عادة جزءا من الميزانية الاعتيادية للدولة والخاصة بالنفقات التمويلية الجارية.

وعليه فان سياسة دعم الاسعار، وهي المحور العام لهذه الندوة، هي مجموعة الاجراءات التي تؤدي بالنتيجة الى ابتعاد الاسعار الجديدة عن الاسعار الاصلية بمستوى ادنى او اعلى وحسب وسيلة هدف الدعم المطلوب وهي على نوعين:

السياسة الموجهة لدعم المستهلك وهدفها تحقيق مبدأ حمايته من خلال مراعاة القوة الشرائية لدخله والحفاظ على مستوى معيشته.

السياسة الموجهة لدعم المنتج واقرار  اسعار المنتوج بمستوى معين واضافة هامش ربح مشجع له على الاستمرار بالانتاج والمحافظة على مستوى دخل مناسب له.

يرى الكثير من الباحثين ان المجتمع العراقي عاش في القرن العشرين في كنف دولة راعية يرى فيها السوق الاعظم او مؤسسة الانفاق الاعظم فازداد ارتباطه بحالة الدولة بسبب اوضاع التخلف والفقر التي كانت تعيشها مجموعة كبيرة من فئات المجتمع وبسبب الطابع الريعي الذي اتسم به الاقتصاد العراقي منذ اكتشاف النفط بعد العقد الثالث من القرن العشرين هذا المورد الذي اثر كثيرا في حياة العراق، وبسبب السياسات الاقتصادية التي اعتمدتها النظم السياسية المختلفة التي حكمت العراق والتي جعلت من القطاع الحكومي الينبوع الذي لا ينضب لتوليد فرص العمل حتى اصبحت الدولة دولة توزيع لا دولة انتاج وظيفتها الاساسية توزيع موارد النفط بين استخداماتها المختلفة.

وهكذا اصبحت سياسة الدعم الحكومي للكثير من السلع الاستهلاكية الاساسية سياسة انفاقية يعتمد حجمها وموقعها في الميزانية العامة على ايديولوجية الدولة وعلى شكل الدعم المطلوب.

اتخذت اشكال سياسة دعم الاسعار في العراق كما بينا اعلاه نوعين اساسيين هما:

أ- دعم اسعار المستهلك الذي احتل اهمية كبيرة في البرامج الاقتصادية للدولة لما يحققه هذا الشكل من الدعم من اثر مباشر في رفاهية المستهلك والمجتمع بصورة عامة من خلال المحافظة على الدخول الحقيقية للافراد عن طريق استقرار الاسعار بعيدا عن تقلبات الاسعار العالمية وذلك من خلال تثبيت الاسعار او تجميدها عن طريق القيود الادارية مما ينجم عنه عزل اسعار المستهلك عن الاسعار العالمية وعن اسعار المنتج المحلي.

وبهذا فان سعر المستهلك هذا لا يعبر عن الكلفة الحقيقية للسلع بقدر ما يعبر عن اهداف الدولة في تحقيق مبدأ تثبيت الاسعار، واستقرارها وصولا الى المستوى المعاشي المتطور للمجتمع.وتعد البطاقة التموينية شكلا اخر من اشكال دعم اسعار المستهلك في الظروف الاعتيادية اذا كانت تضمن للمستهلك الحصول على ما يحتاجه بصورة منتظمة ومضمونة.

ب- دعم اسعار المنتج المحلي سواء كان صناعيا ام زراعيا بغية تحفيز وتحسين انتاجه من خلال جملة من الاجراءات تتخذها الدولة بهدف زيادة الانتاج وتمكين المنتجين من تحقيق ارباح تساهم في تطوير وتوسيع تلك الانشطة.

ان احد الانواع المهمة من هذا الدعم هو دعم اسعار الطاقة المستخدمة في القطاعين الانتاجيين الرئيسين وهما الزراعة والصناعة كدعم اسعار المشتقات النفطية حيث تباع باقل من اسعارها العالمية وكذلك دعم اسعار وحدات الطاقة الكهربائية.

هناك اشكال اخرى من الدعم الحكومي لكن التركيز في هذه الورقة على نوع من سياسات الدعم التي تؤثر في كل من المستهلك والمنتج معا الا وهو دعم اسعار المشتقات النفطية.

احتلت نفقات هذا النوع من الدعم موقعا مهما في الميزانية العامة بوصفها نفقات عامة حقيقية لتقديم سلع استهلاكية ضرورية وايضا لكونها اعانات مختلفة للانتاج وزيادة الانتاجية، وحيث ان النفقات العامة والايرادات العامة يشكلان جانبي الميزانية العامة بفقراتها المختلفة وان اي تخفيض او زيادة في تلك الفقرات سوف ينعكس فائضا او عجزا في تلك الميزانية عليه كلما زاد سعر الدعم زادت الكلفة التي تتحملها الدولة لمواجهة الطلب على هذه السلعة ولابد من استخدام حسابات الكلفة/ المنفعة لتخصيصات الدعم تلك فاذا كانت كبيرة والزيادة الحاصلة في الانتاج او الانتاجية قليلة فان كلفة الدعم ستفوق منافعه فتجعل هذه السياسة غير ذات جدوى.

ان نظرة تحليلية معمقة لمرحلة من تاريخ العراق امتدت عقودا من الزمن يبدو من خلالها ان الكثير من السياسات الاقتصادية التي اعتمدت لم تكن تحمل اي شيء من العقلانية المفترضة اقتصاديا ولا الافق المنظور الحامل لمستويات مستهدفة للتطور الاقتصادي والاجتماعي كنتاج لابد منه لمرحلة تنموية امتدت طويلا وهذا يمثل بلاشك ارتدادا في سياق التنمية، عقودا من الجهد الانمائي كان يمكن ان تنقل المجتمع نقلة نوعية من خلال ارتفاع مستويات المعيشة ونمو الدخل وبناء اقتصاد قادر على النمو الذاتي وتوليد فرص العمل.

هكذا يبدو حال الاقتصاد العراقي الان، بطالة تجاوزت نصف قوة العمل وهو ما يمثل بين (7-8) ملايين عاطل، مستويات من الفقر لا تقل طبقا لافضل التقديرات عن (60%)، دوامة من الاوضاع الاقتصادية المفتقرة الى آليات تضبيط مجربة يراد منها اخراج العراق باقل الخسائر ومروره عبر هذه المرحلة الانتقالية من الاقتصاد المخطط الشمولي الى اقتصاد السوق الحرة.

في ظل هذه الظروف الاقتصادية والسياسية تبدو المهمة الاساسية هي توجيه الموارد المادية والبشرية لاعادة العافية الى الاقتصاد العراقي المدمر، ورغم الصعوبات المالية التي ستطبع المرحلة المقبلة لاسيما (عجز الموازنة العامة للحكومة) الا ان تجاوز موضوعة تأمين جزء من الحاجات الاساسية للمجتمع، تبدو مسألة غير واردة لا في تفكير متخذي القرار على المستوى الرسمي الاعلى ولا في اغلب البرامج السياسية والاقتصادية للاحزاب والتيارات السياسية المشتركة في العملية السياسية، ذلك ان اغلب السكان يعتمدون على الحكومة في تأمينها السلع الاساسية ومنها المشتقات النفطية وباسعار رمزية جدا، ولا يمكن القول ان مراجعة هذه الفقرة واعادة النظر بالدعم الحكومي يعد امرا مقبولا، لا بل انه عند الكثير من السياسيين امر شبه مستحيل ويمكن ان يفتح فصلا جديدا من عدم الاستقرار وشيوع الجريمة.

لكن عاملين اقتصاديين يدفعان متخذي القرار والكثير من الباحثين، رغم كل ذلك الى اعادة مراجعة سياسة الدعم الحكومي في المرحلة المقبلة هما:

اولا: التزامات العراق الدولية وتعهداته امام صندوق النقد الدولي وغيره من المنظمات الدولية برفع الدعم الحكومي وتحرير السوق العراقية من اية قيود او تنظيمات تؤثر في آلية العرض او الطلب، وقد قبل العراق هذه الالتزامات وتعهد بتنفيذها خلال المرحلة المقبلة مقابل اطفاء نسبة مهمة وكبيرة من ديونه الخارجية التي تجاوزت حسب تقديرات المنظمات الدولية مبلغ (120) مليار دولار، ان دعوة هذه المنظمات تصب في مساعدة العراق لاعتماد فلسفة اقتصادية جديدة مرتكزة على منهج رأسمالي (القطاع الخاص) وآليات السوق الحرة يراد منها حفظ التوازنات الاقتصادية بدقة مما يفضي الى توازنات مجتمعية وهذه الاخيرة احوج ما يكون العراق لها في هذه المرحلة.

ثانيا: ضرورة العمل على تخطيط موازنة تعمل على اصلاح جذري لمشكلات الاقتصاد العراقي وتوفر الارضية الضرورية للاصلاح الاقتصادي من جهة وتوفي بتعهدات العراق الدولية ويحظى باستمرار الدعم الضروري من قبل الدول الصديقة من جهة اخرى.

ان انجاز مثل هذه الموازنة لا يمكن ان يتحقق دون اعادة النظر في الكثير من عناصر النفقات والايرادات المقترحة لها. وتأتي سياسة الدعم الحكومي في مقدمة الفقرات التي ينبغي اعادة النظر فيها ذلك  ان الدعم الحكومي متمثلا في دعم البطاقة التموينية واسعار المشتقات النفطية يمثل عبئا على موازنة الدولة حيث يمثل الاول حوالي (8.9%) والثاني (8.1%) من الانفاق العام وعليه لا يمكن للموازنة تلبية المتطلبات الاقتصادية الاستراتيجية الاصلاحية اذا استمرت الحكومة في تقديم ذلك المستوى من الدعم نفسه حيث تشير بيانات وزارة المالية الى ان تكلفة استيراد المشتقات النفطية بلغت حوالي (2730) مليون دولار في موازنة عام 2005 وهو امر يستدعي ضرورة البدء بوضع خطة للاصلاح الاقتصادي وتحديد رصيد نقدي محدود للانفاق على دعم اسعار المشتقات النفطية وهو ما تم التخطيط له في موازنة عام 2006 حيث قدر الانفاق المقترح على استيراد هذه المشتقات بحدود (2415) مليون دولار تقريبا.

النقطة الجوهرية في موازنة عام 2006 هي اقرار البدء بالانسحاب التدريجي من سياسات الدعم على مدار اربع سنوات ويتضح للباحث ان تحديد هذه المدة الزمنية يتناغم مع المهلة المعطاة من صندوق النقد الدولي لانجاز ما يسمى بسياسات الاصلاح الاقتصادي في العراق وانسحاب الدولة الكامل من تنفيذ سياسة دعم الاسعار.

وتأسيسا على ما تقدم فانه اذا ما اريد خفض الدعم الحكومي لاسعار المشتقات النفطية بغية اعادة التوازن للموازنة المثقلة بالعجز (يبلغ العجز في موازنة 2006 حوالي (3714) مليون دولار وبما يعادل (5571) مليار دولار). فان ذلك يتطلب وضع خطة متوسطة الامد تعتمد التدرج البطيء والمستمر لهذا الخفض لان آثار هذا الخفض سوف تنعكس على مجمل الاقتصاد العراقي ذلك ان جزءا مهما من هذه المشتقات يمثل مدخلات انتاجية اساسية في الكثير من الانشطة الاقتصادية وخاصة قطاع النقل والمواصلات الذي سوف ينعكس مباشرة على زيادة تكاليف النقل ومن ثم زيادة في الاسعار اي زيادة معدلات التضخم التي يعاني منها الاقتصاد العراقي.

واخيرا فان على متخذ القرار الاقتصادي فيما يتعلق بخفض دعم اسعار المشتقات النفطية ان يلاحظ ان:

1- عدم تأثر الطبقة الغنية بهذا القرار ويعني ذلك ان عبئا اضافيا سوف تتحمله الشرائح متوسطة او منخفضة الدخل لذلك ينبغي برمجة عملية الخفض بما يتناسب مع تحسن مستوى الدخل الفردي وانخفاض معدلات البطالة في العراق.

2- يؤدي خفض دعم هذه المشتقات الى زيادة واضحة في الكلف الحقيقية للسلع والخدمات وقد يؤدي ذلك الى رفع معدلات التضخم كما اسلفنا ومن ثم لن يتحقق هدف الموازنة الحكومية في خفض هذه المعدلات.

3- ترتبط عمليات تهريب المشتقات النفطية الى خارج العراق باسباب اخرى اهمها ضعف اجهزة الرقابة والامن وسيادة حالة عدم الاستقرار في العراق. وهذه مسائل وقتية تزول بزوال مسبباتها ونجاح العراق في بناء مؤسساته الامنية والرقابية والسياسية.

4- ان استيراد العراق لهذه المشتقات يعود في الاساس الى ضعف الطاقة الانتاجية لمصافي النفط العراقية وهي في اغلبها مؤسسات قديمة ذات طاقات تصفية منخفضة لا يمكنها ان تواكب الطلب المتزايد على مشتقات النفط وحري بالحكومة معالجة السبب وليس النتيجة.

5- ان زيادة الاستثمارات الموجهة نحو اصلاح البنية التحتية الانتاجية لاستخراج النفط الخام وتصديره سوف يؤدي الى مضاعفة الايرادات النفطية ومن ثم سوف لا تشكل مسألة دعم اسعار المشتقات النفطية نسبة مهمة في موازنة الحكومة في السنوات المقبلة.

المصدر : جريدة الصباح– 19-12-2005