لـماذا يرغم الشعب العراقي علي دفع فواتير النظام السابق ! ؟

 

 

كتبت هيفاء زنكنة في القدس العربي تحت عنوان :

مستوى آخر للدفاع عن حقوق العراق وشعبه

ان لمقاومة الاحتلال مستويات متعددة. من بينها العمل التكنوقراطي لحل المشاكل الاقتصادية المؤثرة علي حياة الناس حاضرا والبلد مستقبلا.

وهو المستوي الذي يقوم به الاقتصاديون والقانونيون والمهنيون والناشطون في الاوساط الدولية.

ويقودنا تصريح وزير الدفاع العراقي سعدون الدليمي (دون غيره) الي النظر في هذا المستوي من المقاومة وتفحص كارثة اقتصادية انتبه اليها عدد من اقتصاديينا يعملون سوية مع ناشطين دوليين.

اذ صرح الوزير في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإيراني علي شمخانيو، عقد يوم الخميس 7-7، اثناء زيارة وفد عراقي برئاسة ابراهيم الجعفري، رئيس الوزراء المؤقت الي ايران، قائلا:

(جئت إلي إيران للاعتذار عما ارتكبه صدام حسين ويجب القيام بنفس المبادرة مع الكويت وكافة ضحايا صدام حسين).

واذا ماتركنا جانبا كل ملابسات الاعتذار ومعناه ونظرنا اليه كبادرة حسن نية من رجل يتوخي صالح بلده، سيبقي امامنا سؤال مهم يتعلق بالموقف الايراني وهو:

هل قبلت ايران اعتذار الدليمي؟

وما هو انعكاس قبول الاعتذار علي واحدة من القضايا المهمة العالقة بين البلدين الا وهي قضية التعويضات المالية التي تطالب بها الحكومة الايرانية وبالفائدة المتراكمة جراء حربها مع النظام السابق؟

هل ستتنازل ايران عن طلبها التعويضات كموقف ودي واخلاقي مماثل لاعتذار الدليمي؟

وماذا عن مطالبة الكويت ودول الجوار الاخرى بالتعويضات؟

من ناحية اخري، ماذا عن الدول متعددة الجنسيات التي ساهمت في تخريب العراق وقتل اهله؟

بالنسبة الي إيران، حتي الآن، ليس هناك ما يدل علي عفوها وتسامحها، خاصة وانها كانت قد طلبت من صندوق النقد الدولي، في العام الماضي، إضافة 97.2 مليار دولار إلي الديون الإيرانية المستحقة علي العراق علي سبيل التعويضات غير العسكرية عن الحرب بينهما من 1980 إلي 1988.

أما بالنسبة الي الكويت، فعلي الرغم من قيام عجيل الياور، رئيس الجمهورية المؤقت السابق، بزيارة الكويت في نيسان (ابريل) 2004، واجرائه محادثات مع أمير الكويت ومسؤولين آخرين بشأن الديون والتعويضات المترتبة علي العراق للكويت جراء غزوه لها عام1990، واصلت الكويت اصرارها علي المطالبة بكل التعويضات فضلا عن اضافة قائمة بمتطلبات تعويضات جديدة.

كما قامت الحكومة الكويتية قبل ثلاث سنوات بتكليف لجنة من مدرسة هارفارد للصحة العامة لدراسة التأثير الصحي لغزو الكويت وبقاء القوات العراقية فيها لمدة سبعة أشهر علي صحة الكويتيين وتقدير حجم التأثير واسبابه وكيفية معالجته وتكلفة العلاج.

وغني عن الذكر بان العراق الديمقراطي الجديد هو الذي يقوم بدفع تكاليف هده الدراسة المكلفة.

وما كنا سنذكر هذه النقطة اساسا لو ان حكومتنا المنتخبة ديمقراطيا قد اتفقت مع الكويت الديمقراطي وبرعاية المحررين لنا من القوات متعددة الجنسيات برئاسة الصديقة امريكا علي اجراء الدراسة بشكل مشترك بحيث يشمل البلدين المتجاورين حدودا وشعبا. ولعل من المفيد التذكير بان معاملة العراق في السابق، بين 1996 ـ2003، هي ذاتها الآن. اذ قام العراق بدفع كل تكاليف اللجنة التي تم تشكيلها من قبل امريكا تحت قناع الامم المتحدة لتحدد طلبات التعويضات المقدمة من قبل الافراد والشركات والدول علي اختلاف انواعها، وبضمنها تكاليف ترجمة الوثائق والطلبات لاصرار اللجنة علي رفض التعامل باللغة العربية.

تبلغ قيمة المطالبة بالديون من العراق نحو 125مليار دولار معظمها من دول كانت حليفة للنظام السابق طوال فترة الثمانينيات، بالإضافة إلي حوالي 33 ملياردولار دُفعت حتي الآن كتعويضات تتعلق بإحتلال الكويت في الفترة1990 ـ 1991. وعقدت لجنة التعويضات التابعة للإمم المتحدة اجتماعها الأخير في 28 ـ 30 حزيران (يونيو) لتقرير قيمة المطالبة المتعلقة بتعويضات أخرى، البالغة قيمتها 65 مليار دولار، التي ستُفرض علي العراق.

ويتضمن طلب التعويضات الهائل الاخير عن ( الاضرار اللاحقة بالبيئة) قائمة موقعة من قبل ست دول مجاورة هي الكويت، السعودية، ايران، سورية، الاردن وتركيا. وقد صرح المتحدث باسم الحكومة الكويتية امام لجنة الامم المتحدة المختصة بالتعويضات، في جنيف بتاريخ 28/6/2005 بان الحكومة الكويتية لن تتنازل عن التعويضات، بل وطالب المتحدث اللجنة بمساندة دفع التعويضات بلا انقطاع.

ولندرك حجم الكارثة الجاثمة علي حياة كل فرد في العراق المحتل، والقيد الذي سيربطه حاضرا ومستقبلا، نتيجة اصرار دول الجوار علي ان يدفع العراق التعويضات وفوائدها المتراكمة، علينا ان نتذكر ان ديون العراق والتعويضات التي خلفها النظام السابق هي حوالي 400 مليار دولار. وتتضمن هذه المطالبات تعويضات الحرب التي فرضت علي العراق نتيجة لغزو صدام للكويت، بالإضافة إلي الديون الناتجة من القروض التي مولت نظام حكمه في الفترة 1981 ـ 1990.

وما كنا سنعترض لو ان العراق مازال راضخا تحت دكتاتورية النظام السابق، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو:

ألسنا نتمتع الآن بحكومة ديمقراطية حرة وبحماية جيوش اصدقائنا من الامريكيين والبريطانيين وغيرهم ممن ساعدنا علي التخلص من الماضي الثقيل، فلماذا نواصل اذن دفع ديون النظام السابق؟ لماذا نواصل دفع طلبات وتعويضات دول وشركات ومؤسسات ساهمت وبدرجات مختلفة في بناء ودعم النظام السابق وشنه الحروب لحمايتها؟

ان هذا الدين مع ارباحه السنوية كفيل باستعباد العراق الي الابد من الناحية العملية.

كما أن فرض مطالبات تعويضات الحرب علي العراق، والمطالبة بدفع فوائد الديون الداعمة للنظام السابق، وإعادة الهيكلة القسرية لاقتصاد العراق وفقا لمصالح صندوق النقد الدولي والمصالح المالية لغير العراقيين هو استمرار للحرب الاقتصادية والعسكرية الني شُنت ضد العراق منذ 1991.

ولن يتمكن العراقيون من النهوض ببناء بلدهم ما لم تعامل دول قوات الاحتلال بالمثل. ما لم تقم حكومة عراقية مستقلة فعلا وذات سيادة فعلية بمطالبة دول قوات الاحتلال ومؤسساتها وشركاتها بدفع التعويضات الي الشعب العراقي جراء الخراب البشري والاقتصادي الذي سببته للعراق اثناء الغزو وتحت الاحتلال. كما يتوجب علي المجتمع الدولي تحمل مسؤوليته لإعادة إعمار العراق بعد 14 سنة من العقوبات الاقتصادية الشاملة التي أدت إلي تدمير النظام الصحي والتربوي بالإضافة إلي شبكة الكهرباء والمياه والصرف الصحي.

والقيام باجراء البحوث والدراسات عن تأثير الاحتلال علي حياة العراقيين واستخدام قوات الاحتلال للاسلحة المحرمة دوليا وبضمنها اليورانيوم المنضب والنابالم والقنابل العنقودية فضلا عن القيام بحملة عالمية لتنظيف العراق من تأثيرات هذه الاسلحة واجراء مسح صحي عام.

ولا بد من إلغاء تعويضات الحرب والديون جميعها من دون قيد أو شروط. مع العلم بأن جميع المطالبات الفردية بالتعويض، تقريبا، قد حُلت وتم تسديدها.

أما أغلبية المطالبات المتبقية والتي لم تدفع بعد أو لم يتم إقرارها بعد، فتعود لشركات نفط مملوكة للحكومات أو لشركات متعددة الجنسية. وقد اشار تقرير للجنة المحاسبة في الامم المتحدة، نشر في كانون الثاني من العام الماضي، بان لجنة التعويضات التابعة للامم المتحدة ومقرها جنيف كانت قد دفعت مبلغا وقدره 5 مليارات دولار اضافية من ميزانية العراق نتيجة مبالغتها في تقدير التعويضات.

نعم، نحن نتحدث ع5 مليارات دولار عدا ونقدا، في الوقت الدي يعاني فيه شعبنا من قلة الدواء والماء والكهرباء وكل الخدمات الاساسية والضرورية لصيانة كرامة الانسان وحريته وعزته بنفسه.

ولعل افضل مصدر للحصول علي المعلومات بشأن الديون والتعويضات هو منظمة الاحتفاء بالعراق علي موقع www.jubileeiraq.org ، وهي منظمة تأسست عام 2003، كشبكة تضم مجموعة من ناشطين عراقيين ودوليين بينهم محامون وخبراء اقتصاديون وعاملون في الإغاثة. وكان الغرض من تأسيسها العمل علي منع إرغام الشعب العراقي علي دفع فواتير النظام السابق. وقد قامت المنظمة أخيرا مع افراد من منظمة أصوات في البرية www.vitw.org بالصيام لمدة 15 يوما وبالاعتصام امام مبني الامم المتحدة في جنيف للمطالبة بتحقيق العدالة الاقتصادية للشعب العراقي والغاء كافة ديونه بلا شرط او قيد.

والمعروف ان اصوات في البرية قد تأسست عام1996 بهدف معارضة العقوبات الاقتصادية التي فرضت علي الشعب العراقي والطعن فيها.

وعارضت المنظمة غزو الولايات المتحدة للعراق وإحتلالها له، وتطالب بالتمويل الكامل لاعادة إعماره من دون قيد أو شرط، وأن تدار العملية من قبل الشعب العراقي ولفائدته وليس لفائدة الشركات متعددة الجنسية.

وطرحت المنظمتان في بيانهما الصحافي جملة من الاسئلة المهمة، من بينها: كيف يمكن للشعب العراقي استرداد وطنه واستعادة حياته عندما يفرض صندوق النقد الدولي والبنك الدولي شروطهما بإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي وفق ما يسمي بنظام العلاج بالصدمة سيئ السمعة، الذي يؤسس إلي اقتصاد يخدم مصالح الشركات متعددة الجنسية ومؤسسات الاستثمار الدولية وليس مصالح الشعب العراقي؟

أين هي الأموال التي وعدت بها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وآخرون الشعب العراقي في مؤتمر مدريد للمانحين عام 2003؟

ولماذا لا يتم توفير هذه الأموال كمِنح لا كقروض؟

وكل ذلك حسب كاتبة المقال . 

المصدر : القدس العربي 23-7-2005