نظرة على المصارف العراقية        

 

يعود تأريخ البنوك العراقية الى النصف الأول من القرن الماضي، خصوصاً بعد تأسيس بنك الرافدين عام 1940.

وتوالى تأسيس المصارف الأخرى الأهلية حتى تم تأميمها كلها عام 1964 ودمجها مع بنك الرافدين الحكومي الذي أصبح في ما بعد قوة مالية عراقية وإقليمية، وذلك من خلال تصنيفه عام 1989 كأكبر مصرف عربي بأصول قدرت آنذاك بأكثر من 30 بليون دولار.

لكن ما قصم ظهر هذا المصرف والعراق ككل هو غزو الكويت في عام 1990 وما تبعا من عقوبات من الأمم المتحدة حيث تم تجميد نشاطات وأموال وموجودات بنك الرافدين الى حد جعله في مديونية.

وفي التسعينات من القرن الماضي تم تأسيس مصرف حكومي آخر هو بنك الرشيد. ولم تتعدَ نشاطات بنكي الرافدين والرشيد خلال سنوات الحصار فتح الحسابات الجارية والادخار وصرف الشيكات مع بعض التحويلات المالية داخل العراق فقط. أما التحويلات المالية الى خارج العراق فكانت تتم تحت مجهر الحكومة، مما دفع بالتجار والأفراد الى تحويلها على نحو غير رسمي الى ان تمت اجازة بعض محلات الصرافة التي قامت بهذا الدور في نهاية التسعينات ولحد الآن.

وطال السلب والنهب فروع الرافدين والرشيـد بعد سقوط النظام السابق ، لكنـها فتحـت عدداً لا بأس به من فروعها

خلال العامين الماضيين، وتقوم بدفع رواتب موظفي الدولة والمتقاعدين ليس أكثر. وفي التسعينات من القرن الماضي أجازت الحكومة فتح مصارف أهلية لكنها ابتدأت ضعيفة وما زالت كذلك، حيث ان رأسمال كل منها لم يتجاوز المليون دولار ونيف. وسبب ذلك تحديدات كبيرة في امكان اقراض العملاء أفراداً وشركات، كذلك عدم امكان تقديم الخدمات المصرفية التجارية للشركات كفتح الاعتماد وخطابات الضمان لمجهزي هذه الشركات من الخارج.

كذلك ، فإن تذبذب العملة العراقية خلال التسعينـات وحتى عام 2004 جعل الثقـة بهذه المصارف ضعيفة ، اذ فضـل

العراقيون الاحتفاظ بأموالهم النقدية في بيوتهم على ادخارها في المصارف.

وبعد السلب والنهب اللذين طاولا المصارف الحكومية بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، لا تزال النظرة الى كل المصارف العراقية ضعيفة، على رغم زيادة رأسمالها أخيراً وتعاون قسم منها مع مصارف أجنبية وعربية، أو اندماجها معها لكي تتم زيادة رأسمالها وتطوير خدماتها. لكن الظروف الأمنية السيئة لم تدع الفرصة لها أن تقدم ما هو أحسن.

والمصارف الأجنبية التي أجازها البنك المركزي العراقي عام 2003 ثلاثة وهي:

HSBC وبنك ستاندرد وتشارترد البريطانيان والبنك الوطني الكويتي. ومن ثم أجيزت مصارف أخرى مثل البنك العربي، المؤسسة المصرفية العربية، بنك ميلت الايراني، البنك الزراعي الايراني والبنك الزراعي التركي، وهي لم تبدأ عملها حتى الآن لأسباب أمنية، لكن البنك المركزي امهلها حتى نهاية عام 2005 لمباشرة أعمالها.

وستبدأ هذه المصارف أعمالها بالتعاون مع المصارف العراقية الأهلية مثل HSBC الذي اشترى 75 في المئة من مصرف دار السلام، وبنك الكويت الوطني الذي اشترى هو الآخر 75 في المئة من مصرف الاعتماد العراقي.

والجدير ذكره أن سلطة التحالف التي أنشأها الاحتلال أسست البنك العراقي للتجارة TBI في تشرين الثاني (نوفمبر)2003 لتقديم الخدمات المصرفية لدوائر الدولة المختلفة، خصوصاً في مجال فتح الاعتمادات وخطابات الضمان، حيث فتح أكثر من 1500 اعتماد مصرفي لمجهزين من 65 دولة بقيمة تزيد على 5 بليون دولار. وينظر المصرف الآن في تقديم الخدمات لشركات القطاع الخاص كما ابتدأ نشاطاً محدوداً في ادخال خدمة بطاقات الائتمان «فيزا» أخيراً، على شرط أن يكون هنالك رصيد في حساب العميل لكي يستخدمها.

ويشرف بنك «جي بي مورغن» الأميركي على عمليات المصرف العراقي للتجارة كما تم تخويل بنك ستاندرد تشارترد البريطاني لاصدار الاعتمادات.

أما البنك المركزي العراقي، فإنه استقل عن الحكومة ادارياً ومالياً لكنه ينسق أعماله مع جهات مختلفة. وأصبحت قرارات مجلس ادارته مستقلة من خلال قانون البنك المركزي الجديد الذي يمنعه من اقراض الحكومة على عكس ما كان في السابق. ويعمل البنك المركزي كمستشار للحكومة في ما يخص السياسات النقدية والاقتراضية.

ومن أهم ما قام به «المركزي» هو تبديل العملة العراقية في 15/11/2003 حيث تم طبع أكثر من 8 تريليون دينار في أهم مطابع العملة في العالم، وكان الدينار العراقي حتى الثمانينات يساوي 3.22 دولار، لكنه تدهور بعد غزو الكويت حتى وصل الى أكثر من 3000 دينار للدولار الواحد.

وخلال الأشهر العشرة الأخيرة حافظ الدينار على مستواه بحدود 1.450 دينار لكل دولار. ومما ساهم في الحفاظ على هذا السعر على رغم عدم ربطه بالدولار رسمياً هو المزاد اليومي الذي يقوم به البنك المركزي والذي حقق الاستقرار في سعر الصرف، كما ساهم ذلك في ادخال الطمأنينة الى التجار العراقيين، خصوصاً ان العراق يعتمد على الاستيراد لمعظم المواد الاستهلاكية والغذائية.

وعلى رغم محاولة البنك المركزي كبح جماح التضخم، لكنه لا زال عالياً ويتجاوز معدل 20 في المئة سنوياً.

يستخلص مما سبق أن النظام المصرفي العراقي والمصارف العراقية ما زالت ضعيفة وهي لا تساهم في خدمة الاقتصاد العراقي كما ينبغي ويعزى ذلك الى:

1 – ضعف رأس مال كل المصارف.

2 – ضعف مستوى الجهاز الاداري والفني.

3 – الكلفة العالية للخدمات فيها.

4 – الافتقار الى البرامج التقنية لتقديم خدمات حسابات العملاء والادخار والمعاملات التجارية.

5 – عدم وجود رؤيا للتمويل الشخصي والتجاري والصناعي.

6 – ليس هنالك من برنامج واضح للرهن والقرض العقاري. 

7 – عدم ثقة المواطن العراقي بالمصارف العراقية، مما يؤدي الى عدم ايداع النقد فيها ما يؤثر سلباً في السيولة.

ان تطوير المصارف الأهلية العراقية يجب أن يتم في أسرع وقت لأن ذلك جزء من عملية تطوير الاقتصاد العراقي، وعلى كل الجهات العمل على ذلك اليوم قبل الغد.

وكل ذلك حسب رأي كاتب المقال . 

رئيس مجموعة انتر – العراق.

المصدر : سلوان يوسف - الحياة - 10-8-2005