واشنطن تقر قانونا جديدا للطاقة يهدف إلى :

 

تقليص الاعتماد على النفط الخارجي والصناعات النووية تستعد لمكاسب ضخمة 

 

اقر الكونغرس الأميركي امس مشروع شامل لاعادة هيكلة قطاع الطاقة الأميركي بأسره وتقليص اعتماد أميركا على النفط العربي في قانون غير مسبوق يحظى باجماع الحزب الجمهوري، وهو حزب الاغلبية حاليا في الكونغرس، والحزب الديمقراطي المعارض.

ويقول عدد من رجال الكونغرس الذين يرعون القانون المطول، علاوة على الادارة الأميركية، ان القانون يهدف الى زيادة انتاج الطاقة المحلية في الوقت نفسه الذي يقلل الاعتماد الأميركي على النفط الاجنبي، عن طريق تطوير التقنية الجديدة ومصادر الطاقة البديلة.

ويعرض القانون، الذي حصلت «الشرق الاوسط» على مسودته شبه النهائية، من اجل تخفيض الاعتماد على النفط العربي، حوافز مثل مد التخفيضات الضريبية في أميركا على مركبات الديزل النظيف وتقديم حوافز ضريبية للمستهلكين من أجل شراء السيارات والشاحنات التي تعمل بالوقود المخلوط وحوافز للصناعات البديلة والطاقة النووية.

ويذهب الأميركيون الى حد القول انهم سيشجعون دولا اخرى تعتمد على النفط العربي مثل الهند والصين الى تقليل الاعتماد على نفط المنطقة عن طريق تقديم حوافز لهم لترشيد استهلاك الطاقة وتصدير تقنية ترشيد الاستهلاك واشراكهم في الصناعات البديلة المتطورة: كل ذلك من اجل تقليص دور النفط العربي في الاقتصاد العالمي.

ويرجع تحرك الولايات المتحدة في هذا الصدد الى شعور الأميركيين انهم في حرب مع العالم العربي بعد احداث 11 سبتمبر وان أميركا تعتمد على عدد صغير فقط من الدول، منها دول عربية على رأسها المملكة العربية السعودية في الحصول على حوالي 60 في المائة من بترولها وسط تحذيرات من رجال الكونغرس من ان خطر حدوث انقطاع في إمدادات الطاقة يتعاظم خصوصا من العالم العربي.

والولايات المتحدة تستهلك حوالي 20.8 مليون برميل من النفط يوميا. وتقول «ادارة معلومات الطاقة» التابعة لوزارة الطاقة الأميركية ان الطلب الأميركي على الطاقة قد يزداد بنسبة 30 في المائة خلال العشرين السنة المقبلة.

ومن المتوقع ان ينمو الاستيراد الصافي الأميركي للطاقة من نسبة الربع إلى نسبة الثلث من مجموع الطلب الأميركي سنة 2025، وذلك نتيجة النمو البطيء للإنتاج المحلي للطاقة.

ويعالج القانون ذلك بنصه على زيادة الإنتاج المحلي من الطاقة بأساليب تتميز بالحساسية تجاه المحافظة على البيئة، مثل توسيع نطاق استخدام الطاقة النووية، وتخصيص أموال لتحفيز التقنية على إزالة مواد التلوث من عوادم مشروعات الطاقة التي تستخدم الفحم، وفتح مناطق مثل منطقة الحياة البرية القطبية في ألاسكا أمام التنقيب عن الغاز الطبيعي والبترول «بأسلوب يتميز بالحرص والمسؤولية عن حماية البيئة».

ويقدر «معهد النفط الأميركي»، وهي مؤسسة تمثل صناعة النفط وشركات البترول، ان الاسكا بها 10.4 مليار برميل من النفط ويمكنها بمفردها توفير ما يعادل الوارادت من المملكة العربية السعودية لمدة 20 عاما ليتم الاستغناء عن المملكة بالكلية.

كما تحظى الطاقة النووية في مشروع القانون بنصيب الاسد من هذه الحوافز والاعفاءات الضريبية والتمويل بما يعد تغييرا كبيرا لسياسة أميركا في عدم الاعتماد على الطاقة النووية في توليد الكهرباء وهي السياسية التي استمرت 30 عاما حتى الان...

الا ان متخصصين في شؤون البيئة وجماعات المستهلكين ممن تحدثوا لـ«الشرق الاوسط» يقولون إن التشريع الجديد سوف يجعل الولايات المتحدة تعتمد على مفاعلات نووية تجارية مكلفة وخطيرة.

وجاء رد صناعة الطاقة النووية أن بناء جيل جديد من المفاعلات النووية التجارية هو أحد الطرق «الآمنة والنظيفة» التي يمكن أن تستخدمها الولايات المتحدة من أجل الاستغناء عن البترول العربي وتعزيز الأمن القومي.

وكان مجلس النواب الأميركي، الذي يمثل الغرفة الادنى في الكونغرس، قد أقر النسخة الخاصة به من التشريع الخاص بالطاقة في أبريل، والذي يشمل 6.1 مليار دولار في صورة دعم وتخفيضات ضرائب على الصناعة النووية، ضمن عوامل أخرى مشجعة. أما النسخة الخاصة بمجلس الشيوخ، الذي يمثل الغرفة الاعلى في الكونغرس، من مشروع القانون فتشمل 4.3 مليار دولار في شكل دعم للطاقة النووية.

ووفق قواعد تمرير القوانين الأميركية، يجب أن يتم التوصل إلى حل وسط بين مشروعي القانونين، وعلى الرئيس بوش عندئذ أن يوقّع على ما تم التوصل إليه قبل أن يخرج في صورة قانون نهائي قابل للتنفيذ.

وقد صرح مايكل ماريوت ، من «هيئة المعلومات والمصادر النووية»، وهي مجموعة تعارض إنشاء مفاعل جديد للطاقة النووية في حديث خاص لـ«الشرق الاوسط» قائلا:

«ان الهدف الواضح من القانون هو تقليل اعتماد أميركا بل العالم كله على النفط العربي لاسباب أمنية وحربية».

غير انه قال ان الركون الى الطاقة النووية بشكل خاص لن يحقق هذا الهدف بالكلية ولن ينهي الاعتماد الأميركي على النفط العربي مباشرة اذ ان الطاقة النووية لا تستخدم في تسيير السيارات التي تعتبر اكبر مستهلك للوقود والنفط في الولايات المتحدة الأميركية. وقال:

«إن الحوافز على موضوع الطاقة النووية مهمة للغاية (في مشروع القانون)». وأضاف:

«في ما يتعلق بالأموال ربما يكون هذا هو أكبر جزء في مشروع القانون إذا تم سنّ القانون بصورته الحالية، فنحن بصدد حوالي 10 مليارات دولار في صورة دعم من دافعي الضرائب للصناعة النووية، وهو مبلغ ضخم للغاية».

وقد قام «مكتب ميزانية الكونغرس»، الذي يعتبر مكتب المحاسبة والاحصاء في الكونغرس، بتقدير تكلفة تطبيق قانون الطاقة، ليجد أنه يمكن ان يكلّف 35.9 مليار دولار خلال خمس سنوات في شكل دعم حكومي لتقليل الاعتماد على النفط العربي.

وتقوم المفاعلات النووية الأميركية، التي تستخدم شكلا من اليورانيوم المخصب كوقود، بتوليد 20 بالمائة من الكهرباء في الولايات المتحدة، كما تقدم أكبر نسبة من الكهرباء في سبع ولايات.

وقد حصلت الطاقة النووية على دعم قوي في مشروع القانون من قيادة الكونغرس، كما رحب الكونغرس تماما بخطط تطوير مولدات نووية تجارية. لكن البيت الأبيض يتزايد قلقه بشدة بخصوص ما يصرح له المسؤولون في ما يتعلق بالربط بين البترول والأمن القومي.

وفي خطاب له يوم 22 يونيو في مفاعل «كولفيرت كليفس» النووي في ميريلاند، قال الرئيس جورج بوش: «إن مشروع قانون الطاقة سوف يساعدنا أيضا على توسيع استخدامنا لمصدر من مصادر الطاقة يُعتبر محليا مائة بالمائة، وافر في كميته، وصديق للبيئة، وقادر على توليد كميات هائلة من الكهرباء، وهذا المصدر هو الطاقة النووية». وأضاف بوش: «لقد حان الوقت لهذا البلد كي يبدأ من جديد بناء مفاعلات نووية».

لكن المتخصصين في شؤون البيئة وجماعات المستهلكين والطاقة الآمنة يقولون إن مشروع القانون يتجاهل الأمان والأولويات البيئية.

ففي تصريح لـ«كارل بوب»، المدير الإداري لإحدى جماعات البيئة وهي «سيرا كلوب»، قال:

«إن أي شخص يظن أن الطاقة النووية هي مجرد حل لجميع المشاكل فهو بالفعل يلقي بالمسؤولية إلى الأجيال المقبلة».

وأضاف:

«لقد رسمت إدارة بوش وحلفاؤها في الكونغرس صورة وردية للطاقة النووية، لتبرير دفع مليارات الدولارات لهذه الصناعة في صورة دعم من أموال دافعي الضرائب».

ويقول المتخصصون في شؤون البيئة إن الطاقة النووية تسبب مخاطرة أمنية رئيسية كما أنها تولد نفايات إشعاعية لا يمكن تخزينها بأمان على المدى الطويل.

وتقول مجموعة «سيرا كلوب» إن النفايات الإشعاعية تتطلب أن يتم تأمينها وتخزينها لمدة 10 آلاف عام.

وفي الأسبوع الماضي رفضت حوالي 300 مجموعة من الجماعات البيئية المحلية والدولية وجماعات المستهلكين الزعم القائل بأن الطاقة النووية يمكن أن تحل مشاكل الاستهلاك المتزايد من البترول والكميات المتزايدة من ثاني أكسيد الكربون في الولايات المتحدة، بما أنها لن تتعامل مع كفاءة وقود المركبات.

وكثيرا ما يُنظر إلى الطاقة النووية باعتبارها غير اقتصادية وغير آمنة، وخصوصا بعد كارثة تشيرنوبل في الاتحاد السوفياتي السابق وحادثة «ثري مايل آيلاند» في بنسلفانيا عام 1979 .

وفي هذه الحادثة الأخيرة في بنسلفانيا ارتفعت فجأة درجة حرارة أحد المفاعلات مطلقا غازات إشعاعية مما أجبر آلاف السكان على الفرار إلى ملاجئ الطوارئ. وتُعد هذه الحادثة أسوأ الحوادث النووية في تاريخ الولايات المتحدة.

ونتيجة لهذا لم يتم بناء أية مفاعلات جديدة في الولايات المتحدة لمدة ثلاثين عاما.

لكن صناعة الطاقة النووية أزالت القلق حول الأمان قائلة إنه لا أساس لهذا القلق، محتجة بأن الطاقة النووية، كمصدر طاقة خال من الانبعاثات، تبقى مصدرا وأسلوبا فعالا لدولة في احتياج متزايد للبترول في ظل موقف دولي غير مستقر «وعدم الثقة في منطقة العالم العربي».

وفي تأييده لهذا الاتجاه صرح «ستيف كيريكس»، المتحدث باسم «معهد الطاقة النووية» (إن إي آي)، لـ«الشرق الاوسط» وهي مجموعة تجارية قوية متخصصة في المنشآت النووية ومقرها واشنطن، قائلا: «أعتقد أن ما تسمعونه عن الطاقة النووية هو في الحقيقة خليط من الأكاذيب والنفاق من هؤلاء الذين يريدون فقط أن ينتقدوا لكنهم لا يريدون أبدا أن يقدموا أي حل واقعي لاحتياجاتنا البيئية والكهربائية الملحّة».

ويؤكد «معهد الطاقة النووية» أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تفي بالمطالب المستقبلية من الطاقة، مع أكثر الإجراءات تفاؤلا في الحفاظ على الطاقة، ومع كل ما يمكن أن تقدمه الدولة من طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة الحرارية الأرضية والطاقة الكهرومائية. ويضيف المعهد ، إن الاستثمار في مفاعلات نووية جديدة أمر ضروري للوفاء بهذه المطالب «مع الحفاظ على بيئتنا»

المصدر : الشرق الاوسط 29-6-2005