إنتشار المصارف الإسلامية في العالم

 

 

أعلنَ مصرف لويدز (تي إس بي) في لندن بتاريخ 14-2-2005 عن تدشين حساب مصرفي إسلامي للوفاء بالإحتياجات المصرفية للجالية في بريطانيا، وقال المصرف:

( إن هذه هي الخطوة الأولى التي يتخذها لتوفير مجموعة مِن الخدمات المصرفية الإسلامية المتخصصة للمسلمين المقيمين هنا والذين لجأوا حتى الآن إلى فتح حسابات مصرفية تقليدية أو إستبعدوا تماماً الخدمات المصرفية التقليدية، ومِن المقرر أن يتماشى هذا الحساب الجاري الجديد تماماً مع الشريعة الإسلامية التي تحرم الربا ونظام الفوائد المصرفية.)

وأشارَ المصرف في بيان له إلى أن الإجراء الجديد:

(لن يقدم أي فائدة على الأموال التي يودعها العملاء، ولن يوفر في الوقت نفسه تسهيلات للحصول على المال مِن دون توفر رصيد. إلا أن هذا الحساب المصرفي الجديد سيتيح لصاحبه أن يحصل على بطاقة دين لإحتياجاته. وعلى العكس مِن بعض أنواع الحسابات المصرفية الأخرى فإن المصرف لن يفرض رسماً أو شرطاً يحدد الحد الأدنى للإيداع.

وفي الوقت نفسه فإن الأرصدة المالية التي سيتم إيداعها ضمن الحسابات الجارية الإسلامية، ستخضع للقوانين الإسلامية وسيتم توفير مثل هذا الحساب الجاري كتجربة رائدة في بعض الفروع في المملكة المتحدة التي تقيم في المناطق المحيطة بها أعداد كبيرة مِن الجالية الإسلامية مثل شارع أيدجور في وسط لندن وكذلك في مدينة برمنغهام في وسط إنكلترا ولوتون القريبة مِن لندن).

وأعلنَ غوردون رانكين: مدير الحسابات الجارية في المصرف أن:

(الجالية المسلمة في بريطانيا تعتبر مِن أكثر الجاليات التي يزيد عدد أفرادها في شكل سريع وهي في الوقت نفسه تعتبر جزءاً مِن نسيج المجتمع البريطاني).

وأوضحَ أنه:

(على رغم ذلك فإن الإحتياجات المصرفية للجالية المسلمة لَمْ تكن محل إهتمام هنا وكذلك فإن المسلمين البريطانيين كانوا يضطرون غالباً إلى إيداع حساباتهم في مصارف بطريقة تتعارض مع مبادئهم الإسلامية).

أما مدير الحسابات الجارية في المصرف الكبير إن:

(الأبحاث التي أجراها المصرف توضح أن ثلاثة أرباع المسلمين هنا يريدون خدمات مصرفية تتفق مع عقيدتهم وهذا ما يريد المصرف توفيره لهم).

وأكدَ أن الحساب الجاري:

(سيجعل مِن إتباع المصارف للمبادئ الإسلامية أمراً شائعاً وسيوفر للعملاء كل المزايا التي يمكن أن يتوقعونها مِن أكبر المصارف البريطانية أي (تي إس بي) ومِن بينها توفر ألفي فرع في مختلف مناطق بريطانيا، وكذلك المقدرة على إستخدام المواقع الإلكترونية الخاصة بالمصرف في المعاملات المختلفة أو اللجوء إلى الهاتف وغيرها مِن الخدمات المتخصصة).

وأعلنَ المصرفُ أنه أستشارَ عدداً مِن العلماء المسلمين لضمان أن يتماشى الحساب المصرفي الإسلامي مع الشريعة الإسلامية، وأضافَ إن:

المصرف يعتزمُ تدشين خدمات مالية أخرى تتماشى مع تعاليم الدين الإسلامي في وقت لاحق مِن العام الحالي، وكل ذلك طبقاً لما نشرته صحيفة الحياة في العدد (15295) 15/2/2005م.

وليس هذا فحسبْ بل بنك هولندي أيضاً بدأ أولى تعاملاته بالنظام الإسلامي حيث:

بدأ أول بنك هولندي تعاملات إسلامية لجذب أموال الجاليات الإسلامية في هولندا، ويقضي النظام بعدم ضم فوائد المدخرات إلى حسابات العملاء مِن المسلمين، بل تحويلها بصورة أتوماتيكية لإنفاقها في أوجه الخير والمساعدات الإنسانية.

وأكدَ المتحدث الرسمي (جابر يلس) باسم بنك (رابو بنك) في مدينة أوتريخت التي تعيش فيها جالية إسلامية كبيرة:

أن نظام الإدخار الإسلامي سيطبق في فرع المدينة بصورة مبدئية لتحديد نتائج التجربة، ثم تعميمها لاحقاً في حال نجاحها على فروع البنك الأخرى كافة.

وأكدَ المتحدثُ:

أن 40 بالمئة مِن المسلمين في هولندا يفضلون الإيداع في مثل هذه البنوك، وأن النظام الجديد سيستجيب لمطالبهم، وسيتم فتح هذه النوعية مِن الحسابات تحت اسم (حسابات أهداف الخير).

وقد أعلنت بقية البنوك الهولندية بما فيه (إيه بي إن إمرو) الهولندي عدم توجهها في الوقت الحالي بتنفيذ نظام الإدخار الإسلامي في بنوكها.

وذلك إستناداً لما جاءَ في صحيفة الوطن في العدد (1600) 15/2/2005م.

ما أوردته كان على سبيل المثال فقط تستوقفني فيه:-

1. أن الأبحاث التي أجراها مصرف لويدز (تي إس بي) توضح أن 75 بالمئة مِن المسلمين مِن الجالية الإسلامية أو مِن البريطانيين يريدون خدمات مصرفية تتفق مع عقيدتهم، وهذا ما يريد المصرفُ توفيره لهم.

2. أكدَ المتحدثُ الرسمي باسم بنك (رابو بنك) في هولندا أن 40 بالمئة مِن المسلمين في هولندا يُفضلون إيداعهم في مثل هذه البنوك، وأن النظام البنكي الجديد سيستجيب لمطالبهم و...

وعليه فالمسلمون هناك يتمسكون بمبادئهم التي ترفض الربا، ويريدون أن تتفق الخدمات المصرفية مع عقيدتهم.

فكيفْ ستكون نتائج الإحصاءات لو اُجريت في الدول الإسلامية؟

إذنْ:

لماذا هذا التباطؤ والتعثر في تأسيس أو تفعيل بنوك لا ربوبية تعمل وفقاً لآليات صائبة وفاعِلة تخدِمُ التقدمَ والتنميةَ الشاملة المستدامة التي محورها الإنسان؟

فالتجارب عندنا ورغم كثرتها في بعض الدول الإسلامية ما زالت متعثرة وبحاجة إلى تطهير جدي وجذري وعملي مِن الربا بمشاركة وتعاون متواصل بين الفقهاء والخبراء والتقنيين، فهذا مثلاً صالح كامل بعد 30 عاماً مِن مسيرته على هذا الطرق يتحدث عن مثل هذه البنوك في بعض بلداننا وذلك في حوار مع عكاظ - العدد (14051) 14/2/2005م قائلاً:

(لقد نجحت البنوك الإسلامية في أسلمة آليات عملها، ولكنها لَمْ تنجح بعد في تطبيق جوهر النظام الإقتصادي الإسلامي وهي فعلاً بنوك ! إسلامية، لكنها لَمْ تحقق مقاصدَ الشريعة مِن تحريم الربا).

هذا مِن ناحية، ومِن ناحية أخرى فثمة تسلسل في ولادة هذه المصارف أو الحسابات الإسلامية في بريطانيا وهولندا غيرها:

1. تمسك المسلمين أو قلْ أكثريتهم بمراعاة حرمة الربا إسلامياً في سلوكهم رغم أن ذلك يحرمهم مِن فوائد مادية على المدى القصير.

2. وإلى حد إستبعاد هؤلاء المسلمين تماماً الخدمات المصرفية التقليدية (الربوية).

3. فولدت حاجة (عند المصارف المعنية) دوافع وحوافز قوية لدى المصارف في بريطانيا وهولندا وغيرها لإجتذاب هذه الشريحة مِن الزبائن وبالتالي الفوز بودائعهم.

4. فذهبت هذه المصارف لتستشير عدداً مِن العلماء المسلمين لضمان أن يتماشى عملياً ما أطلقت عليه: الحساب المصرفي الإسلامي مع الشريعة الإسلامية، على حدِّ ما أعلنه لويدز في المقال المتقدم الأول.

5. وبعد ذلك بدأ الخبراء والتقنيّون والفنيون بدراسة الآليات والوسائل لمراعاة حرمة الربا في المعاملات المصرفية، فكانت ولادة هذه المصارف والحسابات البنكية تنفيذاً لحاجات المصارف نفسها، وإعتقاد المسلمين وترجمتهم السلوكية المؤثرة لذلك الإعتقاد.

إنه تسلسل جدير بالتأمل... لأنها تشير إلى أدوات ووسائل عقلانية ومرحلية وطبيعية قد تصلح منطلقاً لقاعدة للإنتقال بقواعد ومبادئ ديننا مِن النظرية إلى الممارسة والتطبيق، قاعدة تتلخص في:

إعتقاد - سلوك - مقاطعة - ضغط - حاجة - دراسة - تطبيق - تقييم - مراجعة - تصحيح التطبيق وتطويره.