استمرار البحث عن إستراتيجية عسكرية أمريكية جديدة

 

 

أمام موجة الانتقادات المتصاعدة التي تواجهها إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش داخليا فيما يتعلق بإخفاقها في إدارة المشروع العراقي الذي يغيب عنه الاستقرار السياسي والأمني بعد ما يقرب من ثلاث سنوات على بدء العمليات العسكرية، إضافة لاستمرار الخسائر البشرية الأمريكية بصورة يومية. كذلك تتعرض الإدارة الأمريكية للنقد فيما يتعلق بأسلوب إداراتها للحرب علي الإرهاب الدولي والتي انعكست سلبيا علي علاقاتها مع دول العالم الرئيسية، تجري العديد من المؤسسات البحثية والأكاديمية مراجعة منتظمة إلى أسباب هذه السلبيات التي تكاد تقترب عند البعض من كونها إخفاقات كبيرة في إستراتيجية الولايات المتحدة.

تمتعت الولايات المتحدة بفترة من السيادة العسكرية الدولية شبه المطلقة منذ انهيار الإتحاد السوفيتي، إلا أن هجمات 11 سبتمبر وخبرة إدارة المعارك العسكرية غير المتوقعة في العراق جعلت من إعادة النظر في أساسيات الإستراتيجية العسكرية الأمريكية شيئا ضروريا لا يمكن تجنبه. من هنا كانت مصادقة الرئيس الأمريكي جورج بوش على وثيقة "مراجعة الموقف  العالمي لوزارة الدفاع"، وذلك نتيجة تغير بيئة عمل القوات المسلحة الأمريكية في بداية القرن الحادي والعشرين. وعملية المراجعة تلك هي عملية مستمرة تساهم فيها بدرجات مختلفة وطبقا لطبيعة كل جزء فيها وزارة الخارجية، الكونغرس وأجهزة المخابرات والوكالات الأمريكية الأخرى، وكذلك بعض الدول التي توجد على أراضيها قوات أمريكية.

وتتمحور كل خلاصات الدراسات الإستراتيجية الحديثة في عالم ما بعد 11 سبتمبر على أهداف إستراتيجية جديدة، وبدلا من التركيز التاريخي على ما سمي بالسلام الأمريكي Pax Americana، وهو السلام الذي يتوفر بتفوق عسكري أمريكي لا يضاهيه أي قوة عسكرية أخري. حدث تغير في التوجه الإستراتيجي الأساسي، وأصبح التخطيط الاستراتيجي يركز على التحول العسكري الأمريكيMilitary Transformation   بما يسمح بالحفاظ على هامش مقبول من التفوق العسكري إضافة إلى دعم علاقات التحالف الإستراتيجية مع أعداد متزايدة من الدول. 

 أسباب المراجعة الإستراتيجية الولايات المتحدة العسكرية

منذ تأسيس وزارة الدفاع الأمريكية عام 1947، كان كل التفكير الإستراتيجي الأمريكي يتعلق بكيفية الاستعداد لحرب ضد قوى كبرى، لكن أحداث 11 سبتمبر قلبت كل التوقعات بشأن حروب المستقبل، ومن هنا ساهمت منظمة القاعدة في تأكيد قناعة أن الولايات المتحدة لن تتورط في حروب تقليدية ضد دول في المستقبل المنظور. تاريخيا تأسس وتدرب الجيش الأمريكي لكي يقاتل جيوشا أخري منافسه له. وهناك ثلاثة أسباب عجلت بضرورة مراجعة الإستراتيجية الأمريكية

 أولا: ظهور تهديدات جديدة لا يمكن توقعها وتقلص التهديدات التقليدية

تغيرت التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة، وأصبحت تهديدات اليوم من النوع الذي لا يمكن توقعه كما كان في عهد الحرب الباردة التي مثلت حجر الأساس للعقيدة الإستراتيجية الأمريكية لما يقرب من 60 عاما.

وصاحب تغير التهديدات تغير بيئة العلاقات الدولية حيث صارت وحدات أخري غير الدول تمثل تهديدا للأمن العالمي والأمن الأمريكي في نفس الوقت. تنظيم مثل القاعدة ساهم بدرجة كبيرة في هذا التغير بعدما قام بهجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، إضافة لتبنيه القيام بهجمات عديدة في دول أوروبية وأسيوية وأفريقية.

ويمثل عدم توقع مصادر التهديدات وإمكانية تبلورها في هجوم ينظمه عدد قليل من الأشخاص تطلب إعادة النظر في العقيدة العسكرية الأمريكية لتحدد كيف لها أن تتعامل مع أخطار لا يمكن التنبؤ بها.

وبالإضافة إلى الأخطار التي يمكن التنبؤ بها، هناك مخاطر يتوقعها الخبراء الإستراتيجيين الأمريكيين والتي تتمثل في تهديدات تصدر من الصين أو كوريا الشمالية، أو حدوث حرب جديدة بين العدوين النوويين الهند وباكستان، أو التوترات المتكررة في منطقة الخليج العربـي أو منطقة البلقان.

هذا بالإضافة إلى تطور عدد من المخاطر تتمثل في:

• تحديات أوروبية وصينية وهندية لمواجهه هيمنة الولايات المتحدة على الفضاء.

• تزايد التورط في حروب المدن، ومعارك في مناطق سكانية آهلة في حروب المستقبل.

• تطور حرب المعلومات لكسب مزايا إستراتيجية عن طريق استعمالها في معارك القتال أو استعمالها لجمع أسرار اقتصادية مهمة.

 ثانيا: عامل التكنولوجيا

سمحت التطورات التكنولوجية للولايات المتحدة بالقيام بمهام تجسس وتنصت على أعدائها من داخل الولايات المتحدة، أو من الفضاء المتاح خارج حدود الدول. كذلك سمحت التكنولوجيا بسهولة وسرعة نقل القوات الأمريكية إلى أي مكان في العالم. وبإمكان طائرات مقاتلة أمريكية تنطلق من حاملات الطائرات المنتشرة حول العالم أن تدمر أهداف كبيرة في أي بقعة على الأرض، لكن في الوقت نفسه لم تكن التطورات التكنولوجية حكرا على الولايات المتحدة فالدول جميعها تتسابق لتحصل على أحدث التكنولوجيات العسكرية، وتقوم هذه الدول بتطوير ترساناتها العسكرية في الوقت نفسه، وكذلك تسعى الجماعات الإرهابية المختلفة للحصول علة تكنولوجيات وأسلحة متطورة خاصة مع توفر بعضها (أسلحة كيميائية بتكلفة قليلة).

وتطورت العقيدة العسكرية الأمريكية الآن لتركز ليس على عدد القوات، وأعداد الدبابات والطائرات، بل بالإمكانيات والمقدرة المتاحة لهذه القوات. ويصاحب التطورات التكنولوجية عادة تخفيض في عدد القوات العاملة، وكانت الولايات المتحدة تسير على هذه الخطى حتى حدوث هجمات 11 سبتمبر. وتتكون القوات الأمريكية من عدد كبير من الجنود، ومع انخفاض العدد الإجمالي للقوات مقارنة بما كان عليه وقت الحرب الباردة بما يقرب من الثلث، فقد بلغ عدد القوات العاملة عام 2005 1.4 مليون جندي، بالإضافة إلى مليون جندي احتياط. وهذا الرقم أكثر قليلا من نصف عدد القوات الصينية. وقبل هجمات 11 سبتمبر كان هناك اتجاه للاستمرار في تخفيض عدد القوات،  أما الآن وبعد خبرة الحرب في العراق وأفغانستان وما صاحبهما من انخفاض مستمر في أعداد الراغبين في الانضمام للمؤسسة العسكرية الأمريكية، أضطر قادة البنتاغون لتغير هذه الاتجاه. وبدلا من مبدأ "قوات خفيفة سهلة التحرك" كما كان يأمل وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، تبذل المؤسسة العسكرية جهودا ضخمة لجذب المزيد من الشباب الأمريكي للخدمة العسكرية خاصة مع الانخفاض المستمر في أعداد المتقدمين الجدد نتيجة لرؤية صور المعارك في العراق وأفغانستان غير المشجعة.

ويرتبط بجزئية التكنولوجيا سؤال يتعلق باحتياجات الجيش الأمريكي في المستقبل؟ وكم سيكلف ذلك؟ في الوقت الذي لا يتوقع أحد فيه اختفاء التهديدات الإرهابية ضد الولايات المتحدة ومصالحها في مختلف أرجاء العالم، وفي الوقت الذي ترتفع فيه ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية للتجاوز 400$ مليار سنويا، ويتجاوز فيه عجز الميزانية الأمريكية ما يقرب من الرقم نفسه.

 ثالثا: ضرورة مراجعة انتشار القوات الأمريكية حول العالم

تهدف عملية إعادة تقييم الإستراتيجية العسكرية الأمريكية إلى ما يحقق معه توزيع أفضل للقدرات العسكرية الأمريكية للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية 1945، وتتضمن مبادئ هذه الإستراتيجية الجديدة ما يعكس تغير وجهه الاهتمامات الإستراتيجية الأمريكية في القرن الجديد، بالإضافة إلى تغير في سلوكيات الولايات المتحدة العسكرية تجاه حلفائها وأعدائها. وتمركزت إستراتيجية توزيع القوات الأمريكية حول العالم على افتراض مواجهة وردع عدو شيوعي ذو سلاح نووي وله حلفاء حول العالم. ومع اختفاء الخطر الشيوعي منذ ما يقرب من 15 عاما لم يتغير توزيع القوات الأمريكية حول العالم بدرجة كبيرة.

وللولايات المتحدة قوات عسكرية في 135 دولة في مختلف قارات العالم، وتنتشر القوات الأمريكية في كل العالم، وبجانب العراق يوجد 400 ألف جندي أمريكي خارج حدود أمريكا. في اليابان وكوريا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وغيرها.

ويتفق خبراء الإستراتيجية العسكرية على عدم وجود حاجة لوجود قوات أمريكية في كل أركان العالم، ويمكن استبدال ذلك بتوفير قدرات نقل سريعة للقوات في أوقات الأزمات المفاجئة. بناءا على العاملين السابقين (تهديدات جديدة والتكنولوجيا) ظهرت ضرورة للعامل الثالث المتمثل في ضرورة إعادة توزيع القوات الأمريكية حول العالم، ولم يعد من الضروري مثلا الاحتفاظ بما يقرب من 70 ألف جندي في ألمانيا.

تاريخيا لم تشارك الولايات المتحدة بمفردها في أي من النزاعات العسكرية الكبيرة منذ بدايات القرن العشرين وحتى الآن، فالحرب العالمية الأولي والثانية، والحرب الكورية والحرب الباردة، وحروب الخليج وصولا للحرب على الإرهاب، ولعب حلفاء الولايات المتحدة أدوارا مهمة في هذه الحروب. حديثا وبعد 11 سبتمبر قامت الولايات المتحدة بعقد تحالفات تكتيكية عسكرية واستخباراتية مع دول لم يكن يتخيل صانع القرار الأمريكي عقد تحالف معها قبل 11 سبتمبر. دول شيوعية سابقة ودول تحكمها نظم ديكتاتورية تخالف مبادئها كل ما تقوم وتنادي به الولايات المتحدة. ويخدم حلفاء الولايات المتحدة أهدافها الإستراتيجية بصور مختلفة تتمثل في

• الاستعانة بقوات مسلحة من هذه الدول عند الحاجة.

• توفير شرعية دولية للولايات المتحدة عند الحاجة لها.

• الحصول على تسهيلات عسكرية في أقاليم الدول الحلفاء.

• مشاركة المعلومات الاستخباراتية المفيدة للطرفين.

• المشاركة في التكلفة المالية للنزاعات العسكرية.

• منع قيام تحالف بين هذه الدول ومنافسين للولايات المتحدة في المستقبل (الصين- الهند).

 أسئلة باقية

لم تتمحور بعد إجابات واضحة عن سيناريوهات المستقبل العسكرية، فإذا ما ذهبت الولايات المتحدة لحرب أخرى في المستقبل، أو تورطت في نزاعين عسكريين في نفس الوقت،  أو ظهر تحدي عسكري ناتج عن سلوك الصين تجاه ترسانتها العسكرية وتغير ميولها للتوسع الاستراتيجي الخارجي بعد تحقيق نمو اقتصادي كبير يتبعه غزو لتايوان، أو تصرف غير محسوب من قيادة كوريا الشمالية... هذا في وقت يستمر فيه ارتفاع ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية فقد طلبت  إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش مبلغ 419.3$ مليار دولار لعام 2006، وهذا الرقم يزيد بنسبة 5% عما طلب لميزانية 2005. ولا تتضمن هذه الأرقام تكلفة العمليات العسكرية في العراق وأفغانستان حيث تطلب الإدارة لهذه العمليات مخصصات مالية أخري إضافية.

وتمثل ميزانية وزارة الدفاع لهذا العام زيادة مقدارها 41% عن ميزانية وزارة الدفاع لعام 2001، وتعكس هذه الزيادة الكبيرة ازدياد الإدراك الكبير للمخاطر الأمنية غير المتوقعة في عالم ما بعد 11 سبتمبر.

 وكل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: تقرير واشنطن