قنبلة جديدة :      

                  فرانسيس فوكوياما يعيد صياغة التاريخ ... ويركز على خطر المسلمين في أوروبا    

 

 

 

 

 

يعد المفكر السياسي فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama  من أقدر الكتاب على طرح أفكارهم الجريئة التي تشبه في عفويتها صخب الأطفال، بيد أنها أفكار كبيرة تنوء العقول الصغيرة عن حملها وإدراكها.

 ذاع صيت فرانسيس فوكوياما – على مدار الثلاث سنوات الماضية – كأحد أشد وأعنف النقاد وأكثرهم بصيرة بإدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش خاصة بعد انفصاله عن زملائه الذين ينتمون للتيار الليبرالي واعتراضه على الحرب في العراق.

كتبت صحيفة واشنطن بوستWashington Post مؤخرا تحليلا عن محاضرة مثيرة ألقاها أمام المنظمة القومية للديمقراطية National Endowment for Democracy  في السفارة الكندية، حيث استمع اليه الحاضرون وكأن على رؤوسهم الطير، وهذه هي ثاني محاضرة يلقيها هذا العام تقديرا لجهود أستاذ السياسة والاجتماع سيمور مارتن ليبست Seymour Martin Lipset  واعترافا بفضله في مجال نشر ثقافة الديمقراطية.

وربما قال البعض عن فرانسيس فوكوياما أنه يمثل غصة في حلق زملائه من المحافظين الجدد الذين دفعوا بالولايات المتحدة الأمريكية الى حرب خاسرة فقدت كل مقومات التأييد القومي.

 

 الخطر المتزايد... مسلمو أوروبا

غير أن فوكوياما – صاحب كتاب "نهاية التاريخ والانسان الأخير" "The End of History and the Last Man"  الأعلى مبيعا عام 1992 – لا ينتمي لزمرة رجال السياسة بل هو باحث ومفكر أكاديمي بارع تشغله الآن قضية جديدة هى: مشكلة الإرهاب الإسلامي في المجتمع الغربي، ولقد تحدث عن هذه القضية قرابة الساعة دون أن ينحاز الى أية أراء أو أن يقدم اقتراحا يصلح لأن يكون عنوانا جيدا لكتاب جديد ، وان كانت لا تخلو محاضرته من بعض العبارات الجريئة التي تسبر غور مشكلة الإرهاب المتأسلم او الذي يدعي الإسلام من وجهة نظره، فهو يقول أن هذه المشكلة ليست قائمة في الشرق الأوسط ولكنها قابعة" هنا في أوروبا، في قلب العالم الغربي الموسوم بالحرية والديمقراطية، وهو نفس المجتمع الغربي الذي جعل هؤلاء الشباب يناصبونه العداء واستدل فوكوياما على ذلك بهجمات لندن الصيف الماضي وأحداث هولندا السنة الماضية والتي قام فيها شاب مسلم – هولندي المولد- بقتل أحد المخرجين الهولنديين بصورة وحشية.

ويتسائل فوكوياما قائلا" اذا اعتبرنا أن المجتمع الغربي أسس على قيم سامية مثل التسامح والانفتاح والديمقراطية، فكيف يتجاوب مع أناس يعيشون داخله ولكنهم يفتقدون هذه القيم؟ وهذه المشكلة  في حد ذاتها تقلق فوكوياما الى حد كبير حيث حاول فوكوياما جاهدا أن يثبت في كتابه الشهير "نهاية التاريخ"، أن العالم بأسره قد أتفق بالاجماع على قيم أساسية فيما يختص بالحرية والديمقراطية فهو عصر انتصار الغرب وتربع الليبرالية والسوق على عرش العالم، ونهاية الصراع التاريخي الطويل لصالح القيم الغربية وخلاصة فكرته أنه بعد انهيار الأيدلوجية المنافسة للغرب وانهيار الاتحاد السوفيتي – الذي بدا أنه لا يقهر – وكذلك زوال الحكومات الفاشية في البرتغال وأسبانيا واليونان وجميع دول أمريكا اللاتينية، لم يعد أمام العالم سوى أن يأخذ بأيدلوجية الغرب التي غدت قائمة وحدها في الميدان، أو على الأقل هذا هو ظاهر الأمر، بيد أن الآن هناك شيئا يتحرك في أحشاء الديمقراطية الليبرالية يهدد بزعزعة كل شئ ، فهو لا يروع ركاب قطارات مترو الانفاق في لندن فحسب، ولكنه يشكل خطرا محدقا على أطروحة فوكوياما التي ربما تكون مسرفة في التفاؤل.

وأتخذ فوكوياما أفكار الباحث الأكاديمي أوليفرروي Oliver Roy  كقاعدة انطلاق بنى عليها اطروحته التي يبرهن فيها على أن الكثير من المسلمين المقيمين في أوروبا، وخاصة الجيل الثاني منهم ، غير قادرين على الاحساس بهويتهم، فالمجتمعات الأوروبية تختلف عن المجتمع الأمريكي الذي تنصهر فيه جميع الأجناس والأعراق في بوتقة واحدة، فالمجتمعات الأوروبية تلفظ الغرباء وتأبى أن تحتضنهم في كنف العباءة القومية وبالتالي يشعر الشباب المسلم بعدم وجود هوية محددة لهم وهو أمر نادر الحدوث اذا ما عاش هؤلاء الشباب وسط مجتمع إسلامي ، وبسبب هذا الضياع والتخبط يلجأ هؤلاء الفتية الى الارتماء في أحضان شخص مثل أسامة بن لادن الذي يدعوهم للمشاركة في عالم اسلامي فسيح ورحب ذو طبيعة عسكرية جهادية ، ومن هنا يبدأ الخطر.

 

بين أسامة بن لادن ومارتن لوثر

عقد فوكوياما مقارنة بين أسامة بن لادن ومارتن لوثر – مؤسس المذهب البروتستانتي – وهو الأمر الذي قد يهيج مشاعر الجميع عدا الملحدين اذا ما نظرنا اليه خارج السياق، ونظرا لحتمية وجود سياق في جميع الأحوال فان الرسالة التي يريد فوكوياما أن يوصلها للأذهان أن أسامة بن لادن – في نظر بعض المسلمين الساخطين – هو أحد المصلحين الراديكاليين وصاحب رؤية جديرة بالاحترام، يقف شامخا خارج حيز التاريخ متصديا للقوى الأجنبية الغاشمة التي تحاول أن تقلل من شأن المسلمين.

ولقد أعانه المجتمع الأوروبي وتبنى قضيته وذلك لكونها تبقى المسلمين تحت السيطرة مع اعطائهم حرية فاسدة ومهملة تجعلهم يصطلون بنار العزلة حتى يندفع البعض منهم ويكسر الحواجز التي تفصل بين الخلق المتحضر والسلوك البربري والهمجي.

وجاءت أعمال العنف الذي اندلع في عدة مدن فرنسية على أيدي أولاد المهاجرين المسلمين والأفارقة الذين لم يندمجوا بعد في المجتمع الفرنسي بسبب تبني فرنسا لفكرة "كلنا فرنسيون"  بدون توفير فرص عمل أو القيام بعمليات دمج حقيقية في المجتمع لتثبت صحة مقولات فوكوياما، ومن أجل ذلك يريد فوكوياما أن يعلم الأوروبين درسا صغيرا ألا وهو: تخلصوا أيها الأوروبيون من التعددية الثقافية، كما أنه لابد أن يعم التسامح الأفراد وليس المجموعات، الذي سوف يؤدي حتما الى زيادة التقدير والاحترام للأفراد ومنحهم صلاحيات أكبر وان كان ذلك على حساب الترابط الديمقراطي، وفي نفس الوقت تستطيع أوروبا أن تسعى بشكل أفضل لدمج المجتمع الأوروبي، فشباب المسلمين يحتاجون الى وظائف هناك ويحتاجون أن تتساوى حقوقهم يوما ما بحقوق أهل البلد سواء في هولندا أو انجلترا.

وقد يشعر المسلمون عند سماع هذا الكلام بأنهم مثل البدائيين البسطاء الذين يحتاجون الى عون وبركة المستعمرين المتحضرين لينيروا لهم الطريق، وقد بدأ واضحا في خطاب فوكوياما وتلميحاته مثل المقارنة بين أسامة بن لادن ومارتن لوثر أنه ينظر الى المسلمين والمجتمع الاسلامي على أنهم أمة متأخرة منذ الأزل، تخلفت عن اللحاق بالديمقراطية الليبرالية، وباعتبار أن الديمقراطية الليبرالية لها مقدرة فعالة على تحريك مشاعر الازدراء النابعة من الوطن تجاه الديمقراطية المزعومة والتطرف الديني والرغبات الملحة للسلطة المستبدة، فان أسامة بن لادن لا يعد بالمرة نسخة منقحة من أحد قدامي المصلحين الدينيين المسيحين – مثل مارتن لوثر – ولكنه ربما يكون رجلا سابقا لعصره.

والشيء الذي يدعو للاستغراب أنه عندما كتب فوكوياما كتابه "نهاية التاريخ والانسان الأخير"، لم يبد الناس اهتماما كبيرا بالشطر الثاني من عنوان الكتاب وأطروحته ألا وهو "الانسان الأخير"، وفي هذا الشق من موضوع الكتاب يتسائل فوكوياما عن حال الانسان وصراعه من أجل المجد في ظل عالم تسوده البهجة والسلام والديمقراطية، ورغم تفاؤل فوكوياما الشديد وايمانه بهيمنة الديمقراطية الا أنه ابدى قلقا بشأن وجود بعض فئات المجتمع مثل الذي ذكرها نيوت جنجرش Newt Gingerich ، التي تميل طبيعتها البشرية الى العدوان، مثل هؤلاء الأشخاص لا يطيقون العيش في المدينة الفاضلة بما فيها من نعيم، ولذة هي بالنسبة لهم منتهى الرتابة.

فحاجة الانسان الى اثبات ذاته وتوطيد دعائمه وتقوية شكيمته قد تدفع عجلة التاريخ من جديد، حيث أن القلة والمتعجرفين والمتململين قد يكونون يوما ما من ألد أعداء الديمقراطية.

ولا يخفي على أحد أن فوكوياما – المتيم بالديمقراطية، يبدي إعجابه بهؤلاء الثوار، إن جاز تسميتهم كذلك على سبيل الافتراض، ولكنه أيضا لا يرى أن المسلمين الذين يشهرون السلاح في وجه المجتمع الغربي يستحقون أن ينتموا الى سلالة منحطة وخطيرة بل ومعقدة من أصحاب الفكر الأخر، بل أن الإرهابيين المسلمين في نظره – هم نتاج العصور الغابرة وهم يشكلون خطرا على الحضارة الحديثة كما أنهم سبب الخلل الذي يشوش على نظريات وفكر فوكوياما ومحاولته لفهم هذا العالم.

وقد ولد فوكوياما سنة 1952 بمدينة شيكاغو بولاية إلينوي. وحصل علي شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفارد و عمل سابقا بمؤسسة Rand راند البحثية، كذلك عمل كمخطط بوزارة الخارجية لمدة ثلاث سنوات. و هو يدرس العلاقات الدولية بجامعة جون هوبكنز بواشنطن، من أهم كتبة التي أثارت اهتماما عالميا غير مسبوق "نهاية التاريخ" الذي صدر عام 1993. وكل ذلك بحسب المصدر المذكور .

 

المصدر: تقرير واشنطن- العدد 35