الأغلبية العالمية الخضراء

 

بيتر فورد

 

 

كشفت دراسة للرأي العام العالمي حول مخاطر التغير المناخي ومدى رغبة الشعوب في تبني سياسات الطاقة الخضراء بما يحد من هذا الخطر أن أغلبية شعبية واسعة في كافة الدول الحادية والعشرين التي شملتها استطلاعات الرأي، ليست راضية عن بطء أداء وتحرك حكومات دولها نحو اتخاذ تدابير وإجراءات أشد حزماً في سبيل الحد من خطر التغير المناخي ودرئه. كما أظهرت نتائج الدراسة المعنية التي أعلنت نتائجها مؤخراً أن غالبية شعوب العالم تتطلع لأن يبذل قادتها السياسيون المزيد من الجهد في هذا الاتجاه حتى وإن استدعى الأمر زيادة أسعار خدمات المياه والكهرباء.

والواضح أن هذه النتائج تبعث برسالة مباشرة إلى القادة والمسؤولين الدوليين الذين يتوقع لهم أن يلتقوا في "قمة بوزانا" في بولندا، التي انطلقت فعالياتها في الأول من أمس مع العلم أن هذه القمة يفترض فيها أن تضع الأطر القانونية اللازمة لوضع الأسس القانونية اللازمة للتوصل إلى معاهدة 2009 دولية ترامي للحد من معدلات انبعاث الغازاتالمسببة للاحتباس الحراري . ومن رأي ستيفن كول، رئيس برنامج استطلاعات الرأي العالمي بجامعة ميريلاند- وهي الجهة المنظمة لدراسة استطلاع الرأي هذه، أن الحكومات تركت الكثير من المهام والواجبات دون القيام بها، فيما يتصل بمدى استعداد المواطنين للمشاركة الفعلية بل وتصديهم المباشر لإنجاز هذه المهام ومضي "كول" إلى القول: فقد دهشت لمثابرة وعزم هذا الدعم الشعبي لتكنولوجيا الطاقة البديلة الخضراء، خاصة للاعتماد بدرجة أكبر على طاقتي الشمس والرياح في توليد الكهرباء. ولكم أن تتخيلوا مدى جدية أعداد كبيرة من مواطني العالم في التفكير في بدائل الطاقة هذه باعتبارها استثماراً وانتقالاً إلى عصر جديد من عصور إنتاج الطاقة. فمن بوينس إيرس إلى نيروبي إلى بكين، لم تر سوى نسبة لا تزيد على 40 في المائة فحسب من المستجيبين لهذا الاستطلاع الدولي، أن العالم لا يزال بحاجة إلى المزيد من النفط والفحم الحجري ومحطات توليد الطاقة النووية. وفي المقابل طالبت نسبة 77 في المئة ممن شملهم الاستطلاع حكومات بلادها ببذل جهود أكبر على تطبيق نظم الطاقة الشمسية وطاقة الرياح, بينما أكدت نسبة 69 في المائة أنه على الحكومات أن تلزم شركات إنتاج وإمداد الطاقة بالاعتماد بقدر أكبر على موارد الطاقة البديلة المتجددة حتى وإن استدعى ذلك زيادة أسعار الكهرباء التي تمد بها المستهلكين على المدى القريب. إلى ذلك أكدت نسبة 58 في المائة من المستطلعة آراؤهم استعدادها لسداد فواتير كهرباء أعلى من المعدلات والأسعار الحالية، بل شراء كافة السلع بأسعار أعلى من أسعارها الحالية على المدى القريب، فيما لو ستستغل عائدات هذه الزيادات في حفزالاستثمارات على الاستهلاك الرشيد والمدخر للطاقة. أما على المدى البعيد, فيرى ثلثا الذين شملهم الاستطلاع في 21 دولة من شتى أنحاء العالم، أن التحول الرئيسي المستقبلي من موارد الطاقة الأحفورية التي يعول عليها العالم حالياً في الحصول على ما يحتاجه من الطاقة، إلى موارد الطاقة البديلة المتجددة، من شأنه أن يوفر المزيد من الأموال للدول بدلاً من أن يسبب الأذى لاقتصاداتها وخلف هذه الأرقام والإحصاءات كما يقول الدكتور "كول"، تكمن مخاوف شعوب العالم من خطر التغير المناخي، إضافة إلى المخاوف من مدى الاعتماد الطويل الأمد على تدفق الموارد النفطية وأسعارها. وهذه المخاوف هي التي دفعت الشعوب إلى الميل لحث قادتها وحكوماتها على تبني موارد الطاقة البديلة المتجددة. إلى ذلك يضيف "أنتوني فروجات" -اختصاصي أبحاث الطاقة بمؤسسة شاتهام للبحوث في لندن- بقوله: فهواجس أمن الطاقة والتغير المناخي، تسيطر بشدة على أنحاء كثيرة من العالم اليوم. وفي وسع كفاءة استهلاك الطاقة والاتجاه نحو خيار الطاقة البديلة المتجددة، التصدي لكلا الهاجسين في وقت واحد.

غير أن الإحصاءات نفسها تشير كذلك إلى تزايد قناعة الجمهور بأن في التخلي عن موارد الطاقة الأحفورية وتبني الموارد البديلة ما يعود بالنفع الاقتصادي المباشر والعملي إليها. ومن رأي كايث شنيدر-المتحدث الرسمي باسم اتحاد أبولو للاستثمارات والنقابات والبيئيين الأميركيين- إن فوز أوباما بالانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة يعد مؤشراً قوياً على طغيان هذا الاتجاه على مزاج الجمهور العام. يذكر أن خطة أوباما الرامية إلى استثمار 150 مليار دولار في تكنولوجيا الطاقة النظيفة خلال السنوات العشر المقبلة، تهدف إلى إنشاء 5 ملايين وظيفة جديدة في قطاع الطاقة. ذلك هو ما أكده مرة أخرى الرئيس المنتخب أوباما ومضى شنيدر إلى القول: فربما بدا شعار الجمهوريين إبان الحملة الانتخابية الأخيرة: إحفروا هنا.. واحفروا هناك بحثاً عن النفط" شعاراً براقاً وآسراً للبعض، ومع ذلك فقد كان الفوز من صالح المرشح "الديمقراطي" أوباما. فما السبب؟ يبادر شنيدر نفسه بالإجابة عن السؤال بقوله: لأن أوباما جعل من تكنولوجيا الطاقة النظيفة المتجددة، عنصراً رئيسياً من عناصر رؤيته المستقبلية الثلاثة. وفي خطاب وجهه أوباما بالفيديو إلى عدد من حكام الولايات يوم الثلاثاء الماضي، أكد عدم رغبته في التراجع عما أعلن عنه من أهداف وعزم على إجراء خفض ملحوظ في انبعاثات غازات بيت الزجاج الملوثة للبيئة والمسببة للتغير المناخي وعلى حد تعبير الرئيس المنتخب في تلك المخاطبة: "فالآن هو الوقت الملائم لمواجهة هذا التحدي مرة واحدة وإلى الأبد، وليس التأجيل خياراً، كما لم يعد الإنكار والتقاعس استجابة مقبولة البتة".

*كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر :alittihad.ae