هل دماغك هو الذي يكذب عليك  ؟

 

 

 سام وانغ و ساندرا امودت - ترجمة الصباح

 

دماغك يكذب عليك !

المعتقدات الخاطئة موجودة في كل مكان. ثمانية عشر بالمئة من الاميركيين يعتقدون ان الشمس تدور حول الارض بحسب احد استطلاعات الرأي وهكذا فان ما اظهره استطلاع اخر يبدو اقل فظاعة حيث وجد ان 10 بالمئة من الاميركيين يعتقدون ان السيناتور باراك اوباما المسيحي الديانة هو مسلم وانشأت الحملة الانتخابية لاوباما موقعا الكترونيا لتبديد المعلومات الخاطئة، لكن هذا المجهود قد يكون اكثر صعوبة مما يبدو عليه والسبب في ذلك يعود الى الطريقة الملتوية التي تخزن فيها ادمغتنا المعلومات وتضللنا طوال الوقت.

لا يقوم الدماغ بجمع وتخزين المعلومات بكل بساطة كما يقوم الهارد درايف الخاص بالكمبيوتر. تخزن الحقائق في البداية في الهيبوكامبوس وهي بنية عميقة في الدماغ بقدر حجم اصبع الخنصر، لكن المعلومات لا تبقى هناك. ففي كل مرة نستدعي بها هذه المعلومات، يقوم دماغنا بكتابتها مرة اخرى وخلال فترة اعادة الخزن هذه تتم اعادة معالجتها ايضا. في هذه الاثناء يتم تحويل الحقائق الى اللحاء المخي ويتم فصلها عن المحتوى التي تم تعلمها فيه في الاصل.

فعلى سبيل المثال ربما تعرف ان عاصمة ولاية كاليفورنيا هي سيكريمنتو، لكنك ربما لا تتذكر كيف تعلمت ذلك.هذه الظاهرة التي تعرف فقدان الذاكرة الخاصة بالمصدر، يمكن ايضا ان تؤدي بالناس اذا ما كان تصريح ما صحيحا ام لا. وحتى عندما تقدم لنا كذبة مع تنصل عنها، فان الناس غالبا ما يتذكرونها فيما بعد على انها حقيقة.ويصير انعدام القدرة على التذكر مع القوت اسوء حيث ان التصريح الكاذب من مصدر غير جدير بالمصداقية والتي لم يتم تصديقها في البداية يمكن ان تنال مصداقية خلال الاشهر التي تستغرقها عملية اعادة معالجة الذكريات من مخزن الهيبوكومباس القصير المدى الى الخزن اللحائي الطويل المدى وعند نسيان المصدر، فان الرسالة وايحاءتها تنالان قوة.وحتى لو كانوا لا يفهمون شيئا في علم الاعصاب الذي يقف وراء حالة فقدان الذاكرة الخاص بالمصدر، فان المختصين بستراتيجيات الحملات الانتخابية يمكنهم استغلالها لنشر المعلومات المضللة. فهولاء يعلمون انه اذا كانت رسالتهم بارزة في بداية الامر، فان الانطباع الذي ستخلفه سيبقى لفترة اطول بعد كشف زيفها. وفي حالة تكرار الزيف فان شخصا ما يمكن ان يدعمها بسطر افتتاحي مثل" اعتقد انني قرأت في مكان ما" او ربما ارجاعها الى مصدر معين.

في احدى الدراسات تم تعريض مجموعة من طلبة ستانفورد بصورة متكررة الى ادعاء غير واقعي اخذ من موقع الكتروني يقول بان الكوكا كولا هي مخفف طلاء فعال. فكان الطلبة الذين قرأوا هذا التعليق خمس مرات اكثر احتمالية بحوالي الثلث من اولئك الذين قرأوه مرتين فقط، في ان يعزوه الى تقارير خاصة بالمستهلكين (وليس الى صحيفة نيشونال انكوايرر، التي كانت هي خيارهم الثاني) مضفين عليها بذلك بريقا من المصداقية.يضاف الى هذا الميل الفطري لقولبة المعلومات التي نعيد استدعاءها، ان ادمغتنا تقوم بملاءمة الحقائق في أطر دماغية معدة سلفا. فنحن نميل الى تذكر الانباء التي توافق وجهة نظرنا حول العالم ونتخلى عن التصريحات التي تناقضها.

في دراسة اخرى لستانفورد تم تقديم قطعتين من الادلة لثمانية واربعين طالبا نصفهم قالوا بانهم يفضلون عقوبة الموت ونصفهم يعارضها، احدى هاتين القطعتين تدعم الادعاء بان عقوبة الاعدام تمنع الجريمة والاخرى تناقض ذلك. فكانت كلتا المجموعتين مقتنعة بالدليل الذي يدعم موقفها الاساسي ويرى علماء النفس ان الاساطير انتشرت بضرب وتر عاطفي وبنفس الطريقة يمكن للافكار ان تنتشر بالاختيار العاطفي عوضا عن انتشارها بواسطة خصائصها الواقعية الامر الذي يشجع مثابرة الادعاءات الكاذبة الخاصة بمرشح معين على البقاء وربما يفكر الصحفيون والعاملون في الحملات الانتخابية بانهم يتصرفون لمواجهة المعلومات المضللة من خلال الاشارة الى كونها غير حقيقية، لكن تكرار الشائعة الكاذبة يمكن ان يجعلها على نحو غير متعمد اقوى. قد ترغب الحملة الانتخابية لاوباما في مجهودها المركز " لايقاف الاتهامات" في ان تضع ذلك في حسبانها. وعوضا عن  التاكيد على ان السيد اوباما هو ليس مسلما، فانه قد يكون من الفاعل اكثر التشديد على اعتناقه المسيحية حينما كان شابا.

مستهلكو الاخبار من جانبهم ولدوا لتقبل الامور بانتقائية ولتذكر تصريحات تعزز من المعتقدات التي يحملونها اساسا. في تحليلهم للدراسة التي تناولت انطباعات الطلبة حول عقوبة الاعدام، وجد الباحثون ان الاشخاص موضوع الدراسة وحتى عند تلقيهم تعليمات محددة بالبقاء موضوعيين، فانهم يبقون ميالين لرفض الدليل الذي لا يتفق مع معتقداتهم.

في نفس الدراسة وعند سؤال الاشخاص المختبرين لتخيل ردة فعلهم اذا ما افضى الدليل الى استنتاج معاكس، فانهم كانوا اكثر انفتاحا عقليا حيال المعلومات التي تناقض معتقداتهم. من الواضح ان الامر يستحق العناء بالنسبة لمستهلكي الانباء المتناقضة بان يأخذوا فترة استراحة وان يعيدوا النظر في ان التفسير المغاير قد يكون صحيحا.في عام 1919 كتب القاضي اوليفر وينديل هولمز من المحكمة العليا يقول" افضل اختبار للحقيقة هو قوة الافكار في جعل نفسها مقبولة في منافسة السوق". ويفترض هولمز ان الافكار اكثر احتمالا في الانتشار اذا ما كانت نزيهة. ان ادمغتنا لا تطيع طبيعيا هذا القول المأثور، لكن من خلال الفهم الافضل لتقنية الذاكرة يمكننا ربما الاقتراب اكثر من مثالية هولمز.

alsabaah.com