الصحة النفسية... فاقد بشري بالملايين!

 

د. أكمل عبد الحكيم 

 

 

من الأخطاء الشائعة في تقييمنا للحالة الصحية للإنسان، الاعتماد على مقاييس الصحة البدنية فقط، مع تجاهل أهمية الصحة العقلية والنفسية في تحديد الوضع الصحي العام. وحتى عند أخذ الصحة العقلية أو النفسية في الاعتبار، فغالباً ما نقسمها إلى أبيض أو أسود فقط، أي إما أن يكون الشخص سليماً عقلياً ومتزناً نفسياً تماماً، أو أن يكون مختلاً عقلياً أو مضطرباً نفسياً والحقيقة هي أن الصحة النفسية، مثلها مثل اللياقة البدنية، تتمثل في طيف واسع من الدرجات، يبدأ بالاتزان العقلي والنفسي التام، وينتهي بالاضطراب العقلي والنفسي الكامل وهو ما يعني أن الشخص ربما يكون في حالة غير مثالية من الحالة الصحية العقلية والنفسية، دون أن يكون مريضاً عقلياً أو نفسياً من المنظور الطبي البحت. وهذا اللبس وسوء الفهم الشائعان في توصيف الحالة الصحية النفسية، ربما يكون مرده إلى غياب تعريف متفق عليه لماهية الصحة النفسية بالتحديد، فحسب منظمة الصحة العالمية، لا يوجد تعريف (رسمي) واحد للصحة النفسية، بسبب الاختلافات الثقافية، والتقييمات الشخصية غير الموضوعية، مع تضارب النظريات العلمية واختلافها في تعريف الصحة النفسية. هذا على رغم أن استخدام هذا التعبير، يعود إلى بدايات القرن العاشر الميلادي، عندما أسهب الطبيب المسلم أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في توصيف الحالة النفسية ضمن كتابه الشهير "مصالح الأبدان والأنفس"، والذي يعتبر عن حق أحد أهم الأسس التي بني عليها علم النفس الحديث ويمكننا، ولغرض هذا المقال، تعريف الصحة النفسية على أنها الحالة الصحية التي:

1- تتيح للشخص استغلال جميع إمكانياته.

2- تمكنه من التعامل مع الضغوط النفسية التي تفرضها الحياة بشكل طبيعي.

3- تمكنه من العمل والإنتاج بشكل مثمر وبناء. 4- تتيح له القدرة على المساهمة في رفاهية وبناء مجتمعه.

وتأتي أهمية الصحة النفسية، من حقيقة أن الأمراض العقلية والعصبية والسلوكية تنتشر بشكل واسع في جميع دول العالم دون استثناء، متسببة في معاناة هائلة بين المصابين بها، وفي خسائر اقتصادية واجتماعية جسيمة. حيث تشير الإحصائيات إلى وجود الملايين من البشر المصابين بأمراض عقلية، أو سلوكية، أو بأحد الأمراض المرتبطة بالإدمان. فحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية في عام 2002، يوجد حول العالم مئة وخمسون مليون شخص مصابون بالاكتئاب، وخمسة وعشرون مليوناً مصابون بالشيزوفرينيا. وهنالك واحد وتسعون مليوناً يعانون من إدمان الكحول، وخمسة عشر مليوناً آخرون هم فريسة لإدمان المخدرات. وعلى صعيد الأمراض العصبية، أظهر تقرير نشر حديثاً وجود خمسين مليون مصاب بمرض الصرع حول العالم، وأربعة وعشرين مليوناً آخرين مصابين بالزهايمر وغيره من أنواع خرف الشيخوخة. ومما يزيد الموقف تعقيداً أن حالات الإصابة بالأمراض النفسية والعقلية، تحدث قبل سن الرابعة عشرة. فمن بين جميع أطفال العالم ومراهقيه، يعاني 20% منهم من نوع أو آخر من المشاكل النفسية أو العقلية. وهذا الانتشار الواسع لتلك الأمراض بين صغار السن، يترافق مع تدهور ملحوظ في مستوى الرعاية الطبية النفسية في مناطق العالم التي تتميز بوجود مجتمعات صغيرة السن وإذا ما دققنا النظر في أكثر الأمراض النفسية انتشاراً، أي مرض الاكتئاب، وفي أكثر الأمراض العصبية انتشاراً، أي مرض الصرع، فستتضح لنا بسهولة فداحة الثمن الذي يدفعه الجنس البشري للأمراض النفسية والعقلية بجميع أنواعها.

فالاكتئاب مثلاً، يتسبب في قدر من الإعاقة الصحية، أكبر مما يسببه السكري، أو التهاب المفاصل، أو الأزمة الشعبية، أو حتى الذبحة الصدرية. وإذا ما ترافق الاكتئاب مع مرض مزمن، مثل الأمراض سابقة الذكر، يتضاعف حينها المقدار الكلي للإعاقة في حياة المريض. وفي ظل العدد الهائل من المصابين بالاكتئاب -أكثر من تسعين مليونا كما ذكرنا سابقاً- يمكننا أن نتخيل مدى وحجم الإعاقة التي يتسبب فيها هذا المرض فقط. وربما كان الاكتئاب من أفضل الأمثلة التي ينطبق عليها توصيف الحالة النفسية من خلال طيف واسع ممتد، يبدأ بالاكتئاب اليومي المعتاد، ويمتد حتى الاكتئاب السريري الذي يشل حياة المريض تماماً. أما الحالة المرضية العصبية الأخرى، أو الصرع، الذي يطلق عليه البعض لقب المرض المقدس، فعلى رغم مرور أكثر من خمسة وعشرين قرنا منذ أن كتب عنه الطبيب اليوناني الشهير "أبوقراط"، لا يزال الأطباء عاجزين عن معرفة السبب المباشر خلف سبعين في المئة من حالاته، حتى في ظل استخدام أحدث التقنيات العلمية المتوفرة حالياً. وبدون معرفة السبب، يظل الملايين من المصابين بهذا المرض في معاناة طيلة حياتهم، دون أمل في الشفاء.

وأمام هذا الوضع العالمي، تظل الاستراتيجية الصحية الوحيدة الفعالة، هي تلك التي تعتمد على سد الفجوة بين ما هو متوفر حالياً وبين ما يتطلبه خفض عبء الأمراض العقلية والنفسية والعصبية فعلياً. وهي الاستراتيجية التي يسعى بعض البرامج، إلى تحقيقها من خلال بناء شراكات بين مختلف دول العالم، بهدف زيادة الكفاءات والقدرات الوطنية على التعامل مع الأمراض العقلية والنفسية على الصعيد المحلي. فإذا ما كان الجنس البشري باختلاف جنسياته، وثقافاته، وعاداته، يرزح تحت نير هذه الطائفة من الأمراض، فلابد حينها من أن تتضافر جهود جميع مجتمعاته، في تخفيف المعاناة والبؤس اللذين تسببهما الأمراض النفسية والعقلية لهذا العدد الهائل من أفراده.