التنمية الثقافية شرط أساسي للتنمية الشاملة

 

د. محمد عابد الجابري

 

 

لقد صار مفهوم "التنمية" من المفاهيم السائدة الدارجة في عصرنا، خصوصا منذ أن برزت مجموعة البلدان المستقلة حديثا التي وصفت بأنها بلدان "متخلفة"، وتوصف الآن -ربما تأدبا فقط - بالبلدان "النامية"، لا بمعنى أنها نمت فعلا وبلغت مرتبة الدول "المتقدمة" الصناعية، بل فقط لأنها في "طريق النمو"، أو على الأصح يطمح أهلها إلى ذلك.

في هذا الإطار شاع لفظ "تنمية" كمقابل للفظ "تخلف" وهذا التقابل ليس مجرد تقابل لغوي بل إنه من ذلك النوع من التقابل الذي يتحدد به كل من الطرفين بكونه الضد للطرف الآخر، وقديما قيل: "بضدها تتميز الأشياء". إن هذا يعني أن "التخلف" في هذا السياق إنما يتحدد بـ"التقدم" الذي حققته الدول الأوروبية المصنعة ومثل ذلك مثل "النمو" أيضا. وإذن فـ"التنمية"، بهذا الاعتبار، هي العملية التي يراد منها أن توصل البلدان "المتخلفة" إلى مرتبة الدول "المتقدمة" الصناعية أو قريبا منها.

وبغض النظر عن المناقشات والمطارحات التي أثارها ويثيرها هذا النوع من الفهم لـ"التنمية"، فإن المرء لا يستطيع أن يتصور نموذجا لـ"التنمية" خارج النموذج الذي يستقي مقوماته من الحضارة الحديثة، الشيء الذي يجعل من "التنمية" عملية تستهدف الانخراط الفاعل في هذه الحضارة. وبعبارة أخرى إن "التنمية"، عندما تطرح كبديل لما تعاني منه البلدان المستقلة حديثا أو التي انخرطت أخيرا في الحضارة الحديثة، لا يمكن فصلها عن "التحديث".

وهي بهذا المعنى كانت تعني، إلى عهد قريب، التحديث الاقتصادي. وإذا ذكرت الجوانب الأخرى، الاجتماعية والثقافية، فإنما لتوضع بصورة صريحة أو ضمنية كنتائج للتقدم الاقتصادي.

وإذا كان التعليم، مثلا، يحظى بمكانة بارزة في أدبيات التنمية فغالبا ما يكون ذلك، لا من أجل التعليم ذاته، لا من أجل نشر المعرفة العلمية وتطوير الثقافة وتحديث العقل والذهنية، بل إنما من أجل ما ينسب للتعليم من دور أساسي في التنمية الاقتصادية ( إعداد الأطر، أو الكوادر، البحث العلمي إلخ. .).

دليل ذلك تلك النظرية التي بلغ الترويج لها أوجه في الخمسينيات والستينيات والتي تقول إن "التعليم استثمار" والتي تكرس نظرة اقتصادية ضيقة إلى التعليم فلا ترى فيه، أو لا تريد أن ترى فيه، إلا ميدانا "اقتصاديا" ينطبق عليه ما ينطبق على الميادين الاقتصادية الأخرى، مع هذا الفارق وهو أن مردوديته هي للمستقبل أكثر منها للحاضر، تماما مثل الشجرة التي نغرسها اليوم ونحن متأكدون أنها لن تبدأ في إعطاء ثمارها إلا بعد مدة.

هذه النظرة الاقتصادية التي تتجاهل الثقافة عموما ولا ترى فيها غير "التعليم" تجحف حتى في حق هذا الأخير. إن التعليم "غرس" للمستقبل ما في ذلك شك ولكنه أيضا إشعاع في الحاضر.

إن النظر إلى التعليم من هذه الزاوية الاقتصادية - مهما اتسعت وانفرجت- لا يستطيع أن يمسك بـ" مردوديته" كاملة، إذا كان لابد من استعمال هذا المصطلح الاقتصادي.

إن دور التعليم في تجديد نظرة الناس إلى الحياة وتطوير علاقاتهم بعضهم ببعض ودفعهم إلى الانخراط الواعي في مشروع مستقبلي لهم كجماعة أو كأمة، وللإنسانية جمعاء، فضلا عن دوره في نشر المعرفة العلمية وتنظيم الفكر وعقلنة السلوك إلخ... كل هذه الجوانب "المعنوية"، التي لا تقبل القياس الكمي/الاقتصادي هي ما نعنيه هنا أساسا بـ"البعد الثقافي" عندما نربطه بالتنمية، وهي جوانب لا تقل أهمية بالنسبة لـ"التنمية البشرية" – أو الاجتماعية أو الشاملة - التي ليس النمو الاقتصادي إلا أحد عناصرها.

بل يمكن الذهاب إلى أبعد من هذا، دون أن نخشى مبالغة أو إسرافا في القول، لنؤكد أن التنمية البشرية لا تكتسب معناها الحقيقي إلا إذا نظر إليها أولا وقبل كل شيء من زاوية هذا البعد الثقافي الذي يجعل منها محصلة التداخل والتكامل بين التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية، بل أيضا محصلة التداخل والتكامل بين ما هو أصيل متجدد وما هو حديث يتأصل في جميع مجالات الحياة.

من هذا المنظور نستطيع أن نقول، إذن، إن التنمية الثقافية هي شرط للتنمية الاقتصادية بقدر ما هي مشروطة بها، وبالتالي فلا يمكن تحقيق تنمية اقتصادية بدون أن تواكبها منذ البداية تنمية ثقافية.

بل إن اتجاه التفكير السائد اليوم، في موضوع "التنمية" وقضاياها، يميل بوضوح إلى إعطاء نوع من الأولوية للتنمية الثقافية، باعتبار أن الاقتصاد نفسه أصبح الآن يعتمد أكثر فأكثر على الفكر والعمل الفكري، ويستغني أكثر فأكثر عن العمل اليدوي، مما يجعل من حصول الشخص على مستوى معين من "النمو الثقافي" شرطا ضروريا لإمكانية مساهمته في التنمية الاقتصادية نفسها.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى لابد أن نلاحظ أن الاتجاه السائد الآن في المجال الإيديولوجي، مجال التنظير للتغيير الاجتماعي، أصبح يعطي هو الآخر مزيدا من الأهمية للعامل الثقافي. فلم تعد الثقافة ينظر إليها اليوم على أنها ليست سوى الانعكاس الإيديولوجي للقاعدة المادية للمجتمع، بل إن اتجاه الفكر الاجتماعي المعاصر يميل بقوة اليوم، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمجتمعات "ما قبل الرأسمالية" وضمنها طبعا المجتمعات "المتخلفة/النامية"، إلى اعتبار الثقافة عنصرا أساسيا في بنية المجتمع ككل، بل العنصر الذي من شأنه أن يلعب دورا محركا، مهما وأساسيا، داخل كيانه.

وأخيرا، وليس آخرا، لابد من النظر إلى الثقافة، وفي قلبها التعليم، على أنها أصبحت في الحياة المعاصرة من جملة حقوق الإنسان  إن الإنسان المعاصر، إنسان القرن الحادي والعشرين يجد نفسه منذ ولادته في عالم متغير بوتائر سريعة، عالم مغاير تماما للعالم الذي كان يعيش فيه أسلافه، الأقارب والأباعد سواء بسواء.

لقد كان الإنسان من قبل يولد في عالم تغمره الطبيعة : فالولادة والرضاعة والتربية والتعليم والتنشئة الاجتماعية والعمل والفكر والمصير...إلخ، كل ذلك كان يتم في ذات الشروط التي كانت تتحدد بها " الطبيعة"، كطبيعة؛ فلم تكن الآلة تتدخل إلا في حدود وضمن مجالات دون أخرى.

أما اليوم فالآلة أصبحت هي الطبيعة نفسها أو تكاد : إن المكننة والأوتوماتية والمعلوماتية تغزو جميع ميادين الحياة، وبالتالي فالإنسان الذي لا يربى منذ طفولته المبكرة على التعايش والتعامل فكريا وعلميا، وليس سلوكيا واجتماعيا فقط، مع هذا النمط الجديد من الطبيعة/الآلة، المغزوة بالعلم والتكنولوجيا، إنسان لا يستطيع أن يعيش عصره، لا يستطيع أن يحقق ذاته، لا يستطيع أن ينتج ويبدع، وبالتالي لا يستطيع أن يحيا ويعيش في هذا العصر، لا يستطيع أن يمارس حقه في المساهمة في عملية ممارسة السلطة والاعتراض على طغيان سلطة الآخرين، وتلك أمور تشكل كلها جزءا أساسيا من "حقوق الإنسان المعاصر".

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:مجلة المجلة