سلطات الكونجرس الأمريكي: أساطير أربع !

 

 

تشارلز ستيفنسن

 

 

ثمة من الحقائق التاريخية ما يكفي لإحراج أستاذ مادة التاريخ وجعله يحمر خجلاً إزاء كل الأساطير التي نسمعها حول دور الكونجرس الأميركي في إعلان الحروب وإنهائها. وقبل تصويت المشرعين في سبتمبر الجاري على مشاريع القوانين التي تقضي بسحب القوات الأميركية من العراق، يجدر بنا على الأقل أن نوضح بضعة أمور حول ما يستطيع وما لا يستطيع الكونجرس فعله.

الأسطورة الأولى أن الكونجرس وحده يستطيع إعلان الحرب، وبعد ذلك يتولى الرئيس المسؤولية باعتباره القائد الأعلى للجيش. إنه أمر مضلل جداً. فمما لا شك فيه أن الكونجرس يتمتع بسلطة إعلان الحرب، لكنه لم يقم بذلك في سوى خمسة نزاعات.

أما في المرات الخمس عشرة الأخرى، فقد مرر قوانين ترخص لاستعمال القوة لكن بدون استعمال كلمة الحرب؛ ومن ذلك حرب العراق عام ،1991 ثم في عام 2001 ضد المتورطين في هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وعلاوة على ذلك، فقد قام الرؤساء بإرسال القوات الأميركية في مهمات حربية في عشرات المرات ولم يتخذ الكونجرس أي قرار معين، وذلك غالباً لأن العملية صغيرة الحجم أو قصيرة زمنياً.

وحسب الدستور، فإن الكونجرس أيضاً يتمتع بصلاحية ''تجييش الجيوش ودعمها''، ''وسن القوانين المتعلقة بالحكومة والأنظمة والقواعد بالنسبة للقوات البرية والبحرية''، و''السهر على تنظيم وتسليح وانضباط الحرس القومي''.

وهذا يعني أن الكونجرس يستطيع زيادة أو تقليص حجم قواتنا، وتحديد المهمات التي ترسَل من أجلها، ووضع القوانين بخصوص معاملة الأسرى مثلاً. والواقع أن القائد الأعلى للقوات الأميركية يستطيع إصدار الأوامر مباشرة بخصوص العمليات الحربية، ولكنه مقيد بالقوانين والتمويل الذي يوافق عليه الكونجرس.

الأسطورة الثانية أن الكونجرس لا يستطيع فرض قيود على عمليات نشر القوات. والحال أن ذلك تم من قبل، وانصاع له الرؤساء. فقد كان الرئيس فرانكلين روزفيلت يشعر بأنه جد مقيد بالقانون الذي وقعه في ،1940 والذي يمنع إرسال المجندين إلى خارج نصف الكرة الأرضية الغربي، إلى درجة أنه اضطر إلى توقيع أمر رئاسي يعلن فيه أن نصف الكرة الأرضية يمتد إلى حدود آيسلاند، وذلك حتى يتسنى له بكيفية قانونية إرسال الجنود إلى هناك وبعض سفن التموين إلى بريطانيا.

ومن جهته، قبل الرئيس نيكسون القانون الذي مرره الكونجرس عام ،1969 والذي يمنع إرسال القوات البرية إلى لاوس أو تايلاند. كما قبل الرئيس رونالد ريغان قانون 1983 الذي لا يسمح للقوات الأميركية باستعمال القوة إلا في حالة الدفاع عن النفس. وقبل الرئيس ماكينلي القانون الذي يمنع ضم كوبا في عام .1898 بل وحتى الرئيس جورج دبليو بوش قبل القانون الذي يحد من عدد الجنود الأميركيين وموظفي الشركات المتعاقدة الذين يمكن إرسالهم إلى كولومبيا.

الأسطورة الثالثة، هي الاعتقاد بأن الطريقة الوحيدة لوقف الحرب بالنسبة للكونجرس تتمثل في قطع تمويل القوات. قد ينجح ذلك وقد جُرب من قبل؛ لكنه إجراء قوي وراديكالي نوعاً مَّا. ففي عام ،1973 وفي ظل استمرار العمليات الجوية الهجومية في فيتنام - رغم انسحاب القوات الأميركية المحاربة - وافق الرئيس نيكسون على قانون يمنع تمويل مزيد من المعارك الجوية. وقبل ذلك، كان نيكسون قد قبل قانوناً آخر يمنع إعادة إرسال القوات الأميركية المحاربة إلى كمبوديا.

ولعل أفضل الحالات هي تلك التي يطالب فيها الكونجرس بما يكون الرؤساء مستعدين لفعله. ففي عام ،1919 أعلن الرئيس ويلسون عن انسحاب القوات الأميركية من التدخل في روسيا السوفييتية بعد تعادل الأصوات المؤيدة والرافضة لقرار غير ملزم في مجلس الشيوخ .

وبعد أربع سنوات على ذلك، قرر الرئيس هاردينغ سحب القوات الأميركية من ألمانيا بعد تمرير مجلس الشيوخ لقرار يدعو إلى ذلك. وفي عام ،1993 وافق الرئيس كلينتون على قرار ينص على سحب جميع القوات الأميركية المحاربة من الصومال بحلول مارس .1994

وبناء عليه، فإن التعديلات التي يحتمل أن يبحث الكونجرس إمكانية اعتمادها في سبتمبر الجاري، والتي تحد من نشر القوات في العراق، إذا لم يستوف هذا الأخير معايير معينة بخصوص التدريب والتجهيز والاستعداد، ستكون من سوابق العمل التشريعي.

الأسطورة الرابعة، مفادها أن الكونجرس لا يستطيع منع الرئيس من إعلان الحرب على إيران أو سوريا أو كوريا الشمالية -أو غيرها من البلدان- في حال كان ذلك ضرورياً لحماية الأرواح والمصالح الحيوية الأميركية. وهذا غير صحيح، فهو يستطيع منع الرئيس، غير أن ذلك أمر مستبعد.

والحقيقة أن القوانين التي تحظر أمراً ما مثل تلك التي سُنت بخصوص لاوس أو فيتنام قد تكون فعالة وناجحة، غير أن ثمة ما يكفي من الحالات الممكنة التي قد يكون فيها استعمالُ القوة ضد إيران أو كوريا الشمالية عاجلاً وموضعَ دعمٍ واسع إلى درجة أن الكونجرس لن يكون راغباً في وضع خطوط حُمْر تمنع التحرك كما أن القوانين التي تنص على الترخيص المسبق تبدو جيدة، ولكن تعوزها القوة.

باختصار، فإن السجل التاريخي، وخلافاً لكثير من الأساطير، يُظهر أن الكونجرس يتمتع بسلطات واسعة للترخيص والحد من استعمال القوة، وتقييد العمليات الحربية في العراق، إذا ما استطاع جمع أغلبية كافية لسن القوانين، حتى في حالة فيتو رئاسي.

*كاتب أميركي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة ''كريستيان ساينس مونيتور''-4-9-2007