القوة الناعمة... آخر صادرات الصديق الصيني

 

 

جوشوا كورالانتزيتش

 

 

علاقات واشنطن وبكين تجمع بين الصداقة والعداء في آن

خلال الشهرين الماضيين، وفي الوقت الذي انصبت فيه جهود واهتمامات واشنطن كلها على العراق، قلما انتبه البعض إلى ما يجري في منطقة جبال الأورال الروسية. فهناك وتحت رعاية ''منظمة شنغهاي للتعاون'' أجرت قوة عسكرية قوامها 6 آلاف جندي من جنود البحرية وسلاح الجو، تنتمي إلى ست دول مختلفة، مناوراتٍ عسكريةً تحت اسم ''مهمة سلام .''2007 ولم يكن الفتور الذي أبدته إدارة بوش إزاء المشاركة في هذه المناورات مفاجئاً أو مثيراً للاستغراب، بحكم الطبيعة الإقليمية لتلك المناورات، التي جمعت جيوش كلٍّ من روسيا وبلدان آسيا الوسطى والصين. فمنذ هجمات 11 سبتمبر، سلط الرئيس بوش، الذي كان لفوزه بالمنصب الرئاسي إلى حد ما علاقة بالتعهد الذي قطعه على نفسه وحزبه باتخاذ موقف متشدد إزاء الصين، جهودَه كلَّها تقريباً على العالم الإسلامي. ولكي تفوز إدارته بالشعبية اللازمة لحربها على الإرهاب الدولي، فقد تخلت عن نعت بكين بكونها ''منافساً استراتيجياً'' على نحو ما فعلت قبيل هجمات 11 سبتمبر. وفي زيارة إلى الصين قام بها مؤخراً الأدميرال ''مايكل جي. مولين''، قائد عام العمليات البحرية الأميركية، أعرب عن اطمئنانه على القوة العسكرية الصينية، وأكد أن التزام الصين بتحسين واستمرار علاقاتها العسكرية الجيدة مع الولايات المتحدة الأميركية، مطمئن ومشجع هو الآخر. لكن وعلى رغم هذه الإشادة الأميركية بالأداء العسكري للصين، فإن هذه الأخيرةَ تواصل جهودها في توسيع رقعة نفوذها الإقليمي والدولي.

ولعل هذا ما يدعو للاعتقاد بأن تكون الصين على المدى البعيد، أول قوة رئيسية تهدد النفوذ الدولي الأميركي منذ انهيار المعسكر السوفييتي ونهاية الحرب الباردة. وضمن ما تعكف عليه الصين، تحديث جيشها، لاسيما سلاحيها البحري والجوي الباليين.

وفي العام الماضي رفعت بكين ميزانية الإنفاق على دفاعها إلى ما يقارب نسبة 20 في المئة، بينما تمكنت من تصنيع صواريخ متوسطة المدى وطائرات حربية أكثر تطوراً، بما يمكنها من منع حاملات الطائرات الأميركية من حماية تايوان، على نحو ما حدث في عامي 1995-.1996

لكن وعلى رغم ذلك، فإن الجيش الصيني ليس هو المهدد الرئيسي للولايات المتحدة الأميركية في الوقت الحالي. ذلك أن الجيش الأميركي لا يزال متفوقاً من الناحية التكنولوجية على نظيره الصيني بما لا يقاس. غير أن على واشنطن أن تبدي اهتماماً خاصاً لتنامي العلاقات الدفاعية المشتركة التي تقيمها مع عدة دول حول العالم فذلك هو ما يثير القلق فعلاً. فقبل عَقد مضى، عانت علاقات بكين مع موسكو من أزمة الحرب الباردة، إلا أن جيشي البلدين كثيراً ما يشتركان في مناورات وتدريبات عسكرية.

هذا وتجري الصين مناوراتٍ وتدريباتٍ شبيهةً مع كل من قيرغيزستان، وهي إحدى جمهوريات آسيا الوسطى الواقعة على الحدود الغربية للصين، وتايلاند الحليفة القوية للولايات المتحدة، إضافة إلى دول عديدة أخرى.

بل شرعت الصين في تدريب الضباط العسكريين الأجانب الموفدين إليها من شتى أنحاء العالم وضمن هذه الجهود، فقد خصص فصل دراسي تدريبي للضباط العسكريين الزائرين على وجه التحديد بـ''جامعة الدفاع الوطني'' الصينية.

وبما أن هؤلاء الضباط يبدون ارتياحاً لتلك المعاملة الصينية الخاصة، فليس مستبعداً أن يوجهوا بعثاتِهم الدراسيةَ هذه إلى الصين بدلاً من توجيهها إلى الولايات المتحدة الأميركية، مع العلم أن هذه الفصول الدراسية المخصصة للضباط الزائرين في أميركا، كانت قد ساهمت في توطيد علاقات جيوش الدول الأجنبية مع البنتاجون من قبل.

والخوف الآن أن تكون الصين هي الوجهة الفعلية لمثل هذه التدريبات العسكرية الأجنبية. وليس أدل على هذا من بدء توجه الضباط الفلبينيين إلى الصين بدلاً من أميركا التي كانت تحركهم نحوها غريزة الشعور بالانتماء الطبيعي إليها سابقاً.

وليس هذا فحسب، بل إن القوة الناعمة الصينية، متمثلة في اتساع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي، باتت تشكل هي الأخرى تهديداً خطيراً للنفوذ الدولي الأميركي. ويتضاعف حجم هذا الخطر بصفة خاصة، في وقت بدأت تسوء فيه سمعة أميركا دولياً وإقليمياً على حد سواء.

وفي المقابل فقد بذلت الصين من الجهود في بناء سمعتها وعلاقاتها الخارجية على امتداد العقد الماضي كله، ما جعلها في مقدمة الدول المانحة والمساعدة لعدد من الدول النامية، مثل كمبوديا وأنجولا. وفي الوقت نفسه أحسنت الصين استخدام ذراعها الدبلوماسية.

وكما تابعنا فقد أمضى كل من الرئيس هو جينتاو ورئيس الوزراء وين جيابو أوقاتاً أطول في زيارة الدول الأجنبية، بما يفوق الجهد الدبلوماسي الذي قام به نظراؤهم الصينيون السابقون، وكذلك بما يفوق الجهد الذي قام به القادة الأميركيون في هذا المضمار.

وإلى جانب ذلك، فقد وسعت بكين طاقم العاملين في سلكها وبعثاتها الدبلوماسية، بعدد من الذين يجيدون التحدث باللغة الإنجليزية والإدلاء بالتصريحات الصحفية  بل مضت بكين في استخدام قوتها الناعمة سلفاً في تقليص النفوذ الأميركي في المنطقة الإقليمية المجاورة لها.

ففي عام 2005 وعلى إثر تقربها من أوزبكستان، عن طريق سلسلة من الزيارات التي قام بها مسؤولون صينيون، وكذلك عبر تنامي المساعدات الاقتصادية المقدمة لها، تمكنت بكين من إقناع أوزبكستان سراً، بإدارة ظهرها إلى واشنطن، خاصة على إثر الانتقادات الحادة التي وجهتها واشنطن إلى أوزبكستان بسبب انقضاض نظامها على الناشطين المعارضين له. وبالنتيجة فقد رفضت أوزبكستان بالفعل السماح لواشنطن باستخدام قواعدها العسكرية في العام نفسه.

ثم إن للصين كفةً أخرى تعلو بها على الولايات المتحدة. وتتمثل هذه فيما راكمته من احتياط نقدي تجاوز التريليون دولاراً، تحقق جزء منه من انتظام تجارتها مع أميركا. بل الأخطر من هذا أنه أصبح في وسع الصين إلحاق دمار اقتصادي بالغ بأميركا من الناحية النظرية، في حال بيعها لكميات كبيرة من سنداتها وأوراقها المالية المتداولة في أسواق المال الأميركية، مما يعني انكماش الدولار وانخفاض سعره عالمياً.

لكن وبما أن ضعف الاقتصاد الأميركي سينعكس سلباً على الصين بإبطاء نموها الاقتصادي، فإنه ليس مرجحاً أن تخطو الصين هذه الخطوة البتة وبدلاً من هذا الإجراء، تمكنت الصين من جمع أموال صندوق استثمارات حكومي بقيمة 200 مليار دولار، وتوظيف أمواله في شراء الأصول في شتى أنحاء العالم، بما فيه الولايات المتحدة الأميركية نفسها. وضمن ذلك اشترت الصين أسهماً لها في شركة ''بلاكستون'' وهي من كبرى بيوت الأموال والاستثمارات الخاصة الأميركية.

وفي المقابل بقيت الولايات المتحدة عاجزة حتى الآن عن تحديد أي الاستثمارات الصينية أنسب داخل أراضيها، بسبب بطء الكونجرس في إجازة التشريعات الخاصة بالرقابة على الاستثمارات الأجنبية. فها هو وقد أجاز أول قانون من هذا النوع للتو، بعد مضي خمس سنوات من الترقب والانتظار.

وبسبب غياب الموجهات التشريعية الخاصة بهذه الأنشطة، فقد ظلت واشنطن مرتبكة بشأن التقرير في نوع الاستثمارات التي لا تتضمن التكنولوجيا الحساسة ذات الأهمية المباشرة لأمننا القومي، بل ربما كانت على درجة من الخطورة، على غرار ما نجد في الاستثمار الصيني الحالي في شركة ''بلاكستون''.

ومما لا شك فيه أن تنامي الدور العالمي للشركات الصينية، سوف يرغم واشنطن على التصدي لهذا الخطر، أكثر مما كانت تفعل من قبل. وهناك مهددات الاستراتيجيات الداخلية التي تتبعها الصين في نشاطها الاقتصادي.

ذلك أن بكين تعمل الآن على دعم 50 شركة من شركاتها الوطنية، عن طريق توفير القروض الميسرة لها، وغيرها من المساعدات التي توفرها لها البنوك الصينية ذات الصلة بالقطاع الحكومي.

وبسبب الظروف التي تتيحها هذه المساعدات للشركات المعنية، بما يمكنها من مزاولة نشاطها في هامش ربحي محدود، فإن هذا يمكن بعضها -مثل شركة "CNOOC" النفطية المحدودة العملاقة، من منافسة أميركا في هيمنة شركاتها على قطاعي النفط والغاز الطبيعي في كل من إفريقيا وفنزويلا والشرق الأوسط.

لكن وعلى رغم هذه المهددات الجدية، إلا أن العلاقة بين واشنطن وبكين لا تتجه إلى ما يشبه قطيعة الحرب الباردة  فالشاهد أن الصين تعتمد في استثماراتها على أميركا، بقدر ما تعتمد هذه الأخيرة على بكين في بيع سنداتها الحكومية  وعلى حد تعبير الممثل الكوميدي ستيفن كولبرت، فكلتاهما ''صديقة لدودة'' للأخرى، لكونهما تجمعان بين الصداقة والعداء في آن!

وكما نعلم فإن مواجهة ''الصديق اللدود'' لهي أشد صعوبة من مواجهة العدو. والسبب أنه يتعين على واشنطن أن تتعاون مع الصين في ذات الوقت الذي تخوض فيه حمى التنافس معها. وهذا ما يلزمها بأن تعامل الصين بذات الاحترام الذي كانت تبديه إزاء الاتحاد السوفييتي سابقاً، أي أن تعين دبلوماسياً واحداً على الأقل في كل واحدة من سفاراتها، ليكلف بمهمة متابعة الأنشطة العسكرية والاقتصادية الصينية في البلد المعين، فضلاً عن زيادة الاستثمار في تأهيل جيل من دبلوماسيي المستقبل المختصين بالشؤون الصينية.

وفيما نعلم فإن الإعداد يؤدي إلى زيادة الثقة بالنفس، بما يمكن الساسة والدبلوماسيين الأميركيين من فهم أين ومتى وكيف تمثل الصين أو لا تمثل خطراً على النفوذ الدولي الأميركي.

وفيما لو توفر لدينا من المعلومات ما يكفي، فإن مما لاريب فيه أن واشنطن لن تعاود تجاهلها لدورة مناورات ''سلام ''2008 العسكرية التي تنظمها ''منظمة شنغهاي للتعاون'' العام المقبل.

*باحث زائر بمؤسسة كارنيجي الوقفية للسلام الدولي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست-4-9-2007