العولمة والهوية: التنوع بديل للقطيعة

 

 

أحمد المديني

 

 

هذه العولمة التي دوخت الدنيا، وباتت على كل الألسنة من العلماء إلى الدهماء، هي حمّالة أوجه. تارة تؤخذ على وجه التطور والتجديد الحاسمين، الحتميين لما يمس الوجود على الأصعدة كافة، وتارة أخرى تعكس من وجهها السلبي كصورة للهيمنة الكاسحة للقوى الصناعية الكبرى، مع آثارها المدمرة للهويات والثقافات المحلية، فضلا عن الاقتصاديات الهشة لبلدان الجنوب، بنموها البطيء، وصناعاتها البدئية.

على أنه من الخطأ حصر العولمة في ثنائية المعنى الموصوف، فبذلك نكون قد توهمنا بلوغ حد فهمها، ووضع اليد على تعريف قطعي، وهو غير ممكن، طالما أننا نتعامل مع معطى، مع تكوين هو قيد التطور والتبلور باستمرار، مسلسل ما انفك يبرز في كل يوم، مرحلة، عبر صيغ ومعطيات عديدة التغير والتحول، تطول مألوف الإنتاج وغريبه في آن، ومن ثم تخترق ثوابت، وتهز هياكل وتبعث الشك في ما عُدّ بداهة ومسلمات، وهو الشك الذي لا تنجو منه هي ذاتها حين تتعرض لمزيد وعديد تساؤلات، حتى من قبل منشئيها، الواصلين في مضمارها القدح المعلّى، نظير الأمريكيين والأوروبيين.

من هؤلاء فرنسا التي عمد رئيسها الجديد إلى تكليف الدبلوماسي الكبير هوبير فدرين بإعداد تقرير عن هذه الظاهرة بمثابة قراءة مختلفة عن تلقيها إلى الوقت الراهن، وتفاعلها مع الوضع الفرنسي، وهو ما يعني أن الموضوع يبقى مفتوحا على تعدد التأويل والتسويغ، لا منطقا أو منظومة أفكار مغلقة وجامدة.

إنما قبل ذلك، هل من تعريف ممكن للعولمة؟ يميل أغلب معالجيها إلى وصف ظواهر التكنولوجيا، الاتصال خاصة، وسرعة تدفق المعلومات، وإلى توسع الأسواق وتنميط وتوحد آلياتها، ودون البحث في ماهية ثقافة العولمة، أو مساءلتها بواسطة مفاهيم وأدوات تنتمي إلى ما قبل عهدها، ما يولد أفكارا وتحليلات مغلوطة، بنت الماضي لا المستقبل الذي هو ممكنها وأفقها. لا جرم، بعد هذا، أن العولمة انبثقت وتنامت في محيط الاقتصاد الليبرالي الغربي، وتعد نسقا جديدا في تكوينه، وبالتالي لا يمكن إغفال طابعها الإيديولوجي رغم الشكل التكنولوجي والاقتصادي الذي يغلفها سربالا خارجيا، كما أن الطابع التوسعي هو محدد أساس لها، ما يبث فيها مضمونا لصيقا بالخطاب «الكولونيالي» القديم، وإن أصبح عنفه ملطّفا ومسوغا.

بيد أن ما نحن في حاجة إليه أكثر من الدوران في فلك التعريفات، نظرية أو تطبيقية، هو مقابلة المفهوم ضمن صيرورته مع وضع الثقافة العربية وموقف المثقفين العرب وتأويلاتهم الخصوصية للظاهرة لو وجدت على الوجه المقبول.

والسبب هو أننا نتصرف مع فكر وواقع «الآخر» الغربي من موقع الصدمة والانبهار، لا من أرضية قوية، متملكة لحيازاتها العلمية والفكرية المتماسكة. إن المتتبع لكيفية مقاربة المثقفين العرب، ضمن ثقافة متهافتة المضامين، متضاربة المفاهيم، مفككتها، سيلاحظ أنها لا تكاد تخرج عن مستويات الاستسلام، والتكيف وملاءمة البيت الداخلي، مع ميل واضح للوك رطانات تقنية تكشف عن نزعة علموية تفضح ضحالة الثقافة أكثر مما ترجح كفة الفهم والتفاعل مع مستجدات العصر بكيفية خلاقة.

والحق أنه يتعذر قيام حوار، وبالتالي نضج ثمرته، في حالة عجزنا الثقافي، وضعف مؤهلاتنا على أكثر من صعيد، أي بانعدام التكافؤ والندية، وهو ما يجعلنا في وضعية التابع، بل من يحاول أن ينجو بجلده أمام عولمة نزاعة بلا رحمة إلى تجاوز ثقافة الآخرين، وقلع هوياتهم جذريا.

أحسب أن موضوع الهوية يمثل قطب الرحى في إشكال تلقي وضع العولمة وتبعاتها، ذلك أنها ولّدت فزعا شديدا من هذه الناحية لانعكاساتها الحتمية على صعيد خلخلة الثوابت والتقليد، وخلق أنماط سلوك دخيلة على الطبيعة الأصلية للسكان ومعتقداتهم، خاصة في مجتمعات تهيمن عليها أفكار وطرائق حياة محافظة، وتسودها معتقدات وتيارات فكرية تؤكد ثبوت الهوية، فيعتبر أي نقاش بهذا الصدد مسا بها، فكيف بالعولمة التي هناك من يرى فيها تحرشا سافرا، ووبالا يحتاج إلى التصدي له.

هذا، ويمكن إجمال نظرة الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة لهذه القضية في أربعة مواقف: أصولية متشددة؛ وسطية انتقائية؛ انحياز مطلق إلى إعادة صوغ الهوية بأدوات غربية؛ وأخيرا رؤية نقدية تعتمد التركيب العقلاني والجدل الحي بين الخصوصيات النيرة للذات العربية بميراثها الوطني، القومي، وبما هو واقع خارجها من عطاء خلاق. وليس لنا أن ننكر بأنه رغم استقراء هذه التحديدات العامة فإن الحيرة والارتباك ما زالا يطبعان موقفنا نحن العرب مثقفين وعامة تجاه الظاهرة العولمية، تتنازعنا ميولات وتيارات شتى، وهو طبيعي نظرا إلى أن العولمة ذاتها ما تنفك تتناسل في عديد تعبيرات وتجليات من كل نوع، بوصفها، كما ذكرنا، صيرورة تتجه إلى الأمام، أي على النقيض تماما ممن يقولون داخل أرومتنا وثقافتنا أو يفكرون بثبات الهوية ولا تاريخانيتها.

إزاء مواقف التعارض القائمة إزاء ظاهرة العولمة، قضية الهوية الكامنة في قلبها، اقترحت أطراف فكرية من النخبة العالمية، ممثلة تحديدا في منظمة التربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) وثيقة عمل وتأمل انطلقت منذ سنة 2005 وصدق عليها في صيغتها النهائية أخيرا.

هي وثيقة بمثابة موقف وسط بين دعاة عولمة بلا حدود ولا كوابح، وتوجد الولايات المتحدة الأمريكية على رأس قائمة هؤلاء، صاحبة المصلحة في فرض نموذجها، وبين ممثلي بلدان الجنوب المعرضة للاكتساح، الباحثة عن حل ملائم في خضم الصراع مع المد العولمي. إنها تنبني على أطروحة «التنوع الثقافي»، يقصد به تعدد تعبيرات الجماعة والمجتمعات عن ثقافاتها، وأشكال انتقال هذه الثقافات، بمضامينها.

ويُفهم من المضمون الثقافي المعاني الرمزية والأبعاد الفنية، والقيم الثقافية المستمدة من الهويات الثقافية المعبر عنها  تعتبر هذه الأطروحة أن العولمة بتبنيها نشر مبادئ السوق في كل اتجاه، قد خلقت مظاهر متكاثرة من انعدام المساواة، وأدت إلى زيادة اختلال التوازن بين البلدان الغنية والفقيرة، وإلى عجز كثير من الدول عن التحكم في التدفق المتنقل للأفكار ومصادر المعلومات والصور، وأخطر منه اتساع الهوة بين النخب التعليمية وباقي الأهالي. إزاء هذا التشخيص يُطرح التساؤل كيف يمكن تكوين مجتمعات متعددة، وتتقاسم شعورا بالانتماء المشترك في آن. نلخص الجواب في أن غالبية المجتمعات مدعوة للتوفيق بين المطلب المزدوج للوحدة والتنوع، إذ الوحدة شرط التماسك الجمعي، والتنوع حقيقة حتمية وعامل ثراء يضاف إلى ما سبق تساوي الثقافات في الكرامة، ومبدأ الانتفاع المنصف، والانفتاح والتوازن.

هذه جملة أفكار دافعنا عنها في ورقة مطولة، قدمناها في ندوة اختصت بموضوع الفكر العربي وثقافة العولمة (جامعة المعتمد بن عباد دورة 22، منتدى أصيلة السنوي لهذا العام)، ونحب أن نضيف إليها، على سبيل الاختتام، بأننا نعتبر أن أفضل طريقة لمعالجة تحدي العولمة، هي ألا نواصل النظر إليها من خارج، بل بالانخراط في مسلسلها، ومواجهة تحدياتها بفعل الخلق والتجديد على كل المستويات، بما يؤدي إلى الترسيخ والتحديث العميقين للذات العربية في حاضر ينبغي أن يكون ديدنه بناء الغد لا النكوص إلى الوراء، وإلا فإلى الزوال نحن ذاهبون.

* كاتب وروائي مغربي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الشرق الاوسط اللندنية-4-9-2007