القيم البدويّة و"القاعدة"

 

 

عبدالله بن بجاد العتيبي

 

 

أشرنا في المقال السابق لبعض الأحداث والمظاهر التي تدلّ على انتعاش وانتشار القيم البدوية بجوانبها السلبية والإيجابية، ونضيف كذلك ظواهر أخرى جديرة بالرصد في هذا السياق، وذلك من مثل منتديات القبائل على الإنترنت بأنواعها، وخصوصاً نوعيّة الطرح في بعضها والذي تغلب فيه القيم البدوية بجانبها السلبي على القيم البدوية بجانبها الإيجابي، وكذلك انتشار قنوات الشعر الشعبي وقنوات "القبائل" التي بدأ الإعلان عن بعضها.

لقد كانت بداية تفشي استخدام الشعر الشعبي كأداة في استقطاب الأتباع والتأثير في الجماهير من قبل الحركات الإسلامية بعد أزمة الخليج الثانية والغزو العراقي للكويت بداية من شريط كاسيت صوتيٍ بعنوان "صوتٌ من الصحراء" في ثلاثة إصدارات متوالية، ثم شريط كاسيت آخر بعنوان "مجلة الصحراء" ثم توالت الإصدارات في هذا الاتجاه وتعددت نظراً للتأثير الكبير لمثل هذه الأشرطة، وأرقام المبيعات المربحة التي سجلتها، وهي تعبير صارخ عن استجابة للحظة تاريخية كان مؤشر المجتمع فيها يتجه بقوّةٍ نحو القيم البدوية، ولم يفت الحركات الإسلاميّة أن تركب هذه الموجة وتستفيد منها، كما تجلّى استخدام الإسلام السياسي للقيم البدوية في قناة "الإصلاح"، التي يبث من خلالها المعارض السعودي سعد الفقيه أفكاره ويمارس تهييجه للشارع واستثارته للغوغاء، كما لا ننسى أن حركات الإسلام السياسي قد استخدمت القبليّة سلّماً للوصول إلى مجالس النوّاب في أكثر من بلدٍ عربي كالكويت والأردن وغيرهما.

لا يختلف "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" كثيراً عن الظاهرتين العنفيتين اللتين عرضناهما سابقاً (إخوان السبلة وحركة جهيمان) باعتبار زاوية النظر التي اخترناها لهذا البحث، وهي استخدام تأثير القيم البدوية الممزوجة بغلاف ديني، وعلى هذا عدد من المؤشرات الدالّة، فعدد من المطلوبين في القوائم التي تنشرها وزارة الداخلية السعودية لأعضاء التنظيم هم من البادية انتساباً ونشأةً وتربيةً، ولا أدل على هذا من تتبع أسماء المطلوبين، وعدد ممن لا تدلّ أسماؤهم على انتماء بدويٍ مباشر، كانوا قد تربّوا وعاشوا مع البدو وتشبعوا بقيمهم وإن لم يكونوا منهم بالانتساب، كما أن بعضهم من أتباع بقايا حركة جهيمان الذين يتجمعون في البوادي ويحملون قيم البداوة منذ القضاء على حركة جهيمان في عام 1400هـ، كما يمكن مقارنة هذا بما يحدث في مصر والعراق حيث تتركّز كثيرٌ من العمليّات في مناطق البادية القبليّة، وأماكن انتشار "القاعدة" ونشاطاتها وكوادرها تدلّ على ارتباط واستفادة من القيم البدويّة في جانبها السلبي، في السعودية تمّ تنفيذ كثيرٍ من المواجهات في مناطق البادية، كعملية "العييري" وعمليّة "غضي" وعمليّة "السيّاح الفرنسيين" وغيرها، وفي مصر بين قبائل سيناء البدوية التي بدأت تتشكل فيها منذ سنواتٍ تحرّكاتٌ لجماعات عنفٍ دينيٍ نفّذت أكثر من عملية في المناطق السياحية في سيناء كعمليّة طابا وعمليّة شرم الشيخ، وفي المغرب العربي، تتركز معسكرات التدريب في الصحراء التي يسكنها البدو في الجزائر ومالي وغيرهما من الدول الأفريقية، وكذلك الحال في العراق.

سيبقى في قيم البداوة دائماً وجه مشرق جميل تنبغي المحافظة عليه وتنميته حتى يظل راسخاً برغم الانحراف في بعض هذه القيم، ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها!

لقد استخدمت "القاعدة" الشعر العربي والشعبي كوسيلة من وسائل انتشارها وإقناع المناصرين والمؤيدين، وسأعرض لعدد من النماذج الشعرية المؤيدة لهذا، فأبو محمد المقدسي المنظّر التكفيري الأول لـ"القاعدة" يستشهد في كتابه "الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية" بأبيات من الشعر الشعبي كان يتغنّى بها شباب "القاعدة" فيقول:

"وكم كان يثلج صدورنا سماع أولئك الشباب وهم ينشدون من فوق رُبَى جبال الهندكوش وهم يرمون بأبصارهم صوب نجد والحجاز وتهامة ويقولون…

"يا عرب يا عجم يا ترك يا بربر يا حماة العقيدة دينكم واحد

والعمالة من الحكام والعسكر تمنع اللّي صحى لا ينبه الراقد

من دعا للخلاعة عندهم يشكر مذهب الكفر لا ناقص ولا زايد

من تجرا وقال الحق في المنبر قالوا إنّه عدوّ الشّعب والقائد

والطواغيت ولّى حكمهم وأدبر راح وقت العمالة والله الشاهد"

الكواشف الجليّة صـ207.

كما ينقل أبو محمد المقدسي أيضاً عن أحدهم قصيدة بالشعر الشعبي تخلط القيم البدوية بالحماسة الدينية فيقول:

"يزعُمون المراجل عقول البهايم وأضحت عِداها اتحكِّم قوانينها

أفسدوا جيلهم واخذوهم غنايم وأحكمت في وطنّا خنازيرها

واوجودي على أهل الدّين والعزايم بسيوفٍ نقتِّل فراعينها

يا الله يلي على العرش عالي ودايم تذهب الكفر واللّي على دينها"

المصدر السابق صـ15.

كما يستشهد بنشوة بقصيدة موغلة في قيم البداوة حين يقول:

"يا حيف يا عتبان نجد المناعير يرمالكم حب سوات الدجاج"

المصدر السابق صـ194.

ويكتب أحد عناصر هذا التنظيم في أحد المواقع الأصولية على شبكة الإنترنت قصيدة عمرو بن كلثوم الجاهلية والمليئة بالسيئ من القيم البدوية والجاهلية المحضة ويعدل شيئاً من أبياتها لتناسب خطاب القاعدة في هذا الزمان فيقول:

"فأمريكا من الدين استطاشت ومن ركن الجهاد بها جنونا

وحاربتِ الجهاد بكل أرضٍ وقد صار الطغاة لها عيونا

وسيّدِ معشرٍ قد توّجوهُ بتاج الملك يحمي المحجرينا

تركنا الخيل عاكفةً عليهِ مقلّدَةً أعنّتها صفونا

ألا لايجهلنْ أحدٌ علينا فنجهلُ فوقَ جهلِ الجاهلينا

فهل حُدِّثتَ في أهلِ الجزيرة بنقصٍ في خُطُوبِ الأولينا؟

وقد علم القبائلُ من معدٍّ إذا قُبَبٌ بأبطحها بُنِينا

بأنـّا الـمُطعِمون إذا قدرنا وأنـّا الـمُهلِكون إذا ابتُلينا

وأنـّا المانعون لما أردنا وأنـّا النازلون بحيث شينا

فلاترجون في استشهادِ قومٍ من الأبرارِ أنـّا قد فنينا

كتركي الدندني والشيخ يوسف وباقي الركبِ ركبِ المخلصينا".

وحين يحاول صالح العوفي أحد قادة "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" والذي قتل في مواجهة مع رجال الأمن بالمدينة النبوية، حين يحاول مخاطبة والدته فإنه لا يجد أفضل من الشعر الشعبي الذي يحمل بطبيعته موضوع بحثنا، وقصائد العوفي محشوة بمعاني وقيم فيها الديني وفيها البدوي وفيها السياسي وغير ذلك، ولكنني أنتقي هنا بعض ما يخص البحث، ومن ذلك قوله لأمه:

تصبري يمه ولو صار ما صار/ صبرك على الاقدار غالي ثوابه

والله اللي يشهد ما وطت رجلي العار/ لا ني ولد لاش ولا ني زلابه

خوالي الاحرار من ظهر الانصار/ ماتسكن بقلبي ذرة مهابه.

فهو يؤكد هنا أن رجله لم تطأ العار، ولم يقل الحرام مثلاً، ثم يقول: لاني ولد لاشٍ واللاش في اللهجة العامية يقصد به الرجل ضعيف النسب والعزيمة، وهذا طعن في الأحساب نهت عنه الشريعة وأباحته القيم البدوية، كما أنّ العوفي يتفاخر بنسب أخواله الأحرار من ظهر الأنصار، وفي قصيدته الأخرى طعن صريح في أنساب بعض الأسر النجدية العريقة، فجمع الفخر بالأحساب مع الطعن في الأنساب في مخالفة صريحة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة"، وهو يدعي أنه يسير على منهج الرسول ويتبع طريقته!

وقد عرضت قناة الجزيرة عدداً من أفراد تنظيم "القاعدة" في أفغانستان قبل الغزو الأميركي لأفغانستان بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهم يرددون بعض القصائد الشعبية المحملة بالقيم البدوية مع إجراء تعديلات تحاول إلباسها غلافاً يتناسب مع طرحها الديني الغالي، وحاول قائد تنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن بنفسه استخدام هذه القيم واستثارتها في عدد من خطاباته التي وجّهها مباشرة لقبائل عربية تعيش في السعودية يسميها بأسمائها.

وأخيراً ففي اللقاء التلفزيوني الذي بثه التلفزيون السعودي مع بعض عناصر "القاعدة" في السعودية بتاريخ 7/8/1425هـ قال عبدالرحمن الرشود: "إذا جاء ابن عمّك واستفزع بك فلو كانت حياتك لفديته بها"، وفي هذا تأكيد على تغلغل هذه القيم في نسيج هذا التنظيم وتأثير مفرداتها ومفاهيمها كـ"الفزعة" وغيرها على تحركاتهم وعملياتهم، بعيداً عن روح الشريعة ولحوقاً بالشاعر الجاهلي الذي يقول:

لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا

كما أن القيم البدوية بوجهها القبيح والعنيف وصلت لتنظيم "القاعدة"، وبأمثلة موجزة، فإن تربية الجِمال لم تزل في أتباع جهيمان العتيبي ودعوته، والعنف والقسوة والقتل والنهب حاضرة بقوة في عمليات تنظيم "القاعدة" في كل مكانٍ استطاعت العمل فيه، والطعن في الأنساب والفخر بالأحساب موجودان بوضوح في قصائد العوفي السابقة، كما استخدم ما يقاربها أسامة بن لادن في استثارته للقبائل في المملكة العربية السعودية كما تقدم.

بالرغم من كل ما تقدم، إلا أنه سيبقى في قيم البداوة دائماً وجه مشرق جميل تنبغي المحافظة عليه وتنميته وتمجيده حتى يظل راسخاً برغم هذا الانحراف في بعض هذه القيم، ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها!

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-3-9-2007