هل تُعيد الأوبئة كتابة التاريخ؟!

 

 

د. أكمل عبد الحكيم

 

 

في نهاية الأسبوع الماضي، صدر التقرير السنوي لمنظمة الصحة العالمية بعنوان: "مستقبل أكثر أمناً: الأمن الصحي الدولي في القرن الحادي والعشرين" (A safer future: global public health security in the 21st century).

وتدور خلاصة تقرير هذا العام حول التحذير من واقع مقلق، ومستقبل مخيف، بسبب انتشار أوبئة الأمراض المعدية في العديد من مناطق العالم بسرعة هائلة، وعلى نطاقات واسعة، وبشكل غير مسبوق من ذي قبل.

هذا التحذير تم بناؤه على عدة حقائق وملاحظات، منها:

أولاً) أن أنواعاً جديدة تماماً من الأمراض المُعدية، أصبحت ومنذ عقد السبعينات، تظهر بمعدل مرض جديد كل عام. فمنذ ذلك التاريخ، ظهر 39 مرضاً جديداً لم يعرفها الطب من قبل، مثل الأيدز، والسارس، وأنفلونزا الطيور، والإيبولا، وفيروسيْ الماربرج (Marburg)، والنيبا (Nipah) الذي يسبب التهاباً حاداً في المخ، وغيرها.

ثانياً) في الأعوام الخمسة الأخيرة فقط، وقع أكثر من 1100 وباء في مناطق العالم المختلفة، بعضها من أمراض قديمة مثل الكوليرا وشلل الأطفال، والبعض الآخر من أمراض جديدة مثل السارس وأنفلونزا الطيور. وهذا الاتجاه يشهد تزايداً ملحوظاً في وتيرته، إلى درجة أنه في الفترة ما بين سبتمبر عام 2003 وسبتمبر عام 2006 وحدها، تم تسجيل 685 حادثة من النوع الذي يوصف بأنه يشكل تهديداً للأمن الصحي العالمي.

ثالثاً) في الربع الأخير من القرن الماضي، شهدت بعض الأمراض القديمة، مثل الحمى الصفراء والتهاب أغشية المخ الوبائي والكوليرا، عودة قوية، وانتشاراً متزايداً، بعد أن اعتقد الإنسان لوهلة أنه تمكن من حصارها وقهرها.

رابعاً) في ظل الإحصائيات الدولية التي تظهر أن أكثر من ملياريْ شخص يسافرون سنوياً باستخدام الطائرات، يتوقع أن تنتقل الأمراض والأوبئة بين دول ومناطق العالم المختلفة بسهولة، وبسرعة غير مسبوقة في التاريخ.

خامساً) تظهر الدراسات والأبحاث الطبية، الواحدة تلو الأخرى، تزايد فقدان العقاقير الطبية والمضادات الحيوية لفعاليتها ضد الميكروبات، وخصوصاً ميكروب السل الذي أصبح مقاوماً لمجموعة واسعة من العقاقير.

ولكن أمام هذه القائمة المتزايدة عاماً بعد عام من الأمراض المعدية والأوبئة المرعبة، أيها يحمل في طياته خطراً أعظم، وتهديداً أكبر لأفراد الجنس البشري؟ في محاولة إجابة هذا السؤال، يمكن أن نخص بالذكر ستة أمراض، ثلاثة من العالم الجديد، وثلاثة من العالم القديم.

أول هذه الأمراض هو "السارس"، الذي ظهر فجأة في عام 2003، ليسبب موجة من الرعب الدولي لم يعهدها البشر من قبل. فبسبب طبيعة هذا المرض، والتي تتميز بمرور عدة أيام قبل ظهور الأعراض، وتسببه في نسبة عالية من الوفيات، أدرك المجتمع الطبي قدرته على التسبب في أوبئة سريعة الانتشار تحصد حياة الكثيرين.

ولكن لحسن الحظ، لم يكن الفيروس المسبب للسارس سريع العدوى كما كان يعتقد في البداية، مما أدى لانحسار المرض في غضون شهور قليلة، وإن كان قد تمكن في هذه الفترة القصيرة من قتل المئات من الأشخاص  والمرض الآخر الذي يقبع حالياً كالسيف المسلط على أعناق أفراد الجنس البشري، هو إنفلونزا الطيور.

فعلى رغم أن سلالة الفيروس الموجودة حالياً تتميز بنسبة عالية من الوفيات، إلا أنها لا يمكن أن تنتقل من شخص إلى آخر، وإنما تصيب فقط الأشخاص الذين يعملون أو يعيشون على مقربة شديدة من الطيور الحية.

وما يخشاه العلماء أن يشهد هذا الفيروس طفرة وراثية، تمكنه من الانتقال من شخص إلى آخر، وهو أمر، إن حدث، فسيؤثر على أكثر من مليار ونصف مليار إنسان، أو ربع أفراد الجنس البشري، وربما يقتل حينها عشرات الملايين منهم.

والمرشح الثالث في قائمة الرعب هذه، هي مجموعة الأمراض المعروفة بأمراض الحمى النزيفية، وتتضمن أمراضاً مثل الإيبولا، والماربرج، وحمى الضنك  وهذه المجموعة أثارت الرعب العالمي في منتصف عقد التسعينات، عندما تنبأ الكثيرون بأنها ستنتشر حول العالم انتشار النار في الهشيم، بسبب تزايد حركة السفر بين الدول والقارات. وخصوصاً بسبب طبيعة هذه الأمراض التي تتميز بظهور أعراضها بسرعة كبيرة، وبنسبة عالية من الوفيات بين المصابين، تصل أحياناً إلى تسعين في المئة.

ولكن لحسن الحظ، فنفس هذه الخصائص، المتمثلة في سرعة المرض والوفاة، هي بالتحديد التي منعت هذه الأمراض من الانتشار على نطاق واسع  أما بالنسبة للأمراض القديمة، مثل الملاريا والسل والكوليرا، فيكفي أن نذكر أن الملاريا تقتل ما بين مليون إلى ثلاثة ملايين شخص سنوياً، بينما يقتل السل أكثر من مليون ونصف مليون شخص سنوياً، خصوصا بين المصابين بفيروس الأيدز.

وبخصوص الكوليرا، فعلى رغم أنها شهدت تراجعاً في القرن الماضي، إلا أنها عادت للظهور مرة أخرى في العقود الأخيرة، لتقتل مع الدوسنتاريا خمسين ألف شخص في مخيم واحد للاجئين الفارين من أزمة رواندا.

وأمام هذا السيل المنهمر من الأمراض الجديدة، مع العودة القوية للأمراض القديمة، يبقى الأمل الوحيد متمثلاً في زيادة التعاون الدولي لمكافحة هذه الأوبئة، من خلال تبادل المعلومات الصحية والمشاركة في المهارات والتكنولوجيا الطبية الحديثة.

فمثلاً من خلال تبادل المعلومات الوراثية لفيروس أنفلونزا الطيور الذي يستوطن حالياً في بعض الدول، يمكن تطوير لقاحات توفر قدراً كبيراً من الوقاية للبشرية عامة. أما من غير هذا التعاون والتبادل والمشاركة، فستعيد الأوبئة المرَضية كتابة التاريخ البشري مرة أخرى، وبثمن فادح سيدفعه كل من الاقتصاد الدولي والأمن العالمي معاً.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-27-8-2007