من أجل مجتمع عراقي جديد...

 

 

 سيف الدين كاطع

 

 

التحديث والإصلاح.. الضرورة الأولى

يواجه المجتمع العراقي اليوم تحديات كبيرة، بسبب الاوضاع السلبية المتلاحقة التي تتوالى عليه، والتي تتمثل بكثرة مواقع الاعاقة والفشل والاخفاق في تنمية وتصعيد وتائر البناء والتأهيل المجتمعي والمؤسساتي التي من شأنها ان تسهم في صناعة حاضر قوي، يشكل مقدمات رصينة لمستقبل متحرك وحيوي، يسعى الى ترجمة آمال العراقيين ويرسخ فيهم القيم الطليعية وروح المنطلقات المستقبلية الحافلة بالمبادئ الانسانية التي تشترك مع الشريك الحضاري الاخر في صنع الاستقرار الاجتماعي وادامته في عالمنا المعاصر..

ولعلنا ندرك ونحن نتصدى الى مسألة التحديات هذه، ان ثمة تحديا اكبر سيرافقنا بالموازاة والتصاعد لمجمل ما نعانيه هذه الايام من مشكلات في جميع امور الحياة.. ويتجسد هذا الخطر في عدم مواكبتنا جميع ممكنات العصر الذي نعيش فيه ومعرفة واستمكان حيثياته، التي تتمثل واقعياً واعلامياً ونظرياً بعصر العولمة، الذي اخذ في الاتساع والتأثير على نحو مباشر وغير مباشر، لاسيما في مواجهة جميع الانظمة والمعايير والافكار التقليدية المتخلفة ومحاصرتها وتدميرها ومن ثم تطبيعها او تطويعها للسير في طريق الاصلاح الشامل المستمر وبناء الدولة الديمقراطية المدنية التي تقوم على التعددية واحترام حقوق الانسان.

وعلى الرغم من ان الاصلاح والتحديث يأتي في مقدمة اولويات التغيير والتنمية من قبل القوى الاجتماعية المتحركة، الا ان المجتمعات العربية ومنها المجتمع العراقي، مازالت راكدة في كثير من الجوانب، ليس قياساً او مقارنة مع مجتمعات الدول الصناعية الكبرى، وانما بالنسبة الى مجتمعات دول شرق آسيا السائرة باتجاه التطور والتنمية الملحوظة، وهذا ما يظهر للعيان والمراقبة في اكثر من مشهد وصعيد، وبخاصة في بناء اسس الدولة الحديثة ونشر الديمقراطية واحترام حقوق الانسان.

ان الاصلاح والتحديث في المجتمعات العربية يحتاج الى جهود كبيرة تتجاوز الاطر التقليدية الراكدة للدخول في عصر الحداثة والعولمة التي هي بحاجة ماسة وضرورية لذلك، وخاصة اذا ارادت هذه المجتمعات ان تتقدم في مضمار العلم والتقنية وتحديث المجتمع.

فالتحديث ليس مجرد تغيير من حال الى اخرى، وانما هو صيرورة تاريخية واجتماعية مستمرة لا حدود لها ولايمكن ايقافها عند درجة من درجات التطور والتقدم ولاتتعلق ايضا بتبلور العلم والتقنية والشؤون الاقتصادية والسياسية فحسب، بل تتعلق بنظرة الانسان الى نفسه والى الاخر والى الكون والحياة، وكذلك الى مكانته فيه وعلاقته بمنظومة القيم والمعايير وطرائق التفكير والعمل والسلوك وما يتصل بحياة الانسان في الزمان والمكان.

كما ان التحديث يتجاوز القيم والمعارف والتقنيات وفلسفته تسعى الى اعادة تشكيل الانسان الجديد، من جهة انه مفهوم تنويري يخرج الانسان من قصوره الذي اقترفه بحق نفسه كما يقول(كانت) هذا القصور الذي نتج من عجزه عن استخدام عقله الا بتوجيه من انسان آخر، لان الذنب في هذا القصور يقع على الانسان ذاته الذي لايفتقر الى العقل وانما الى العزم والشجاعة اللذين يحفزانه على استخدام عقله بغير توجيه من انسان اخر، هذه المبادئ العقلانية التنويرية هي التي قادت اوروبا الى التقدم العلمي والتقني والاقتصادي والاجتماعي وهي مبادئ انسانية عالمية وليست اوروبية، حتى لو كان الاوربيون قد سبقوا الدول الاخرى في تطبيقها، بعد ان توافرت عندهم ظروفها وشروطها الموضوعية، فقط بنور العقل نهضت اوروبا وتقدمت، ولم تتساءل من اين أتى الاصلاح والتحديث، من الخارج ام من الداخل..المهم هو ان يحدث اصلاح وتنمية وتحديث في جميع مرافق الحياة، لانه الطريق الوحيد للتقدم الاجتماعي والدخول في الحداثة.

اما رفض الاصلاح والتحديث، فهو رفض لجوهر الحداثة وقيم التقدم والحرية والمساواة الاجتماعية، كما ان الخوف من الاصلاح، هو خوف من الحداثة ذاتها اي خوف من التنوير والتغيير والتقدم ومن شأن هذا ان يدخل الفكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي العربي في مأزق يكشف تخلفه وعجزه وغربته عن العصر الذي يعيش فيه.

صحيح، ان عقوداً من الزمن توالت على هذه المجتمعات، تتسم بالاستبداد والاستعباد، لم يذق فيها الانسان طعم الحرية الحقيقية، لقد تعود الناس على طعم الديكتاتورية، وبالتالي فان الحرية امر يصعب تحقيقه في نفوس بشرية تشربت بالاستبداد، وهذا يعني عدم وجود التفاعل مع دواعي التحديث والاصلاح لان التراكمات قد حولت الفرد الى كائن مستعبد، متوتر بالخوف، يعيش الانعزال ويقتات الطاعة المطلقة.

لكن حركة المجتمع، تعتمد اساساً على وجود الانسان المفكر والمبادر وكذلك على  الجماعة الطليعية المنغمسة اصلا بمبادئ التقدم والتطور التي في ظلها ينمو التأثير ويعم وتنشأ حركة بناء وتأهيل مستمرة، فمن دون الفرد الفاعل والجماعة المؤثرة تتوقف عجلة الحياة ويصيب العوق النمو والتكامل الاجتماعي.

ان حركة التحديث الفعالة تبدأ عبر اعادة بناء المؤسسات بجميع اشكالها وتحويلها الى مؤسسات تعتمد بشكل اساسي على المشاركة الشعبية بالمعنى الحقيقي للمشاركة، بأن يصبح الفرد جزءاً فاعلاً من حركة القرار والفعل والتأثير، كما ان السعي الى ضرورة ترسيخ مبدأ التعددية، كمبدأ ومنطلق لتنافس والكفاءات، هو اساسي من اجل رفد المؤسسات بالوجود الحقيقي الفاعل بالطاقات المؤهلة، خصوصاً عندما تصبح كفاءة الفرد وانتاجيته المحك الرئيس للتفاضل.

وهذا لا يتحقق الا بعد تحديث الافكار والتحول الى رؤى جديدة تفتح آفاقاً اخرى لعوالم خارج الاطر المتبعة، وهذا يمكن من رؤية الاخرين عبر عيون جديدة، فالتحديث الفكري يمكن ان يقودنا الى فهم افكار الاخرين من خلال ايجاد التقارب النفسي اولا، وازالة الحواجز ومحاولة دراسة آرائهم بموضوعية، واستبعاد روح التحيز التي تحكم ذواتنا بتعصب مفرط.. التحديث لايتم الا عبر اصلاح العقول التي صدئت من انغلاقها على نفسها، ورفضت الانفتاح على الاخرين، كما ان التحديث لايتم الا عبر اصلاح الانفس التي تمزقت بالحقد والتعصب الاعمى والتطرف الجارف السلبي الذي يعتمد الالغاء والتهميش للطرف الاخر ورأيه وحقوقه ووجوده.

وفي هذا الاطار، يمكن للعراقيين ان يستغلوا الفرصة التاريخية والوقت ايضا، في محاولة واسعة وعميقة على تنمية الحوار المتبادل والمسؤول بين مختلف فئاتهم وحركاتهم وانتماءاتهم واتجاهاتهم وعلى نحو موضوعي، يستمع فيه الجميع الى بعضهم البعض بوضوح وتفهم وهذا من شأنه ان يؤدي الى ايجاد قنوات مشتركة تحقق التفاعل الاجتماعي والوطني الحيوي وترسم معالم الاصلاح والتحديث والتأهيل بشكل طبيعي مستمر، وتنشئ اسساً متجذرة من التماسك والتلاحم والوحدة.

وعليه، فيمكننا ان نرى مستقبلا ناجحا في هذا المسار، اذ ان اكبر دعم لمشروع الاصلاح والتحديث في العراق، لابد ان يقوم على مبدأ انهاء العمل بنظام الامتيازات والمحاصصات وعدم تسييس القرار الاداري والاقتصادي واعتماد المساواة وتكافؤ الفرص، عوضا عن المعايير والاساليب التي كانت سائدة والتي استفحلت واصبحت مشكلة حقيقية في تنمية البناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، بل اصبحت هي المسؤولة عن الفشل الذريع الذي اصاب مؤسساتنا الصناعية والخدمية والتعليمية والقضائية.

كما ان مشروع الاصلاح والتحديث في مجتمعنا يحتاج الى توفير جميع العوامل والامكانات لكي ينمو وينجح، باعتباره الضمانة الاكيدة لمستقبل هذا الوطن، وذلك من خلال مختلف صور الدعم والمساندة اللازمة له، عن طريق منح الفرصة للقوى الوطنية الكفوءة والفاعلة والحية المؤثرة في مفاصل المجتمع، كي تأخذ دورها الواضح والكبير الى جانب التيارات والحركات والجمعيات والرموز الوطنية المؤثرة في تنمية مسارات المستقبل واحياء روابط الحاضر وترسيخ ملامح الحس الوطني والمجتمعي السليم..

واخيراً، فان الدخول الى عصر الحداثة اصبح خياراً لا رجعة عنه، من يتخلف عن هذا الخيار، يفوته القطار ويصبح مهمشاً وربما يخرج من التاريخ، لان التغيير والاصلاح والتحديث ستدخل المجتمعات ليس من ابوابها الخلفية كما كان يحدث في السابق، وانما من اوسع ابوابها، وتصبح ممارسة لتغيير انماط الحياة وطرائق التفكير والعمل والسلوك بما ينسجم وروح العصر وتكون بالتالي القدرة على مواجهة التحديات التي تفرضها العولمة وثورة المعلومات الالكترونية والسيطرة على الوجود وتحويل الامكانات المتاحة الى قوة ديناميكية مبدعة نستطيع التحكم بآلياتها المتعددة.

فالحداثة ليست وهماً، وانما هي مشاركة وتفاعل وانتاج واعادة انتاج وابداع يقوم على ممارسة الحرية والتعددية والعدالة الاجتماعية التي من الممكن ان توفر فرصاً اكبر واوسع لتحقيق سعادة الانسان، انسان عراقنا الجديد.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: جريدة الصباح