الحزب الوهابي دعوة إصلاحية أم حركة إنحرافية؟

-1-

 

 

علاء الزيدي

 

 

كلمة لابـُد َّ منها

هذه السطور، كانت في الأصل، كـُتيـِّبا ً نـُشر منتصف الثمانينات من القرن الماضي، تحت العنوان نفسه، ولكن باسمي الصحفي المستعار (عبد الله الحسيني) الذي عـُرِفت ُ به منذ بداية عملي كمحرر في مجلة " صوت الخليج " الكويتية منتصف العام 1981، واستمررت في الاشتهار به على صفحات المطبوعات العراقية المهاجرة طوال الفترات اللاحقة، ثم أنهيت استخدامه وأعلنت اسمي الحقيقي للمرة الأولى في صحيفة (مجلة)  " الشهيد "، عقب اندلاع الانتفاضة الشعبانية في العراق، في آذار العام 1991 .

إعادة نشر هذه السطور، مع تنقيحات وإضافات،  تأتي بهدف المزيد من تسليط الضوء على الحزب الوهابي الغامض، بخاصة ٍ وهو يخوض معنا نحن العراقيين حربا ً طاحنة، على أكثر من صعيد، منذ عشرات السنين، توّجها بابتعاث الآلاف من أتباعه إلى بلادنا لتفجير أنفسهم بين مدنيينا، وإثارة الفتنة الطائفية بين المكونات المختلفة لشعبنا، بالإضافة إلى مسؤوليته المباشرة عن  هدم وتخريب مرقد الإمامين العسكريين في سامراء وعشرات العتبات ودور العبادة الأخرى، وفتاوى أقطابه وزعمائه الحاثـّة على هدم وتخريب مرقد الإمام الحسين في كربلاء، ومانجمت وتنجم عن هذه الأعمال من فتن ومواجهات تنهك العراق وتوقف تقدمه .

المقدمة:

الظاهرة الوهابية، ليست جديدة تماما ُ، وقد كـُتب حولها الكثير  إلا ّ أن المجزرة التي حدثت في مكة المكرمة خلال موسم الحج للعام الهجري 1407، دفعتها إلى حيـّز الشهرة والأضواء، كظاهرة غير عابئة بأية قيمة وحرمة، حتى لو كانت حرمة دماء الحجيج في الشهر الحرام والبلد الحرام .

وكانت هذه الأوراق، عبارة عن دراسة متسلسلة نشرتها صحيفة " العمل الإسلامي " عقب المجرة المذكورة على مدى عام كامل، إسهاما ً من الصحيفة في تكريم ذكرى الحجاج الشهداء، وتعرية الظاهرة الوهابية على حقيقتها امام الرأي العام، الذي يجهل ظروف نشأتها، وكيفية تكوّنها، وتاريخ أقطابها ودعاتها، وأهدافها ومراميها .

وقد أدّت هذه الدراسة وماشابهها من دراسات سطـّرها الكتـّاب الأحرار هنا وهناك وهنالك، دورها هذا إلى حدٍّ كبير، ماحدا بنا إلى التفكير بإصدارها مجدّدا ً، على شكل كتاب، لكي تكون في متناول المهتمين بالظاهرة الوهابية، متى شاؤوا .

وتكتسب هذه الدراسة وغيرها من الدراسات التي أخضعت الظاهرة الوهابية للبحث والدرس أهمية كبيرة، خصوصا ً بعد أن اضطرت، هي ومثيلاتها، الملك السعودي ( السابق ) فهد إلى محاولة التنصل من الوهابية، خلال كلمته أمام مؤتمر وزراء إعلام الدول الإسلامية ( جدّة : 11/11/1988 ) إذ قال بالحرف الواحد : " ليس هناك شيء اسمه وهابية، وإننا لانستحسن أبدا ً أن ينعتنا أحد بالوهابيين " ومردّ هذه الأهمية أمران :

الأول : إن ّ محاولة الملك السعودي ( السابق) التنصـّل من أيديولوجية بلاده الرسمية ناشئة عن السمعة السيئة لها، هذه السمعة التي خلقتها هذه الدراسة ومثيلاتها، ليس من العدم طبعا ً، بل لاتعدو محاولة هذه الدراسات أن تكون إماطة للثام عن وجه أيديولوجي متخلف وكريه، منذ نشاته، ليس غير .

والثاني : وصف الملك ( السابق) فهد لجرائم الوهابيين الأوائل بأنها " أعمال جليلة " إذ قال في الكلمة نفسها: "أردت أن أوضح مثل هذا الأمر حتى نـُعفى من كلمة وهابيين، لأننا إذا تركناها بدون إيضاح فربما يعتقد أحد أننا نريد ذلك الشيء ... وآباؤنا وأجدادنا أدّوا مااستطاعوا أن يؤدّوه من أعمال جليلة " .

إنّ إصدار هذه الدراسة على هيئة كتاب مستقل، هي محاولة أخرى لكشف النقاب عن جوانب من " الأعمال الجليلة " للرعيل الأول من الوهابيين !

وفي الختام، ينبغي التأكيد على أن هذه الدراسة هي إلى الإعداد أقرب منها إلى التأليف، ذلك لأنها اعتمدت على آراء المفكرين والعلماء، أكثر من اعتمادها على آرائي ككاتب ٍ صحفي ٍّ مبتدىء .

27 ربيع الثاني 1409

الفصل الأول: جذور شجرة الزئبق

الحزب الوهابي، تركيبة دينية – زمنية، تنحدر من تحالف بين قبيلتين، هما قبيلتا آل سعود وآل الشيخ (أي آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب) . وللإحاطة بجذور وبدايات هذا الحزب الديني – الدنيوي، لامفر ّ من مراجعة تاريخ كل ٍّ من القبيلتين، بالإضافة إلى تاريخ وسيرة محمد بن عبد الوهاب نفسه .

قيل عن محمد بن الوهاب أنـّه : محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن بعضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علي بن وهيب التميمي .( 1)

لكن ثمة الكثير من الشكوك التي تحوم حول نسب الرجل، وهناك من ينفي جازما ً أن يكون المذكور من تميم، ويؤكد أنه ليس عربيا، ولم يولد في عائلة عريقة في إسلامها .

ويؤكد بعض الشيوخ النجديين وكذلك التاريخ الشفاهي في البادية  وعدد من المصادر المتوفرة أن محمد بن الوهاب ينحدر من عائلة من يهود الدونمة في تركيا، وأن جده الأعلى كان يسمى شولمان أو سليمان، وقد خرج من بلدة تركية اسمها بورسا، وكان اسمه الكامل شولمان قربوزي (لا قرقوزي كما شاع )  وتعني كلمة " قربوز" بالتركية البطيخ الأصفر، مثلما تـُسمـّى أيضا ً بالفارسية " خـَربـُزِه " ( Kharbuzeh) .

ويبدو أن شولمان قربوزي كان تاجرا ً معروفا ً للبطيخ في بلدة بورسا التركية (2) ولعل من سخريات القدر أن يخرج من صلب تاجر البطيخ اليهودي رجل يتاجر بالدين الإسلامي كمحمد بن عبد الوهاب !

خرج شولمان تاجر البطيخ من بلدته متوجـّها ً إلى بلاد الشام بمعية زوجته، وهناك استوطن إحدى ضواحي دمشق وغيـّر اسمه إلى سليمان، وتظاهر باعتناق الإسلام، ليتاجر به بدلا ً من البطيخ، على حدّ تعبير المناضل المرحوم ناصر السعيد، في سـِفره القيـّم " تاريخ آل سعود " .

لكن ّ أهالي الشام اكتشفوا حقيقة شولمان ووقفوا على أهدافه، فرفضوا تجارته وربطوا قدميه وضربوه ضربا ً مبرحا ً .

وبعد عشرة أيام، هرب إلى مصر، ولم تمض مدة وجيزة، حتى طرده أهالي مصر، فسافر إلى الحجاز واستقر ّ في مكة المكرمة، بيد أن أهلها طردوه أيضا ً، فذهب إلى المدينة المنورة، لكن أهلها الذين بلغتهم أنباؤه والشكوك التي تساور الناس حول أصله ومعتقداته الحقيقية أخرجوه منها أيضا ً .

كل ّ ذلك تم ّ خلال فترة لاتتجاوز الأربع سنوات، فغادر إلى نجد واستقر في بلدة تـُسمـّى العيينة، وهناك وجد مجالا ً خصبا ً للتحرّك، فحط ّ الرحال ثمـّة إلى الأبد، بسبب الجهل المطبق المهيمن على البادية، والذي يهيـّىء الأجواء لانتشار أي فكر وأية دعوة .

وفي العيينة، استطاع شولمان أن يخدع البدو ويقنعهم بأنه من ربيعة، وأن والده اصطحبه وهو صغير إلى بلاد المغرب . وفي العيينة أيضا ً أنجب شولمان قربوزي ولدا ً أسماه عبد الوهاب بن سليمان، وأنجب عبد الوهاب هذا ابنه محمدا ً الذي كان أمينا ً تماما ً على فكر وتوجـّهات ومعتقدات جده .

ويبدو أن جذور الحزب الوهابي الغامض تمتد إلى هذا الرجل الزئبقي (شولمان قربوزي) بالذات، خلافا ً لما هو متصوَّر من أن حفيده محمد هو رافع لوائه .

ذلك لأن وضع شولمان الغريب وتنقلاته يشيان بأكثر من دلالة بالدور الموكل إليه في مجال تفتيت الإسلام من الداخل، على يد حفيده الذي لم تبدأ أفكاره وسلوكياته ونشاطاته من فراغ .

..............................................

المصادر:

( 1 ) كشف الإرتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب، السيد محسن الأمين، ط5،  بيروت، ص3 .

( 2 ) آل سعود من أين وإلى أين، ص 11، نقلا ً عن تاريخ آل سعود لناصر سعيد .

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: المثقف السياسي-5-8-2007