التلوث البيئي: آثار سلبية على صحة الأطفال

 

 

د. أكمل عبد الحكيم

 

 

من المعروف أن الظروف البيئية تلعب دوراً مهماً في مستويات الصحة، وفي معدلات الأمراض. كما أنها تؤثر تأثيراً بالغاً في متوسط العمر، وفي أسباب الوفيات بين أفراد الجنس البشري. ولذا نجد أن مجال الصحة البيئية (Environmental Health)، يُعنَى بالبحث في النظريات والممارسات المتعلقة بتقدير العوامل البيئية التي يمكن أن تؤثر سلباً على صحة الأجيال الحالية والمستقبلية، مع التركيز على كيفية التحكم فيها، ومحاولة تصحيح اختلالاتها التي تظهر على شكل تلوثات وتسممات بيئية.

وتتضمن هذه العوامل وأشكال اختلالاتها كلاً من سوء التغذية، وتلوث التربة، وتلوث الماء، وتلوث الهواء، بالإضافة إلى التلوث الصوتي والضوئي، وسبل التخلص من القمامة والنفايات الناتجة عن النشاطات الإنسانية.

وكثيراً ما تتضافر هذه العوامل، لتنتج تأثيراً أكثر وقعاً وسلبية على الصحة، مقارنة بالتأثير الأحادي لأي منهما وأفضل مثال على هذا المفهوم، هو نتائج دراسة صدرت الأسبوع الماضي عن جامعة كاليفورنيا بمدينة لوس انجلوس (UCLA)، ونشرت في إحدى الدوريات العلمية الإلكترونية المعنية بالبيولوجيا الوراثية (Journal of Genome Biology).

وخلصت هذه الدراسة إلى أن الغازات والعوادم الناتجة عن وقود الديزل، تتضافر مع الدهون المسببة لتصلب وانسداد الشرايين، في رفع احتمالات الإصابة بأمراض القلب، وبقدر أكبر من تأثير كل منهما على حدة.

فمن خلال نوع من التأثير المتبادل، يؤدي هذان العاملان إلى تنشيط بعض الجينات المعروف عنها تسببها في التهابات الجدران الداخلية للشرايين وهو ما يدعم الملاحظة الإكلينيكة المعروفة، بأن التعرض للملوثات الهوائية، وخصوصاً لدى الأشخاص ذوي مستويات الدهون المرتفعة في الدم، يزيد من خطر الوفاة بسبب أمراض الشرايين، مثل الذبحة الصدرية والسكتة الدماغية.

لكن ما هو تأثير التلوثات البيئية على صحة الأطفال بالتحديد؟ أو بشكل آخر، هل يمكن أن نفترض أن الآثار السلبية للتلوثات البيئية في البالغين، تعادل نفس آثارها على الأطفال، مع الفارق فقط في العلاقة بين الجرعة والوزن؟ وهل تأثير التلوث بواحد مليجرام من ملوث ما على شخص بالغ، هو نفس تأثير نصف مليجرام من نفس الملوث على طفل يبلغ وزنه نصف وزن الشخص البالغ؟ إجابات هذه الأسئلة صدرت يوم الجمعة الماضي، من خلال تقرير لمنظمة الصحة العالمية بعنوان "مبادئ تقدير المخاطر الصحية لدى الأطفال، والمرتبطة بالتعرض للملوثات الكيميائية (Principles for Evaluating Health Risks in Children Associated with Exposure to Chemicals). وخلص التقرير الذي يعد الأول من نوعه في العالم، إلى أن الوقت أو المرحلة التي يتعرض فيها الأطفال للملوثات البيئية، تحمل قدراً كبيراً من الأهمية في تحديد فداحة الآثار الصحية السلبية، تماماً مثل أهمية الجرعة أو درجة التلوث التي يتعرض لها الأطفال.

أي أن الآثار الصحية السلبية النهائية، لا تتوقف فقط على جرعة التلوث، بل أيضاً على توقيت التعرض لهذا التلوث.

فالأطفال على خلاف البالغين، يمرون بظروف بيولوجية خاصة أثناء كل مرحلة من مراحل نموهم المختلفة، مما يجعل أجسادهم تستجيب بشكل مختلف للملوثات في كل مرحلة من هذه المراحل.

ولذا فإنه من الخطأ النظر للأطفال على أنهم (بالغين صغار الحجم)، حيث تختلف العمليات البيولوجية داخل أجسادهم بشكل واضح، مقارنة بالعمليات البيولوجية التي تحدث داخل أجساد البالغين.

وهو ما يجعل الآثار الصحية السلبية لنفس الملوثات، تختلف أيضاً باختلاف وقت التعرض لها.

فمثلا يؤدي التعرض للملوثات أثناء الحمل إلى الإجهاض، أو إلى ولادة الطفل ميتاً، أو إلى ولادة طفل مبتسر أو بعيوب خلقية.

بينما إذا ما تم التعرض لتلك الملوثات في الشهور والسنوات الأولى من العمر، فإن آثارها السلبية تظهر على شكل وفاة الرضيع، أو الإصابة بالأزمة الشعبية، أو في شكل اضطرابات عصبية سلوكية، أو قصور في جهاز المناعة. وإذا ما تم التعرض للملوثات في السنوات اللاحقة من الطفولة، فتظهر حينها الآثار السلبية للملوثات في شكل وصول مبكر لمرحلة البلوغ، أو تأخر ملحوظ في الوصول إلى هذه المرحلة من النمو الطبيعي. وكثيراً ما يحمل الأطفال الآثار السلبية للتعرض للملوثات إلى مرحلة متقدمة من حياتهم، مثل زيادة احتمالات الإصابة بطائفة واسعة من الأمراض، كالأمراض السرطانية وأمراض القلب، في مرحلتي الشباب ومتوسط العمر.

وتظهر بشكل جلي فداحة الآثار السلبية للتلوث البيئي على صحة الأطفال، في ظل الأرقام والإحصائيات التي تشير إلى أن واحداً من كل خمسة أطفال في أفقر مناطق العالم، سوف يلقى حتفه قبل سن الخامسة، وذلك غالباً بسبب أحد الأمراض المتعلقة بالظروف البيئية.

فضمن الحجم الإجمالي للثمن الإنساني أو الحمل العالمي (global burden) لأمراض الطفولة جميعها، تعتبر الظروف البيئية السلبية مسؤولة عن 30% من هذا الثمن أو الحمل.

وهما الثمن والحمل اللذان تسعى منظمة الصحة العالمية إلى تقليلهما، من خلال المبادئ العلمية المقترحة في تقريرها السابق، والمتعلقة بطرق تقييم الصحة البيئية لدى الأطفال. وهي المبادئ التي من شأنها أن تعين الباحثين والمنظمات الصحية في مختلف دول ومناطق العالم، على توفير الحماية المناسبة من المخاطر البيئية، وعلى تجهيز التدخلات الضرورية لخفض الآثار السلبية -القصيرة والبعيدة المدى- للتلوثات البيئية على صحة أطفال اليوم وأجيال الغد.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-30-7-2007