الشيعة والديمقراطية

 

 

أحمد عاطف

 

 

"الشيعة والديمقراطية" عنوان دراسة هامة للصحفي سريرام شوليا (Sreeram Chaulia) محرر القضايا العالمية بصحيفة آسيا تايمز الصادرة في هونج كونج والذي يقوم بالتحضير لرسالة الدكتوراه في العلوم السياسية في جامعة سيراكوز بنيويورك، وقد نشر موقع ميدايست مونيتر مؤخرا هذد الدراسة تحت نفس العنوان.

تتناول الدراسة الموضوع من زاويته التاريخية واسقاطاته السياسية والعقائدية، حيث تضمنت تحليلا لتنامي القوة السياسية للشيعة في منطقة الشرق الأوسط واختلاف الآراء حول وجهة التغييرات التي ستشهدها المنطقة بفعل تنامي هذه القوة، فالبعض مثل المفكر والي نصر (Vali Nasr) يرى في كتابه الذي نشر في العام الماضي بعنوان "انبعاث الشيعة: كيف ستحدد الصراعات داخل الإسلام شكل المستقبل" أنها ستكون وميض الأمل للإصلاحات السياسية في المنطقة، بينما يرى البعض الآخر أن الشيعة لا يختلفون عن السنة في ميولهم التسلطية ولذا لا جدوى من الحديث عن تغيير ديمقراطي على أيديهم في المنطقة.

الاستثناء الشيعي

يتفق الكثير من المفكرين أن للمعتقد الديني تأثير على القبول بالديمقراطية والتسامح والتعامل الإيجابي مع الغير. فالهندوسية مثلا هي دين يقوم على اللا عنف ويمارس أتباعه تلك التعاليم تماما مثل دعوة المسيحية للشفقة والأحساس بالآخر وكلاهما يسهمان في تشكيل ما أسماه سريرام بـ"الثقافة السياسية الديمقراطية".

ويضيف سريرام أنه على الرغم من نظرة الغرب الى الإسلام الممارس كدين يفتقر إلى الممارسة الديمقراطية إلا أن ثمة اختلافات بين الشيعة والسنة حول الديمقراطية. ويعرض سريرام عرضا تاريخيا لنشوء الشيعة في الإسلام باعتبارهم حركة مناهضة للتسلط ويعطي مثلا على ذلك في استشهاد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب في يوم كربلاء على يد جيش يزيد بن معاوية في عام 680م وحرص الشيعة على تذكر ذلك الحدث "كمثل لمناهضة الظلم والأضطهاد".

ويقول سريرام إن السنة ينظرون إلى الشيعة باعتبارهم خارجين عن الإجماع أو ما اصطلح علية بـ الرافضة" لرفضهم الانصياع لحكم الخليفة الأموي.

ولتبيان الاستثناء الشيعي في الميل نحو التسامح والتعامل مع الآخر يورد سريرام مقتطفا من كتاب (صفات الشيعة) لمحمد بن علي ابن بابويه وهو أحد الكتب الأربعة الرئيسية التي تستند عليها تعاليم أئمة الشيعة: "يغفر المؤمن لمن ظلمه ويعطي لمن حرمه ويحسن إلى من أساء اليه ... ولا يتجاوز الحد في معاملة من يضمر الكراهية له، فإن خطأوه فليصبر حتى يجد الله له مخرجا وينتقم له. وعندما يمتلك المقدرة فعليه ألا يتجاوز في الحصول على أكثر من حقه. وأن لا ينتقم أو يتكبرأو يظلم أحدا. يجب عليه أن يكون متسامحا عندما يقع عليه الظلم.... وأن يدافع عن المظلوم ويشفق على الفقير المحروم".

يقول سريرام إن علماء الشيعة في عهد الصفويين في إيران في القرن السلبع عشر ميلادي حرصوا على تأكيد حقوق الرعية ضد الحكام وأمروا بالابتعاد عن الظلم والتسلط كما فرضوا حق مساءلة الحاكم.

ويورد دليلا على ذلك فيما قاله الملا باقر المجلسي Mulla Baqir Majlisi "إذا أظهر الملوك تواضعا وراعوا حقوق رعيتهم فإن ملكهم سيخلد، سيبقى الملك ملكا ما دام عادلا حتى وإن كفر" . ويضيف سريرام أن "نزوع الشيعة نحو مساءلة الحاكم وعدالة الحكم تؤكدها سيرة العديد من علمائهم البارزين خلال فترة الثورة الدستورية في إيران (1906-1911م) من أمثال آية الله محمد حسين النائيني، وأن المثقفين من أبناء الشيعة الذين يؤمنون بالقيم الغربية مثل سيادة الشعوب وحكم الدستور والديمقراطية الليبرالية فإنهم بذلك يشكلون امتدادا لإرث الشيعة في الإسلام".

توجهات النخبة

يشير سريرام إلى أنه على الرغم من اتسام الثقافة السياسية الشيعية بالثورة على الظلم إلا أن عدد ثوراتهم بعد القرن الثاني من تاريخ السلام كان قليلا وكان استثناءا، ويورد سريرام ما كتبه موجان مومن Moojan Momen في كتابه "مقدمة حول الشيعة في الإسلام: تاريخ ومبادىء الأثني عشرية الشيعية"، بأن "من يريد قيادة الجماهير الشيعية في ظل المعارضة القوية لهم فعليه التمسك بصبر المظلومين تماما مثلما فعل الأئمة من قبل، ولكن عندما تحين الفرصة فعلى الجماهير أن تقوم بالثورة مستلهمة روح انتفاضة الحسين".

ويضيف سريرام أن المكانة الروحية لعلماء الشيعة هي أعلى من مكانة علماء السنة الذين هم موظفون دينيون ذوي اطلاع بأمور الدين ولكنهم لا يختلفون عن بقية المسلمين.

فالشيعي ينظر الى الإمام كمجتهد لإرشاده في أمور الحياة، حتى شاه أيران نفسه – يقول سريرام نقلا عن الكاتب حامد الجار Hamid Algar – "كان يستمع بخضوع إلى إرشادات المجتهدين من العلماء". وقد اعتمد المثقفون الشيعة أيام ثورة 1906م في إيران على دعم علمائهم للحصول على تأييد ومشاركة المواطن العادي في تلك الثورة.

ويضيف سريرام أن دستور 1906م أعطى العلماء سلطة كبيرة جعلت منهم "حماة للشريعة الإسلامية" وهو ما جعلهم يميلون نحو الرجعية بعد تقدميتهم في مناهضة الحكم الملكي الطاغي.

وفي أعقاب الثورة الإيرانية بقيادة الإمام الخميني بدأت النخبة تسيطر على المفاصل الاقتصادية والسياسية للحكومة دافعة العلماء إلى الظل شيئا فشيئا. ويؤكد سريرام أنه بعد موت الإمام الخميني "لم تهتم الحكومة كثيرا بنشر الثورة الشيعية الإسلامية إلى الخارج بل ركزت اهتمامها على بناء سلطة الدولة داخليا".

وعلى الرغم من النواقص في الدستور إلا أن الشعب الإيراني شارك في الانتخابات وأدرك تأثير الديمقراطية أكثر من السنة العرب وغيرهم من مسلمي السنة الآخرين.

وضع المرأة

يقول سريرام إن وضع المرأة لدى الشيعة أفضل منه لدى السنة من حيث المساواة والحقوق الأخرى كالطلاق والميراث.

ويورد سريرام تأكيدا على ذلك فيما كتبه والي نصر من توضيح بقوله "إن الشيعة يمجدون الشخصيات النسوية الشجاعة في تاريخهم أكثر من السنة، فعلى سبيل المثال ينظرون إلى السيدة فاطمة الزهراء ابنة النبي محمد (ص) بأنها الإنسان الكامل النقاء وكذا ابنتها السيدة زينب أخت الإمام الحسين التي كانت شاهدة على استشهاده في كربلاء وحافظت على ولده "وتستلهم النساء من هذه السيرة زادا يزيدها عطاءا في مختلف المجالات.

وتشير لارا ديب (Lara Deeb) في دراستها حول العلاقات بين المرأة والرجل لدى شيعة لبنان. إلى اقتداء نساء الشيعة بمثل زينب في نشاطاتهن التطوعية الاجتماعية ومشاركتهن في تطوير مجتمعاتهن .

كما يستشهد السيد محمد حسين فضل الله وهو من أبرز أئمة الشيعة في لبنان بدور السيدة فاطمة الزهراء بقوله "كل الشهادات المتعلقة بنشاطاتها الاجتماعية والسياسية تبين أنه بإمكان المرأة الدخول في معترك الحياة الاجتماعية والثقافية، ولذا فإنه لا يوجد ما يمنع المرأة من الاجتهاد وتصبح مجتهده يتبع تقليدها الآخرون".

كما يورد سريرام قول آية الله حسين مزاهري – وهو محافظ متشدد - بأن ابنة الملا باقر مجلسي "كانت مجتهدة و عالمة دين" وامتدح ثقافتها ورجاحة عقلها. ولعل أشهر مجتهدة شيعية في العصر الراهن هي أمينة الصدر المعروفة بـ"بنت الهدى" وهي أخت الإمام العراقي الشهيد محمد باقر الصدر، حيث ألقت خطبة عصماء في عام 1979م في مسجد الإمام على في النجف عقب اعتقال أبيها تطالب الجماهير بالتظاهر والثورة وهو ما حدث فعلا حيث اضطر نظام صدام الى إطلاق سراح والدها حينها ولكن بعد عام قام النظام باغتيال بنت الهدى وأبيها.

ويجري سريرام مقارنة بين وضع المرأة المسلمة السنية في السعودية وأختها الشيعية في إيران ويقرر أن وضع الإيرانية أفضل فهي "تسوق السيارة وتنتخب وهناك نائبة لرئيس الجمهورية".

التسامح الديني و تقوية الشيعة في العراق: هل سيدعم انتشار الديمقراطية؟

يقول سريرام إن موقف السنة يختلف عن الشيعة في التسامح الديني مع الآخرين مشيرا إلى ما كتبه الصحفي ستيفن شوارتز في الويكلي ستاندرد بعنوان "لا تخافوا الشيعة: تقاليدهم تعترف بحق الأقليات لأنهم هم أنفسهم أقلية على الدوام". فهم لم يحاولوا فرض عقيدتهم على باقي المسلمين كما أنهم لم يفرضوا السيطرة الدينية على شعبهم ولم يطالبوا بتحرير الأرض من الكفرة.

يقول سريرام إن كتابا مثل والي نصر وآخرين يرون أن تقوية شيعة العراق بعد الغزو الأمريكي 2003م هي "قوة إيجابية لدمقرطة المنطقة"، لأن ذلك سينقل الحوزة العلمية إلى النجف بدلا من قم، وهو ما سيضعف من تأثير السلطة الدينية الإيرانية في المنطقة.

يقول السيد فضل الله "إذا كانت هناك حريات في العراق فسيتجه الكثير من الطلبة إلى النجف وسيضعف دور قم كمركز للدراسات"، كما يتمتع آية الله علي السيستاني في النجف بأكثر عدد من الأتباع من مختلف أنحاء العالم.

وبحسب مقالة مهدي خلاجي التي نشرها معهد دراسات الشرق الأدنى بواشنطن فإن 80% من الشيعة في العالم يتبعون المرجع الأخير السيستاني متبرعين له بما بين 500 مليون إلى 700 مليون دولار. كما يتزايد عدد الشيعة الإيرانيين أتباع السيستاني و يزداد عدد من يحول الضريبة الواجبة منهم إلى السيستاني. كما أن عزوف السيستاني عن المشاركة في الحياة السياسية ومعارضته لحصول أي من علماء الدين على وظائف حكومية يعد أمرا إيجابيا، كما أن الكثير من فتاواه تضمنت حثا لممارسة الديمقراطية والالتزام بها.

ويشير الكاتب إلى تأثير التظاهرات العراقية وخروجهم لانتخاب ممثليهم أو المطالبة بحقوقهم، على باقي المجتمعات المحيطة بهم. كما يشبه عملية التحول الديمقراطي في العراق – بالرغم من مصاعبها – بكرة الثلج المتدحرجة التي يكبر حجمها وتأثيرها بمرور الوقت.

وتجدر الإشارة إلى تصريح سابق للسيدة معصومة ابتكار (Masoumeh Ebtekar) نائبة الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي بأن الديمقراطية في العراق ستشجعنا في إيران على الانفتاح حيث ستتيح لنا رؤية طريقة مختلفة في الحكم من شيعة مثلنا".

ويرى الكاتب الإيراني عبد الكريم سوروش نفس الرؤية حول "التأثير الواسع للشيعة في العراق على الديمقراطية في إيران".

ويستعرض كاتب الدراسة تأثير الديمقراطية في العراق على الشيعة في البلدان المجاورة للعراق مثل البحرين التي تقطنها أغلبية شيعية والسعودية والكويت والباكستان.

ففي البحرين بعد مقاطعة الشيعة للانتخابات عام 2002م، اختاروا خوضها في العام 2006م، وكذا الحال بالنسبة لشيعة السعودية وعددهم 10% من السكان اشتركوا في الانتخابات البلدية المحدودة في فبراير 2005م، وفي الكويت عدد الشيعة 35% من السكان اتبعوا دعوة السيستاني للاقتراع كسبيل لتقوية الذات، كما تحالف في هذه الانتخابات التي جرت في الكويت في منتصف عام 2006م الليبراليون السنة مع الشيعة ضد مرشحي الأصوليين السنة.

وفي الباكستان فقد شكل سقوط نظام صدام "إحياء لآمال وأحلام الشيعة في العيش في سلام"، على العكس من الغالبية السنية التي كانت غاضبة وحزينة. و يبلغ نسبة الشيعة في باكستان 20% من إجمالي السكان.

إن انبعاث الشيعة أثار القلق بين عدد من السنة حول "الهلال الشيعي" الممتد من جنوب آسيا إلى لبنان، الأمر الذى ساهم في نمو الأصولية السنية، وتحت يافطة "عمالة وارتباط الشيعة بطهران والأمريكان" يجد الحكام السنة مبررات لاضطهاد الأقليات الشيعية في بلدانهم، ورد الفعل هذا من الممكن أن يؤثر سلبا على توسيع الديمقراطية في المنطقة. ولهذا  - والكلام مازال لكاتب الدراسة – فإن المفارقة تكمن في أن تقوية الشيعة سياسيا قد لا يكون بالضرورة عامل دفع إيجابي للدمقرطة بل يمكن أن يؤدي إلى المزيد من تضييق الخناق على الحريات المدنية والسياسية في البلدان ذات الأغلبية السنية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الأخبار العراقية-20-7-2007