لجنة بريطانية لدراسة العراق... مأزق على الأرض!

 

 

 

جيفري كمب

 

 

في الرابع عشر من شهر يوليو الجاري شكلت القناة الرابعة البريطانية بالتعاون مع مركز السياسة الخارجية لجنة مستقلة غير حزبية تهدف إلى دراسة الوضع في العراق وبحث سبل الخروج من الأزمة المستفحلة هناك.

وانتهت أشغال اللجنة بإعداد تقرير تضمن عدداً من التوصيات وجهت إلى الحكومة البريطانية علّها تساعدها في حلحلة الوضع العراقي المتأزم من جهة، ورسم الخطوط العريضة للتواجد العسكري البريطاني في العراق من جهة أخرى، بما في ذلك احتمالات البقاء أو الرحيل.

ويظهر من خلال نوعية ومستوى الشخصيات التي رأست اللجنة وأشرفت على إنجاز التقرير، أن توصياته تنطوي على قدر معقول من التجرد والبعد عن الاصطفاف السياسي الذي غالباً ما يطغى على التقارير الصحفية ويلهب مشاعر الرأي العام من دون إخضاع القضية (محور النقاش) للدراسة الموضوعية.

وفي هذا الإطار عقدت اللجنة مجموعة من الجلسات المتلفزة، استضافت فيها عدداً من الخبراء في العلاقات الدولية وشؤون الشرق الأوسط، حيث خلصوا إلى نتائج مشابهة لما جاء في تقرير "مجموعة دراسة العراق" الأميركية التي ترأسها كل من وزير الخارجية السابق "جيمس بيكر" والعضو السابق في الكونجرس "لي هاميلتون".

ورغم أن لجنة "مجموعة دراسة العراق" تملك تفويضاً من الكونجرس الأميركي، وهي بذلك تكتسي طابعاً رسمياً أكثر من مثيلتها البريطانية، فإن النتائج المتشابهة تقريباً والتي خلصت إليها اللجنتان، تعكس إجماع الخبراء في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، واتفاقهما معاً، على أساليب متقاربة لمواجهة المشاكل والتحديات المستعصية التي يواجهها التواجد الأنجلو أميركي في العراق.

فتقرير اللجنة البريطانية يعترف على نحو لا لبس فيه، بأنه "لم يتبق في العراق سوى خيارات مؤلمة"، لكنه يقر أيضاً بالمسؤولية الأخلاقية والقانونية التي تتحملها بريطانيا إزاء بلد شاركت في غزوه.

ومع ذلك فإن التقرير لا يدعو إلى انسحاب أحادي وغير منظم للقوات البريطانية من العراق، كما يشير إلى الخيارات المحدودة التي تملكها لندن في هذه الفترة وعلى غرار "مجموعة دراسة العراق" الأميركية، يشدد التقرير البريطاني على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي العراقية، وفي الوقت نفسه العمل على إرساء دولة فدرالية قوية.

ويتفق التقريران المستقلان، الأميركي والبريطاني، على ضرورة إشراك الدول المجاورة للعراق في حل مشاكله، فضلاً عن مواصلة الجهود الرامية إلى منع تحول العراق إلى ملاذ آمن لعناصر "القاعدة" ومنطلقاً لتنفيذ عملياتها، سواء في الداخل أو الخارج.

واللافت أيضاً أن اللجنة البريطانية تنبهت، على غرار نظيرتها الأميركية، إلى مركزية الصراع العربي الإسرائيلي ودوره الحيوي في حل المشاكل المستفحلة التي يضطرب بها الشرق الأوسط، كما دعت إلى مشاركة أكبر للمؤسسات الدولية، لاسيما الأمم المتحدة في التخفيف من حدة تلك المشاكل.

بيد أن التشابه في التوصيات النهائية التي خرج بها التقريران البريطاني والأميركي لا يعني غياب اختلافات طالت بعض النقاط.

فخلافاً لـ"مجموعة دراسة العراق" وإدارة الرئيس بوش اللتين تتحفظان على مسألة تحديد جدول زمني لانسحاب القوات الأميركية من العراق وإصرار اللجنة الأميركية على حصر المهام الموكلة إلى القوات الأميركية في التدريب وإعداد عناصر الجيش والشرطة العراقيين، ترى اللجنة البريطانية المستقلة أن "على المملكة المتحدة إعادة تعريف مهام قواتها العسكرية في العراق، بأن تنهي تدريجياً عملياتها القتالية، وتوقف برامج التدريب وبناء قدرات قوات الأمن العراقية التي ما أن تظهر قدرتها على تحمل المسؤولية حتى يتم تسليمها المهام الأمنية".

وبعبارة أخرى تدعو اللجنة البريطانية إلى تحديد موعد زمني لانسحاب القوات البريطانية بصرف النظر عن التطورات السياسية التي قد تشهدها البلاد.

وقد تطرق الجزء الأهم من التقرير إلى الوضع الأمني المتردي في العراق وفشل الخطط الأمنية المشتركة بين القوات الأميركية ونظيرتها العراقية في وضع حد لها.

فحسب أحد الشهود العراقيين الذين حضروا الجلسات المتلفزة التي نظمتها القناة البريطانية الرابعة، فإن "معظم العراقيين لا يفكرون بمنطق الحرب الأهلية، لأن ما يرونه ليس حرباً بين الأحياء المختلفة، بل عصابات مسلحة تروع السكان المدنيين".

ومن جانبه رصد مشارك آخر- الأكاديمي البريطاني "توبي دودج"- ثلاث مجموعات أساسية مسؤولة عن العنف في العراق تأتي في مقدمتها العصابات الإجرامية التي تستهدف الطبقة الوسطى العراقية من أجل الابتزاز والسرقة.

ثم هناك ثانياً ما بين 50 إلى 70 جماعة منفصلة تشكل حركات التمرد المختلفة التي يتراوح عدد المقاتلين في صفوفها بين 20 و50 ألف مقاتل. أما المجموعة الثالثة التي يشير إليها الأكاديمي البريطاني، فتتمثل في الميليشيات المسلحة التي برزت إلى السطح بعد انهيار النظام السابق والإطاحة بصدام حسين.

وعند النظر إلى حجم التعقيدات التي تنطوي عليها أعمال العنف في العراق، يصبح من الصعب الركون إلى تلك اللغة التبسيطية التي تميز بين "الأخيار" و"الأشرار"، وهي اللغة التي كثيراً ما يتم تداولها في واشنطن ولندن.

وربما لهذا السبب تبرز أهمية اللجنتين الأميركية والبريطانية بنتائجهما المهمة التي وإن كانت لا تؤثر فعلياً وبشكل مباشر على صناع القرار الأميركيين أو البريطانيين، إلا أنهما على الأقل تساهمان في توضيح الحقائق في العراق وتحديد المسؤوليات التي يتعين على البلدين الاضطلاع بها.

ورغم أن العديد من المسؤولين، بالإضافة إلى الرأي العام، يبحثون عن طريقة لسحب القوات من العراق، فإن الخلاصة المنطقية التي تظهرها الحقائق على الأرض هي استبعاد انسحاب فوري للقوات الأميركية أو البريطانية من العراق، بل الراجح أن يستمر تواجدهما حتى بعد تغير القيادات السياسية في لندن وواشنطن.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-27-7-2007