عدن هل تعود من جديد؟ ....قراءة في مـــشـروع الــ (UNEP) ..لـدعـم الادارة البيئية للأهوار

 

 

راضي محسن داود

 

 

تقول الحكمة السومرية (حيث ما تغمر المياه الارض ينمو الخير، وتخرج اجنحة السعادة الى الوجود).

لقد وصف المستكشفون الاوائل اهوار العراق بانها جنة في مناظرها المائية الطبيعية ومناخها المعتدل وانواع الطيور الفريدة التي تربو على ثلاثة  آلاف نوع وبيوتها السومرية. يعود تاريخ تكون هذه المستنقعات المائية الضخمة الى ما يزيد على خمسة آلاف سنة لذلك فهي كنز من كنوز الارض وظاهرة بيئية كونية، ويعتقد بعض الانثربولوجيين ان هذه المنطقة المحيطة بملتقى نهر دجلة والفرات هي الموقع الاصلي لجنة عدن المذكورة في التوراة.

اما سكان هذه المنطقة فهم على درجة عالية من التنوع الثقافي والحياتي والاجتماعي والاقتصادي وينقسمون الى نوعين:

الاول: سكان المدن والقصبات والقرى والارياف التي تقع على اطراف الاهوار وهي مناطق مأهولة ولها نشاطها الاقتصادي والثقافي.

ثانيا: سكان الاهوار وهم الذين يسكنون في جزر وسط الاهوار، وهذه الجزر قد تكون حقيقية ناتجة عن الترسبات المنتشرة في الاهوار بسبب طمى الانهار او جزر صغيرة يصنعها السكان لانفسهم بجمع كميات مناسبة من القصب والبردي وكبسها يدويا فوق الماء واقامة البيوت عليها حيث تنقسم الاهوار الى ثلاث مناطق رئيسة.

المنطقة الاولى: الاهوار الشرقية والتي تقع شرق نهر دجلة وتسمى اهوار الحويزة وهي محصورة بين الحدود العراقية والايرانية شرقا ونهر دجلة غربا ونهر السويب جنوبا وتأخذ مياهها من نهر المشرح وكذلك من نهر الكحلاء.

المنطقة الثانية: الاهوار الجنوبية وتسمى اهوار الحمار او السناف وتحدها كرمة بني سعيد غربا ونهر الفرات وشط العرب شمالا.

المنطقة الثالثة: الاهوار الوسطى او هور زجري ابو كلام وتقع بين نهر دجلة والفرات وتحدها العمارة شمالا والفرات جنوبا.ان هذه الاهوار عالم سحري وتجمعات بشرية وسط البردي والقصب ويقول د. رشيد الخيون ان كلمة (هور) تعني ماء لايرى طرفاه من سعته ويعتقد ان هذه الكلمة تعود الى جذور ارامية من كلمة (حور) والتي اصبحت بعد التحريف (هور) وتعني البياض وتعتبر اهوار العراق من اكبر البحيرات المائية في الشرق الاوسط وهي اقدم مأوى طبيعي للكائنات الحيوانية والنباتية وقد قام النظام السابق بتدميرها كليا وبعد سقوط النظام قام السكان المحليون بتحطيم السدود الثمانية والتي كانت تمنع المياه من الوصول الى الاهوار حيث تم غمر نسبة 20% من مجمل مساحة الاهوار القديمة.ان عودة هذه المسطحات المائية الى الحياة مرة ثانية والتي هي جزء من المتخيل الاسطوري تؤكد انتصار الانسان العراقي على الموت حيث تظهر الصور الملتقطة من الاقمار الاصطناعية وتحليلات الخبراء في برنامج الامم المتحدة للبيئة (UNEP) ان 34% من اجمالي مساحة الاهوار قد تمت اعادة تغطيتها بالمياه طبقا للتقارير الصورية لسنة 2005.

مشروع برنامج الامم المتحدة UNEP

اعلنت الامم المتحدة عن مشروع كبير (لدعم الادارة البيئية الاهوار العراق والذي يطلق عليه (عدن مجددا) يهدف المشروع الى تنقية المياه الملوثة في المنطقة وتوفير مياه الشرب للسكان واستحداث نظام صرف صحي. حيث تم استكمال المرحلة الابتدائية للمشروع بحلول عام 2005 وتضمنت هذه المرحلة دعما للتطور الستراتيجي ولتنسيق الجهود على الصعيد الداخلي والخارجي لكل ما يتعلق بادارة الاهوار والتدريب التخصيصي وتنفيذ قاعدة بيانات وشبكة معلومات عن الاهوار مع اقامت ستة مشاريع تجريبية في الاهوار لتعريف المجتمع المحلي على التكنولوجية السليمة بيئيا وقد قدمت الحكومة اليابانية دعما من خلال تبرعها بمبلغ 11 مليون دولار اميركي لصندوق الامم المتحدة لتنمية العراق.بدأ تنفيذ مشروع الاهوار في سنة 2004 ويتكون المشروع من خمسة اقسام رئيسة.

1- بناء القدرة وتطوير السعة من خلال التدريب (دورات على ادارة المسطحات المائية اعتماد على التكنولوجيا السلمية بيئيا. ودورات عن ادارة جودة المياه وعن انظمة الصرف الصحي المستدامة).

2- تطوير شبكة معلومات الاهوار MIN باضافة مواقع وتنظيم البنية التحتية المعلوماتية داخل العراق.

3- جمع وتحليل البيانات (بيانات جودة المياه تحليلات انظمة التحسس عن بعد (وكذلك المراقبة المباشرة للانظمة البيئية.

4- التشاور المتواصل مع اصحاب القرار في العراق وذلك يتضمن منسقا وطنيا عراقيا وعدداً من قادة المجتمعات المحلية.

5- تنفيذ مشاريع تعتمد التكنولوجيا في مجتمعات منتقاة داخل الاهوار.

فوائد المشروع

هذا المشروع يقوم بالمساهمة في دعم جهود الحكومة العراقية في تأهيل وادارة الاهوار بطريقة مستدامة بالاعتماد على المؤسسات العراقية وفي تحديد الطرق والوسائل المناسبة وذلك بما يختص بامور مياه الشرب وانظمة الصرف وادارة المياه في الاهوار وكذلك تحسين النظام البيئي الاحيائي بدأ بمشاريع اختيارية تجريبية في مناطق مختارة.

حيث يوفر هذا المشروع فرص عمل على المستويين المهني والشعبي في مجالات اعمال التقييم وحملات التوعية والمراقبة.

وبناء القدرة وتطوير السعة لدى اصحاب القرار في العراق ولدى الفنيين المختصين وكذلك لدى المجتمع بصورة عامة بما يختص بمنطقة الاهوار وادارتها ويتضمن هذا السياسات العامة والشؤون المؤسساتية والمعرفة التقنية واشراك المجتمعات المحلية في العمل وطرائق التحليل ويوفر المشروع الاممي معطيات لبناء نظام اداري طويل الامد يخدم السكان والنظام البيئي في جنوب العراق بما يتضمنه من كمية هائلة من المعلومات ويوضح المشروع اهمية الالتزام بحل مشاكل المياه والصرف الصحي وادارة الاهوار ويطور وسائل التخاطب والوصول الى المعلومات والآليات الادارية. حيث يعتمد المشروع اصلا على الخبرات والخبراء العراقيين وان هذا المشروع احد المساهمات الجادة في جهود اعادة الاعمار في جنوب العراق.

نظام مراقبة الاهوار

يهدف نظام مراقبة اهوار العراق الى مراقبة مستويات اعادة غمر الاهوار بالمياه والتغيرات المرافقة في الغطاء النباتي خلال هذه الفترة الانتقالية الحرجة وتوفير الدراسات التقيمية المتكررة لمدى نجاح عملية اعادة تأهيل المسطحات المائية. والتي تعتبر احد ادوات الاسناد والدعم لاتخاذ القرارات في العراق.

التنسيق الدولي:

كنشاط تنسيقي قام برنامج الامم المتحدة للبيئة UNEP بتنظيم مؤتمرات ولقاءات لادارة الاهوار العراقية وتنسيق المشاريع وقد تم وضع وانشاء هيكلية يوضح نمط وتوزيع المسؤوليات على نطاق الحكومة العراقية وكذلك تنسيق الجهود الخاصة بالدول المانحة (كندا. ايطاليا. اليابان. المملكة المتحدة والولايات المتحدة الاميركية بالاضافة الى نشاطات البنك الدولي ومنظمات الامم المتحدة.

كندا: الامداد بالخبرات عن طريق وكالة التطوير الدولي والتركيز على ادارة المناطق ذات الرطوبة العالية والتنوع الاحيائي.

ايطاليا: دعم منظمة العراق لاحياء مشروع جنات عدن الجديد، اليابان: مساهمة تمويل قدرها (11) مليون دولار لاعادة اصلاح مناطق الاهوار وتطوير الحياة الحيوانية والنباتية.

المملكة المتحدة: المشاركة في برنامج اعادة اصلاح مناطق الاهوار ومساعدة اللاجئين والمهجرين.

الولايات المتحدة: تطوير القدرة الصناعية وتأهيل واصلاح القوى العاملة المحلية وتنمية السكان.

ماذا تحقق من المشروع؟

- تم انجاز المرحلة الاولى من المشروع البالغة كلفتها (11) مليون دولار، حيث انجز ما يلي:

1- بناء القدرات

تضمنت المرحلة الاولى من المشروع اقامة عشر دورات تدريبية خارج العراق نفذت ثلاث منها في اليابان وثلاث اخرى في مصر واربع في الاردن وشارك في هذه الدورات اكثر من 250 متدرباً من وزارات البيئة والموارد المائية والبلديات والاشغال العامة اضافة الى متدربين من مجالس المحافظات الجنوبية البصرة وذي قار وميسان علاوة على متدربين من مجالس عرب الاهوار في هذه المحافظات كما شارك في هذه الدورات متدربون من جامعتي البصرة وذي قار.تضمنت هذه الدورات مواضيع علمية بيئية واجتماعية مختلفة ذات علاقة بالمشروع منها، نوعية المياه، ادارة الموارد المائية، معالجة المياه لاغراض الشرب، معالجة المياه لاغراض الصرف الصحي، دورة حول استخدام شبكات متخصصة في البيئة ضمن شبكة الانترنت، تطوير المجتمعات المحلية، استخدام تقانات نباتية صديقة للبيئة في معالجة مياه الصرف الصحي ألخ.وبناء على الخبرات المكتسبة في هذه الدورات تم الاتفاق مع عدة جهات لاقامة هذه الدورات داخل العراق وهو ما يصطلح عليه بالتدريب الثانوي حتى تتسع الفائدة المتوخاة منها ونظمت وزارة البيئة دورتين تدريبيتين ووزارة الموارد المائية دورة واحدة وجامعة ذي قار دورتين تدريبيتين وجامعة البصرة دورة واحدة

2- رفع الوعي البيئي

تم بالتعاون مع مجالس محافظات البصرة وميسان وذي قار اقامة سلسلة ندوات تثقيفية لاهالي الاهوار لرفع الوعي البيئي وبمشاركة مديريات البيئة ومجالس عرب الاهوار في تلك المحافظات وتضمنت مواضيع هذه الندوات مجالات مختلفة منها على سبيل المثال الاهتمام بالنظافة العامة والمحافظة على نظافة البيئة ومخاطر الصيد غير القانوني والجائر للطيور والاسماك واثر ذلك على الصحة العامة وتلوث البيئة وكيفية تجنب مخاطر مرض انفلونزا الطيور لكون منطقة الاهوار تستقبل العديد من انواع الطيور المهاجرة .

3- شبكة معلومات الاهوار

تضمنت احدى فعاليات المشروع - المرحلة الاولى انشاء شبكة لمعلومات الاهوار وربطها مع شبكة معلومات التقنيات السليمة بيئيا العالمية ESTIS…Environmentaly Sound Technology Information System وتهدف هذه الفعالية الى حفظ وجمع  المعلومات المتعلقة بالاهوار بشبكة عالمية حتى تكون في متناول جميع المهتمين بشأن الاهوار العراقية في العالم واقيمت دورة تدريبية في الاردن للتعريف بهذه الشبكة وكذلك تم فتح صفحات مدفوعة الثمن من قبل المشروع لجميع الجهات ذات العلاقة بهدف نشر المعلومات التي ترغب هذه الجهات تعميمها للاخرين... وان هذه الشبكة مرتبطة بشبكة المعلومات العالمية الانترنت.

ولغرض حفظ المعلومات بشكل يضمن عدم فقدانها تم تأسيس خمس وحدات خدمة الكترونية اربع في وزارة البيئة وثلاث منها في مديريات البيئة في المحافظات الجنوبية والاخرى في مقر وزارة البيئة اما الوحدة الخامسة فقد أنشئت في وزارة الموارد المائية وتتضمن هذه الوحدات معدات الكترونية مختلفة.

4- دراسة بيئية لمناطق الاهوار

 انتخبت ستة مواقع في مناطق الاهوار لتنفيذ الفقرات الحقلية ضمن هذا المشروع منها ثلاثة في  اهوار محافظة ذي قار واثنان في محافظة ميسان وموقع في البصرة.

حيث تم الاتفاق مع وزارة البيئة على اجراء دراسات بيئية شاملة لهذه المواقع تتضمن نوعية المياه والتربة والتنوع الاحيائي والملوثات وتم تزويد الوزارة بأجهزة ومعدات قياس للمساعدة في تنفيذ الدراسة .

5- مياه الشرب

تعد هذه الفعالية الاهم ضمن المشروع حيث تم نصب ست محطات تصفية وتحلية مياه للمناطق الست اعلاه والمصنفة من قبل الجهات صاحبة العلاقة بالمناطق الاشد حاجة لمياه الشرب. تخدم هذه المحطات بحدود ثلاثة الى خمسة آلاف نسمة لكل منها وتم الاختيار الهندسي لنوع المشروع المناسب لكل منطقة بناء على نتائج الدراسات البيئية.. علاوة على هذه المشاريع جرى تنفيذ شبكة لتوزيع المياه على السكان وبما يتناسب مع طبيعة هذه المناطق وبطول اجمالي 22 كم. وتحمل المشروع جميع تكاليف شراء هذه المحطات ونصبها وتشغيلها لمدة عام كامل على ان تؤول عائديتها بعد ذلك الى دوائر المياه التابعة لوزارة البلديات في تلك المناطق.

6- معالجة مياه الصرف الصحي

تم في المشروع اختيار موقع في الاهوار ضمن اهوار الجبايش لتنفيذ تقانة سليمة بيئي في معالجة مياه الصرف الصحي من خلال استخدام النباتات السائدة في تلك المناطق للتقليل من تلوث هذه المياه قبل اطلاقها الى المصادر المائية .

7- نظام رصد الاهوار

تتضمن احدى فقرات المشروع رصدا آليا بالاقمار الاصطناعية لمناطق الاهوار يهدف الى مراقبة تطور حالة الاهوار من خلال التقاط الصور الفضائية وتفسيرها مع توكيد هذا التفسير من خلال اجراء تقدير حقلي للمناطق المصورة وقد زودت عدة جهات رسمية منها وزارة البيئة والموارد المائية بسلسلة لصور فضائية لعدة اعوام.

8- اعادة تأهيل بعض الاهوار

 تمت في هذا الجزء دراسة اربعة مواقع ضمن الاهوار لاعادة تأهيلها وذلك من خلال اعادة ضخ المياه واعادة الحياة اليها وايضا معالجة المياه بطريقة استخدام النباتات.

قبل استخدامها في اعادة الاغمار وقد اختيرت اخيرا احد المواقع في اهوار ذي قار لتنفيذ هذا الجزء من المشروع.

9- التنسيق بين الجهات المهتمة في اعادة انعاش الاهوارتبنى برنامج الامم المتحدة للبيئة مهمة تنسيق الجهود في اعادة انعاش الاهوار من خلال تنظيم عدة مؤتمرات بين الجهات المانحة للاهوار والاطراف ذات العلاقة في العراق.

هذا وما زال العمل جاريا بالمرحلة الثانية، ويبدو ان توسع وتطوير علاقات التعاون والتنسيق والتمويل والتدريب مع المنظمات الدولية المختصة يؤدي حتما الى تنمية وانعاش الاهوار بآفاق علمية وعملية وتقنيات متطورة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:جريدة الصباح