الضد النوعي للحرية

 

 

نضير الخزرجي

 

 

يقود الحديث عن الحرية وبشكل طبيعي إلى التطرق إلى نقيضها وهو الاستبداد أو الظلم أو الاستكبار أو الطغيان، فهذه المفردات اللغوية تقف بالضد من الحرية، تحاول أدواتها حصر الحرية وآلياتها وشخوصها في ركن مظلم يسهل الحد من حركتها أو الإجهاض عليها في أي وقت.

من هو المستبد

 فمن هو المستبد ومن هو الطاغية ومن هو المستكبر، الذي يحط رحاله مع أقرانه على مركب الظلم؟

قال ابن منظور محمد بن مكرم (ت 1311م) في لسان العرب: 15/422: "المستبد برأيه: وهو الذي يُمضي رأيه ولا يشاور أحدا ولا يُبالي كيف وقع رأيه"، مضيفا في موضع آخر من لسانه: 12/337، أن: "المستبد برأيه: المنقطع عن المشاورة".ويلاحظ في هذا التعريف أن ابن منظور قد حدّ المستبد بحد المشاورة، وكأن بالمشاورة ترتفع صفة الاستبداد، لكن المشاورة مفهوم نوعي، فربما استشار الطاغية أعضاء حكومته، لكن الاستشارة رهن جانبها العملي ونتائجها، فإذا وقعت إفرازاتها حيفا وظلما على المجتمع دلت على إنها مشاورة سلبية في نظر العقلاء بل وعامة الناس، فبالتالي يحتاج التعريف إلى حد نوع المشاورة وبيان خطوطها، على إن المشورة بشكل عام تأتي من سنخ المستشير أو المشير، وتتأصل هذه السنخية لدى الحاكم الذي يحوز على المال والقوة، فالذين يحيطون بالحاكم المستبد على سبيل المثال إذا استشارهم يشيرون عليه بما يرغب به هو، لا بما قد يرونه صالحا لجميع الناس.

وبشكل عام إن كان الشخص يقبل الاستشارة سلبا عليه أو إيجابا له، فان المشيرين سيشيرون عليه تبعا لما يعرفون عنه من سعة صدر أو ضيقه، ولعل القصة التالية توضح هذا المفهوم، فقد: "روى المجلسي محمد باقر (ت 1111 هـ) في بحار الأنوار: 12/307، عن ابن حمدون محمد بن الحسن (ت 562هـ) انه قال: كتب المنصور العباسي عبد الله (ت 158 هـ) إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) (ت 148 هـ): لمَ لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس؟

فأجابه (ع): ليس لنا ما نخافك من أجله، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنئك، ولا تراها نقمة فنعزيك بها، فما نصنع عندك؟

قال: فكتب له: تصحبنا لتنصحنا.

فأجابه (ع): من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك.

فقال المنصور: والله، لقد ميّز عندي منازل الناس، مَن يريد الدنيا ممن يريد الآخرة، وانه ممن يريد الآخرة لا الدنيا.

من هنا، أورد الشيخ حسين النوري (ت 1320 هـ) في مستدرك وسائل الشيعة: 8/342، عن النبي محمد (ص): "الحزم أن تستشير ذا الرأي وتطيع أمره"، فالاستشارة الجوفاء لا تغني ولا تسمن، بل ورد النهي عن تقديم الاستشارة للمستبد، إذ لا يرعى لها ذمّة ولا لصاحب الرأي جانبا، ونقل النوري في الصفحة نفسها، عن الإمام الصادق (ع) أيضا: "لا تشر على المستبد برأيه".

وقال الرازي محمد بن أبي بكر (ت 660هـ) في مختار الصحاح: 1/18، في تعريف المستبد: "واستبد بكذا: تفرد به". وقال ابن منظور في لسانه: 3/81: "استبد فلان بكذا أي انفرد به، وفي حديث علي رضوان الله عليه: كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا فاستبددتم علينا، يقال استبد بالأمر يستبد به استبدادا إذا انفرد به من دون غيره، واستبد برأيه انفرد به".

ويعرف جمال الدين الأفغاني (ت 1897م) الاستبداد بقوله: "أن تكون امة من الأمم مقيدة بسلسلة رأي واحد لا تتحرك إلا بإرادته ولا تفعل إلا لرضاه".(1)

ومن معاني الاستبداد: الاستقلال بالشيء، فاستبداد اليتيم بماله يعني استقلاله به، وتصرف الولي بالمال لا من باب الاستقلال ولا المشاركة، بل من باب الوصاية.

والاستبداد عند عبد الرحمن الكواكبي (ت 1902م): "بأنه غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النصيحة، أو الاستقلال في الرأي أو في الحقوق المشتركة"(2).

ويقدم الباحث الليبي محمود الناكوع تعريفا للاستبداد يقول فيه انه: "تفرد شخص أو مجموعة أشخاص بحق التصرف والاستئثار بحقوق الآخرين من دون وجه حق، وتتعدد أنواع الاستبداد بتعدد حالات التفرد والتحكم في شؤون الآخرين وحقوقهم ومصالحهم، وينشأ تبعا لذلك ما يسمى بالاستبداد الثقافي، والاستبداد الاقتصادي، والاستبداد السياسي، والاستبداد العسكري، والاستبداد الاجتماعي، إلى غير ذلك من أنواع الاستبداد".(3)

أما السياسي البريطاني أوليفر كرومويل(Cromwell) ((ت 1658م) فقد وصف المستبد بعبارة مفارقة ولطيفة بقوله: "تسعة بين كل عشرة مواطنين يكرهونني ما أهمية ذلك إن كان العاشر وحده مسلحا"(4)، ولهذا كان يحث على كسر شوكة استبداد الملك ويحرض عليه، وقد اشتهر عنه القول وهو في مقام التعريض بالسلطات اللا محدودة للملك: "إذا كان هناك أسد في الطريق فعليهم أن يتغلبوا عليه"(5)، وقد وصفه محمد فريد وجدي (ت 1954م) في معارف القرن العشرين: 3/409، بأنه: "قائد الحرية" في القرن السابع عشر. وعند الباحث المصري الدكتور الفنجري، أن: "المستبد هو ذلك الإنسان الذي إذا وضع في مركز السلطة والمسؤولية ولو كان رئيسا لشخص واحد فقط فانه يستبد به ويحرمه من حقوقه ويميز نفسه عليه .. ثم بعد ذلك يمنعه من الشكوى أو الرأي أو حق تقرير مصيره بنفسه".(6)

واعتقد أن المستبد هو الشخص الذي يحيد عن دائرة الشورى النافعة ويستقل برأيه متقاطعا مع مصلحة من معه أو تحت جناحه، مفضلا مصلحته الشخصية على المصلحة العامة، كاستقلال رئيس حزب برأيه وإعماله له من دون الأخذ بنظر الاعتبار آراء ومصلحة باقي أعضاء الحزب أو من في كنفه.

من هو الطاغية؟

وتلحق بالمستبد، مفردة الطاغوت، قال ابن منظور في لسانه: 15/9، أن:"الطاغوت يقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث"، وهي تطلق على من يتعدى حدود المعقول ويتجاوز كل الشرائع والقوانين والأعراف، ولا يجد لغيره من حق أو ينتقص حقوق الآخرين مستغلا قوته وغروره وسطوته.

وانتهى الشيخ محمد جواد مغنية (ت 1979م) في تفسير الكاشف: 1/396، إلى تعدد الأقوال في تفسير معنى الطاغوت من قوله تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله...} سورة البقرة: 256، إلى تسعة، منها أن المراد به الشيطان ومنها الدنيا الدنية، وأقربها إلى الفهم ودلالة اللفظ، تفسير الشيخ محمد عبده (ت 1905م)، وهو أن الطاغوت ما تكون عبادته والإيمان به سببا للطغيان والخروج عن الحق".

وهو المعنى الذي ورد عن أئمة أهل البيت (ع)، فقد روى محمد القمي المشهدي (ت قبل 1160 هـ) في تفسير كنز الدقائق: 11/290، عن الإمام محمد بن علي الباقر (ع) (ت 114 هـ)، انه قال: "ومن أطاع جبارا فقد عبده".

ومن الطبيعي أن تكون من شيمة الطاغوت الظلم، فالطاغوت عديل الظالم، والظالم كما وصفه محمد بن عبد العظيم الزرقاني (ت 1367 هـ) في مناهل العرفان: 2/47، هو: "من أخذ الدنيا حلالا كانت أو حراما"، وحسب القرطبي محمد بن أحمد (ت 671 هـ) في الجامع لأحكام القرآن: 14/349-351، هو: "الذي يحب نفسه"، وهو: "الذي يُنتصف ولا ينصف". ولعل تعريف الطبري محمد بن جرير (ت310هـ) للظالم في جامع البيان: 2/473، هو أقرب إلى الواقع، فالظالم بنظره: "هو الذي فعل ما ليس له فعله ووضع الشيء في غير موضعه"، ويعاضده الباحث الكويتي الدكتور النفيسي في هذا التعريف معتبرا: "أن معنى الظلم الحرفي وضع الشيء في غير موضعه، ومثال على ذلك مَن يدّعي الإمامة وهو ليس بإمام"(7)، وبهذا التعريف يكون الظالم على الضد من العاقل لان العاقل كما جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي (ت 655 هـ)، عن الإمام علي (ع) هو: "الذي يضع الشيء مواضعه"، وقال (ع) أيضا: "الظلم من كوامن النفوس، القوة تبديه، والضعف يخفيه". واخذ عنه أبو الطيب المتنبي (303-354 هـ) هذا المعنى فأنشد:

الظلم من شيم النفوس فان

تجد ذا عفة فلعله لا يظلم

من هنا كما يضيف ابن أبي الحديث: "فان الإنسان السليم صاحب العقلية الناضجة، يأنس بذي العقل ويأنف من الجاهل والأحمق، والحماقة في حقيقة الأمر هي واحدة من صفات المستبد والطاغوت والظالم والمستكبر، وقد توفق الفيلسوف اليوناني ارسطوطاليس (Aristotle's) (384-322 ق.م) إلى التشبيه بين العاقل والأحمق بقوله: "العاقل يوافق العاقل، والأحمق لا يوافق العاقل، ولا أحمق كالعود المستقيم الذي ينطبق على المستقيم، فأما المعوج فانه لا ينطبق على المعوج ولا على المستقيم".

علل الظلم

أما علل ظلم الإنسان لبني الإنسان والاستبداد بالرأي أو الحكم، فهي كثيرة، غير أن الشاخص منها هو وجود نقائص في شخصية الظالم والمستبد يحاول أن يداريها بظلمه واستبداده، واستخدام المال والقوة ترغيبا أو ترهيبا، فلو كان لدى الإنسان منطق وفكر لما احتاج إلى إعمال الظلم والحيف والقوة لإبراز الشخصية، صحيح أن القوة يمكن أن تخرس المظلوم عن حقه، ولكن الظلم يبقى قائما، وهو أشبه ما يكون بالشمس في صباح غائم، فالغيوم تحجب الشمس ولكن الشمس قائمة في كبد السماء وتأثيراتها قائمة هي الأخرى، لان الظلم مرتعه وخيم وان استعملت القوة في تكميم الأفواه، وهذا ما يعرف ويتناقل مثلا عن سياسة الزعيم الصيني السابق ماو تسي تونغ (ت 1976م)، فهو وان رفع شعار "دعوا مائة زهرة تتفتح .. ودعوا مائة مدرسة فكرية تتبارى، ولكن الشعار الذي روجت له وسائل الإعلام كان بمثابة مصيدة لكشف المعارضة الفكرية والأصوات السياسية والثقافية التي تعارضه، ولهذا عمد بعد أقل من شهرين على رفع الشعار إلى اعتقال أصحاب الآراء المعارضة، وقتل المئات من المثقفين والمفكرين والأدباء ونفى أضعافهم".(8)

وهذه العبارة أطلقها "ماو" في خطابه ألقاه في (1957/2/27) وبعد فترة وضمن الحركة التصحيحية رفع شعار (اقتلاع الأزهار السامة) قادت مئات الآلاف ممن يشك بولائهم إلى الريف (لإعادة تربيتهم)!.

وماو تسي تونغ هو الذي رفع شعار: "السلطة السياسية تنبع من فوهة البندقية"، وبه قتل معارضيه. يقول الطبري في جامعه: 4/42، في بيان علة ظلم الظالم لبني جلدته: "إن الظالم إنما يظلم غيره ليزداد إلى عزه عزة بظلمه إياه والى سلطانه سلطانا، والى ملكه ملكا، لنقصان في بعض أسبابه يتمم بما ظلم غيره فيه ما كان ناقصا من أسبابه عن التمام"، ولهذا يعلق الكاتب الأميركي وليام غاي كار (William Guy Carr) (ت 1959م) على علة استخدام القوة من قبل المستبد أو من أسماهم (الطاغوتيون أتباع الشيطان) في كتابه (Pawns in the Game)، "أحجار على رقعة الشطرنج" أنهم: "يعتقدون بان الحق هو القوة، وان للأفراد الذي يتمتعون بذكاء وتفوق، الحق في حكم جميع المخلوقات الأخرى، لان الجماهير تجهل ما هو صالح لها، وهذه العقيدة كما نرى هي ما ندعوه في اصطلاحاتنا المعاصرة بالطغيان أو الحكم المطلق" (9).

الظلم وعقدة الحرمان

إن عقدة النقص لدى المستبد أو الظالم يعبر عنها التحليل النفسي الحديث بـ(عقدة الحرمان) التي يشعر بها المستبد نظرا لظروف اجتماعية ونفسية عاشها في طفولته أثرت عليه في كبره، فراح يستبد ويتكبر على من يجد عليه القوة والقدرة، كما فعل على سبيل المثال، ميلوسوفيتش (ت 2006م) الرئيس السابق ليوغسلافيا أو صربيا حتى العام 2000م، بإيقاعه الموت والدمار بالمسلمين في صربيا وكوسوفو، والكاثوليك في كرواتيا، وهو الأرثوذكسي الذي نشأ وترعرع وسط جو عائلي مريض للغاية حيث مات أبواه انتحارا، فراح يعبر عن عقدته بقتله للناس والتمثيل بهم، فهو مصداق للمستكبر الذي يصفه الطبري في جامعه: 5/84: "مختال وعلى غيره مستطيل مفتخر"، وعنده أيضا، كما في الجامع:12/61، أن المستكبر: "جبار عنيد مستكبر على الله، حائد عن الحق، لا يذعن له ولا يقبله".

ويعلق الباحث المغربي، الدكتور أسعيد على عقدة الحرمان، بقوله: "لقد حاول التحليل النفسي تفسير منشأ الدكتاتورية بالتطرق إلى عقدة الحرمان، على أساس أن أغلب الطغاة كانوا قصار القامة - كرومويل، نابليون، ستالين، هتلر، فرانكو- وأكثرهم عاش طفولة معذبة ومراهقة صعبة، الأمر الذي زرع في شخصية الفرد منهم عقدا يصعب حلها". ويحاول أسعيد وهو في معرض الحديث عن الدكتاتورية: "التمييز بين تلك الدكتاتورية المتولدة عن عوامل اجتماعية (Dictature Sociologique)  وتلك المتولدة عن عوامل تقنية (Dictature Technique) وبتعبير آخر، يمكننا القول إن النموذج الأول يتولد عن أزمات يتعرض لها البنيان الاجتماعي العقائدي، أي انه نموذج يعكس الوضع الاجتماعي لان الجذور والأصول العميقة للتركيب الاجتماعي هي التي أنجبته، وبجملة واحدة: انه نموذج يتولد عن تفاعل قوى وطاقات داخلية وذاتية، بينما النموذج الثاني دخيل فهو نموذج متولد عن عوامل خارجية عن المجتمع ولا يعبر عن إرادة المجتمع".(10)

وعن النموذج الأول، يرى الباحث الاسكتلندي، روبرت ماكيفر(Robert.M.Maciver) ((ت 1970م): "إن الدكتاتورية لا تبالي بإعطاء البرهان على الشرعية الاجتماعية أو الحقوقية لتصرفاتها، لأنها تنكر الفلك الاجتماعي القائم، وتحل محله تعريفها التعسفي للحق، وهو تعريف يتغير بتغير ظروفها، ولذلك تزدهر الدكتاتورية أكثر ما تزدهر في أوقات الأزمات، التي يتهافت فيها النظام القائم، وتتهالك التقاليد، وتستفحل المنازعات، فيتملك اليأس النفوس، ويرضى الناس بالرجل القوي، مضحين بالكثير مما يعز عليهم لأنه يعدهم بعودة الثقة والأمن.

ويتنازلون في مثل هذه الأوقات العصيبة عن معايير الشرعية التي لا يتنازلون عنها في أوقات أخرى، ويتغاضون عن التناقض بين الديكتاتورية والشرعية، وهو تناقض عرف منذ أيام الدولة - المدينة في بلاد اليونان - ونوّه به سفسطائي مغمور في فترة الحرب البلوبينيزية بقوله: إن تجاهل القانون هو طريق الديكتاتورية" (11).

الجهل توأم الاستبداد

والجو الاجتماعي في حقيقة الأمر عامل مهم في الخير والشر، وفي ثبات أسس الحرية أو في زحلقتها وإحلال بديل الظلم والاستبداد، وهذا خاضع لمدى وعي الأمة، لان الاستبداد مرض يعشش في مزبلة الجهل ويتغذى على معلف التخلف، من هنا فان: "الاستبداد من حيث هو تصرف غير مقيد وتحكمي في شؤون الجماعة السياسية، درجات مختلفة، يحددها مدى وعي الأمة أو جهلها بمجمل حقوقها الذاتية والاجتماعية.

وهذا الجهل المطلق كما يصفه عبد الرحمن الكواكبي، وقلة الوعي بالحقوق السياسية، يعتبر أحد أهم أسباب نشوء الاستبداد وتعمقه في كيان الأمم واستفحاله، بالإضافة إلى عدم وجود قانون أو قاعدة موضوعية أو متفق عليها تحدد تصرفات الحاكم وتعطي للرعية أو المحكومين الحق في المحاسبة أو المتابعة".(12)

ويعلق المؤرخ الفرنسي، جوستاف ليبون(Gustave LE BON) (ت 1931م) في كتابه "روح الجماعات"، على علاقة الجهل بالاستبداد بقوله: "إن الجماعات بصفة عامة، والجماعات الأمية بصفة خاصة لطبيعتها المضطربة وعقليتها السطحية ونفسيتها المشوشة تُقاد دائما بالطغاة الذين يكونون بالفطرة أو الدراسة أو التجربة أو الإرشاد على بينة من حقيقة الجماعات، فيعملون على التهييج والإثارة والتلاعب بالألفاظ والكلمات ونشر الأوهام والأحلام ورفع الشعارات والرموز، من دون أن يقدموا اية برامج محددة أو نظما مفصلة أو دراسات واضحة".(13)

في الحقيقة، ان الحرية برغم أنها هبة فطرية، فان ممارستها والتعاطي معها عملية تربوية وتعليمية مستمرة، وهو ما ذهب إليه المهندس مهدي بازرگان (ت 1995م) أول رئيس وزراء مؤقت في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من كون: "الحرية ليست عطاء أو أخذا، وإنما تعليما"(14)، فالحرية هبة إلهية، وللإنسان أن يوطن نفسه على التعامل مع الجميع بحرية، يعرف حقوقه وحقوق الآخرين، ولا اعتقد أن بازرگان عنى من تعلم الحرية هو معرفة مفاهيم الحرية مجردة عن تطبيقاتها في حياتنا اليومية، بل المعرفة بها وبحدودها وضوابطها وأهميتها وضرورة تفعيلها في مناحي حياة الإنسان كشخص ومجتمع، لان الجهل بالشيء كعدمه، والذي يجهل الحرية ومصاديقها يجهل معنى الحياة الكريمة.

ولا شك أن المجتمع هو الذي يهيئ سبل الاستبداد أو يقطع على المستبد سبيله، والعلم بمبادئ الحرية من أسباب انتعاش الحرية، والأخلاق من أسباب توفر الحرية، والجيل الذي يرث ثقافة استبدادية يقترب من تقبل المستبد والتماهي معه، والذي يرث ثقافة تحررية إصلاحية يبتعد عن قبول المستبد ويتقاطع معه.

المصادر:

1- إبراهيم، د. فؤاد، الفقيه والدولة .. الفكر السياسي الشيعي (بيروت، دار الكنوز الأدبية، ط1، 1998م) ص257.

2- الناكوع، محمود محمد، الانحطاط والنهوض .. تأملات في الواقع العربي (لندن، ط1، 1416هـ/1996م) ص26.

3- الانحطاط والنهوض (مصدر سابق) ص27.

4- الفنجري، د. احمد شوقي، الحرية السياسية .. أولا (الكويت، دار القلم) ص39.

5- Maurice Ashley, OLIVER CROMWELL AND HIS WORLD, Thames and Hudson Ltd, London, 972, p128.

6- الحرية السياسية .. أولا (مصدر سابق) ص39.

7- النفيسي، د. عبد الله فهد، دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث (بيروت، طهران، دار النهار للنشر، منشورات دار مكة المكرمة، 1405 هـ) ص 30.

8- انظر: بلالة، السنوسي، منهج الإرهاب (شيكاغو، دار الإنقاذ للنشر والإعلام، ط1، 1412هـ/1991م) ص55.

9- منهج الإرهاب (مصدر سابق) ص5.

10- قضايا علم السياسة العام، أسعيد، د. محمد فايز عبد (بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، ط1، 1983م) ص71.

11- روبرت . م. ماكيفر، تكوين الدولة، ترجمة: د. حسن صعب (بيروت، دار العلم للملايين، ط2، 1984م) ص278.

12- دكير، محمد "من الاستبداد إلى الديمقراطية .. دراسة في فكر النائيني من خلال كتابه تنبيه الأمة وتنزيه الملة" مجلة الكلمة (بيروت، منتدى الكلمة للدراسات والأبحاث، السنة 5، العدد 18، 1418هـ/1998م) ص57.

13- العشماوي، محمد سعيد، الإسلام السياسي (القاهرة، مكتبة مدبولي الصغير، ط4، 1416هـ/1996م) ص39.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:جريدة الصباح