التلوث الكهرومغناطيسي وخطره على صحة الإنسان

 

 

عماد الطيب

 

 

من مظاهر التقدم التقني الذي حققته البشرية في العصر الحديث، كثرة الأجهزة الكهربائية التي تستخدم في المنازل والمؤسسات والمرافق الخدمية لأغراض عدة كالطهو والإنارة والتبريد والتدفئة والنظافة والحياكة والتصوير والنسخ والعلاج والاتصال.

ورغم الدور الإيجابي الذي لعبته تلك التقنية في رفاهية الإنسان في مختلف جوانب حياته إلا أن هذه الأجهزة صارت مصدراً أساسياً من مصادر التلوث البيئي التي تهدد صحة الأحياء، وذلك لأن المجالات الكهرومغناطيسية التي تتولد عند تشغيل هذه الأجهزة تتفاعل مع الخلايا الحسية للإنسان وتلحق بها أضراراً ربما تصل إلى حد الإصابة بالسرطان.

ويقول الباحث محمد حيان الحافظ ان التلوث الكهرومغناطيسي ينتج عن الموجات الكهرومغناطيسية الناجمة عن تشغيل عدد لا محدود من محطات الإذاعة والتلفاز المنتشرة في أنحاء العالم كافة، كما ينشأ في جزء منه عن محطات القوى الكهربائية وشبكات الضغط العالي التي تنقل الطاقة الكهربائية إلى مسافات بعيدة، وتتضمن هذه الشبكات عشرات من محطات القوى ومحطات التقوية والمحولات، وهناك مصادر أخرى للتلوث الكهرومغناطيسي تشمل: أجهزة اللحام بالكهرباء و.الأوكسجين، السيارات الكهربائية والميكانيكية، الموتورات الكهربائية التي تدار بها بعض الأجهزة المنزلية كالثلاجات والمكيفات والغسالات والمراوح، أجهزة الفيديو والحاسوب والتلفزيون، الساعات المنبهة، البطانيات الكهربائية، شبكات الميكرويف التي تستخدم في الاتصالات اللاسلكية.

إن الموجات والمجالات الكهرومغناطيسية التي تنطلق من هذه المصادر تملأ الجو المحيط بنا.

ولو كان بمقدورنا أن نرى هذه الموجات والمجالات لرأيناها تتشابك حولنا وتبدو على هيئة ضبابية.

وتتسم الموجات الكهرومغناطيسية بالقدرة على اختراق أجسام الأحياء والتفاعل مع الخلايا الحية وإحداث تغييرات بيولوجية فيها بشكل ينتج خللاً واضطراباً في أداء أجهزة الجسم المختلفة وخصوصاً الجهاز الدوري والجهاز التناسلي والمخ والأعصاب.

التلوث الكهرومغناطيسي والصحة

لقد توصل عدد كبير من العلماء بعد تجارب ودراسات علمية دقيقة إلى أن الاقتراب طويلاً من مجال الكهرباء هو يسبب ارتفاع معدلات الإصابة بسرطان الدم وأورام المخ وإجهاض الحوامل.

كما ثبت أن الإنسان يصاب بضعف في بصره إذا عمل لفترات طويلة أمام شاشات العرض المختلفة.

وفي هذا الشأن أجريت مجموعة من الدراسات في الولايات المتحدة الارميركين أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات لنساء كن يعملن على أجهزة الحاسوب في الولايات المتحدة الأمركية وكندا.

وخلصت إلى وجود صلة بين الإجهاض والتعرض للمجال الكهرومغناطيسي الناجم عن هذه الشاشات.

كذلك أجريت دراسة في جامعة بتسبرج بالولايات المتحدة خلصت إلى أن النسبة المحتملة لوفيات العمال في مصنع الالمنيوم إصابتهم باللوكيميا والورم الليمفاوي تبلغ خمسة أضعاف المعدل المعتاد.

ومعلوم أن مصانع الألمونيوم تتميز بالتيارات الكهربائية العالية التي تشكل جزءاً من عملية الصقل.

وتعد أجهزة الهاتف العادية والمحمولة مصدراً أيضاً محتملاً للإصابة بالسرطان، فالشخص عندما يضع سماعة الهاتف على أذنه فإنه يعرض نفسه لمجال كهرومغناطيسي ذي تردد منخفض، ولكن إذا تعرضت الأذن لهذا المجال لوقت طويل، فإن أثر هذا المجال يزداد حدة.

وقد أكد أحد العلماء في كاليفورنيا أن الإسراف في استعمال الهاتف له مضاعفات سيئة على الصحة تبدأ بالمتاعب في الجهاز العصبي والقلب والدورة الدموية، وقد تصل إلى حد العقم. وبالنسبة للهاتف الجوال فإن الأمر يبدو أشد خطراً، نظراً لأنه ذو تردد عال (850 مليون ذبذبة في الثانية)، ويختلف تصميم الهاتف الجوال عن الهواتف الأخرى في أن السماعة تحتوي على جهاز الإرسال اللاسلكي، وهو ما يعني أن الموجات اللاسلكية تغشى الدماغ إثر خروجها من مركز الإرسال (السماعة) فتتداخل مع المجالات الكهربائية الطبيعية لأغشية الخلايا مسببة الإصابة بالسرطان. ودرءاً للخطر، تحذر بعض الشركات زبائنها في دليل الاستخدام من أن تلمس أجسادهم الهواتف الجوالة في أثناء المكالمات الهاتفية.

وقد حدث أن رفع مواطن بولاية فلوريدا الأمركيةدعوى قضائية ضد إحدى المؤسسات اليابانية لصناعة الهاتف، وأيضاً ضد المؤسسة المشغلة لنظام الهاتف النقال ومعرض بيع أجهزة يتهمهم فيها بالتسبب في إصابة زوجته بورم دماغي خبيث أدى إلى وفاتها.

وأشار في عريضة الدعوى إلى أن المؤسسة والمعرض لم يرشدا الزوجة إلى طريقة الاستخدام السليمة .

ولاشك أن هذا الوضع يستوجب إعادة النظر في تصميم أجهزة الهاتف الجوال وطريقة استخدامه بحيث تخفف شدة الموجات الكهرومغناطيسية المنبعثة عنها.

فهذه الأجهزة تنتشر سريعاً في العالم، ويتم تطويرها باستمرار، بحيث تصبح أخف وزناً ومتعددة الاستخدام، ففي الولايات المتحدة الأمركية، تخطط الشركات المتخصصة لإنتاج أجهزة اتصال أخرى تحمل باليد مثل: المتصل الشخصي، والمساعد الشخصي الرقمي، والتي يمكنها إرسال الفاكس والبيانات والرسائل الأخرى واستقبالها عبر شبكات الهاتف الجوال.

إن المجالات المغناطيسية تؤثر أيضاً على الوظائف البيوكيميائية التي تدور داخل الخلايا الحية، فالتعرض للمجال الكهرومغناطيسي يمكن أن يؤثر على سريان المواد الكيماوية عبر الأغشية ويتدخل في تركيب المادة الوراثية، ويغير أيضاً في نشاط الهرمونات والكيماويات ما قد يؤدي إلى تشوه الأجنة ، أو إلى التخلف العقلي، فضلاً عن حدوث اضطرابات في ضربات القلب واضطرابات في أنماط الأكل والتنفس والنوم.

ونظراً لخطورة المجالات الكهرومغناطيسية على صحة البشر، قامت بعض الدول مثل السويد بسن التشريعات التي تحدد حد الأمان بالنسبة للموجات الكهرومغناطيسية التي يتعرض لها الإنسان وهو 200 ميكروات.

وهذا هو الحد الأقصى المسموح به. كما قامت هيئة المواصفات السويدية بمراجعة مقاييسها المتعلقة بالموجات الكهرومغناطيسية المنبعثة من شاشات الكمبيوتر، ووضعت مقياساً جديداً صارماً يعرف بـ MPR2.

يتقيد نحو أربعة عشر منتجاً ومصنعاً بهذا المقياس، ويقومون بإعادة تصميم منتجاتهم وفقاً له، ولكن أغلبية شاشات الكمبيوتر المعروضة في الأسواق العالمية غير ملتزمة بهذا المقياس.

تدابير الوقاية

رغم أن الآثار الصحية للمجالات الكهرومغناطيسية مازالت محل خلاف بين العلماء إلا أنه لا خلاف على أن طول زمن التعرض لهذه المجالات يلحق ضرراً بصحة الإنسان، وعليه فإن الإجراءات الوقائية تدور في مجملها حول تقليل فترة التعرض لهذه المجالات ووضع العوازل التي تقلل من شدتها، وفي هذا الشأن يتعين القيام بما يلي:  الاحتفاظ بمسافة كافية بين الشخص وبين الأجهزة الكهربية فمثلاً، عليه أن يحافظ على مسافة 12 بوصة بينه وبين فتاحة العلب الكهربائية، ومسافة 6 بوصات بينه وبين مجففات الشعر، ما يخفف المجال الكهرومغناطيسي بنسبة 75%. وضع الساعة المنبهة والساعة الكهربائية وآلات إجابة نداء الهاتف الآلية بعيداً عن السرير بما لا يقل عن 1.5 متر.

 ـ الجلوس بعيداً عن شاشات العرض المختلفة بحيث لا تقل المسافة عن ذراع على الأقل، وإذا دعت الحاجة إلى استبدال الشاشة فيفضل اقتناء شاشة من النوع الذي يتقيد بمقاييس السلامة السويدية للمجالات المنخفضة. كما يتعين إطفاء الشاشة عند عدم استعمالها. وبالنسبة لأجهزة التلفزيون ذات الشاشات الكبيرة، فإنه ينبغي للمشاهدين الجلوس بعيداً عنها بمقدار مترين على الأقل.

 - استخدام عوازل لحجب المجال الكهرومغناطيسي المتولد عن الكابلات الكهربائية أو تخفيفه، ومن المواد التي تستخدم في هذا الشأن مادة موميتال،.وتتكون هذه المادة من سبيكة النيكل والمولبيديوم والحديد.

نخلص من هذا العرض إلى ضرورة مواصلة البحوث والتجارب لقياس شدة المجالات الكهرومغناطيسية التي نتعرض لها في حياتنا اليومية.

والتعرف على تأثيرها على صحتنا وقد توصل العلماء إلى تطوير أجهزة يمكن استخدامها لهذا الغرض، وفي الولايات المتحدة، توجد أجهزة تباع في الأسواق لقياس شدة المجال الكهرومغناطيسي وتسمى أجهزة جاوس. ويتعين على كل من يتعاملون مع الأجهزة ذات المجالات الكهرومغناطيسية سواء كمنتجين أو مستهلكين أو فنيي صيانة أن يراعوا معايير السلامة ويحرصوا على تقليل تعرضهم لهذه المجالات، وذلك إلى أن يتوصل العلم إلى تصور يقيني قاطع بشأن تأثير المجالات على الصحة العامة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:جريدة الصباح