مشروع "البروتيوم" والطريق إلى "كِتاب الحياة"

 

 

د. أكمل عبد الحكيم

 

 

ببساطة، الجينوم (Genome) هو مجمل المعلومات الوراثية الموجودة في خلايا الكائنات الحية، من إنسان أو حيوان أو نبات.

ويهدف مشروع الجينوم البشري إلى تحديد تفاصيل تلك المعلومات الوراثية الموجودة في خلايا الإنسان، من كروموسومات وجينات، والتي تتكون بدورها من وحدات من الحمض النووي الأميني.

هذه المعلومات الوراثية يحلو للبعض أن يطلق عليها "كتاب الحياة" (Book of Life)، بسبب دورها الأساسي والرئيسي في تنظيم العمليات الكيميائية والحيوية داخل الجسم، والضرورية لاستمرار الحياة.

ويمكن تشبيه الجينوم البشري بهيئة حكومية، تتكون من إدارات مختلفة (23 زوجاً من الكروموسومات)، تتضمن عشرات الآلاف من الأقسام (22 ألف جين)، يعمل في كل منها عدد ضخم من الموظفين (ثلاثة مليارات من قواعد الحمض النووي الأميني).

ولذا يصبح مشروع الجينوم في أساسه: مجرد قاعدة بيانات تحتوي على معلومات مبدئية عن الإدارات والأقسام الموجودة في هذه الهيئة، بالإضافة إلى أسماء ودرجات جميع الموظفين في كل الأقسام.

وحتى قبل أن ينهي العلماء قاعدة بيانات الجينوم في عام 2005، كانت أنظارهم تتجه إلى مشروع آخر، هو "مشروع البروتيوم البشري" (Human Proteome Project)، الذي يعتبر أكثر أهمية بكثير من مشروع الجينوم.

فعلى رغم الكم الهائل من المعلومات التي يحتويها مشروع الجينوم، مثل موقع الجينات على الكروموسومات، ومكوناتها من القواعد الحمضية الأمينية، إلا أنه يفتقد المعلومات الأساسية عن وظيفة كل من هذه الجينات، وبالتحديد كيفية تأدية تلك الجينات لوظائفها.

تماماً مثل قاعدة بيانات، تحتوي على جميع الإدارات والأقسام في الهيئة سابقة الذكر، بالإضافة إلى أسماء ودرجات كل موظف، دون تحديد لطبيعة عمل هؤلاء الموظفين، وكيفية تأدية كل منهم لوظيفته.

هذا الفراغ الهائل يسعى مشروع "البروتيوم" لملئه، من خلال بناء قاعدة بيانات مماثلة عن البروتينات الموجودة في الجسم، والتي يتم إنتاجها بناء على أوامر من الجينات.

فوظيفة الجينات في الحقيقة، هي إصدار الأوامر، لإنتاج بروتينات خاصة في أوقات معينة وظروف معينة، يقوم كل منها بدور في استمرار وتوازن العلميات الحيوية الفسيولوجية داخل الجسم.

وسرعان ما اكتشف العلماء مدى صعوبة وتعقيد مشروع "البروتيوم"، مقارنة بمشروع الجينوم، على رغم أن الأخير استغرق خمسة عشر عاماً، وبلغت تكلفته ثلاثة مليارات دولار، وشارك فيه علماء من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين واليابان.

وتأتي هذا الزيادة في التعقيد، نتيجة أن البروتينات التي تصدر الأوامر من الجين بإنتاجها، يمكنها أن تشهد تغيرات في تركيبها لاحقاً، والتحول إلى شكل ونوع جديدين.

وهو ما يعني أن عدد البروتينات في النهاية، أكبر بكثير من عدد الجينات المسؤولة عن إنتاجها، هذا بالإضافة إلى أن مشروع البروتيوم يتطلب معرفة تركيب جميع البروتينات وأشكال التفاعل فيما بينها.

وحتى مشروع الجينوم الذي ينظر إليه على أنه أسهل وأبسط، يكتشف العلماء تدريجياً أنهم أخطأوا في تقدير مدى تعقيده.

هذه الحقيقة عادت لتؤكدها هذا الأسبوع دراسة نشرت في الدورية العلمية المرموقة (Nature and Genome Research)، وصدرت عن المعهد الأوروبي للبيانات البيولوجية (European Bioinformatics Institute)، المعني بدراسة جوانب البيولوجيا الجزيئية.

في هذه الدراسة، التي أجريت على 1% من المادة الوراثية للإنسان، اكتشف العلماء أن تركيب الجينوم البشري وكيفية تأديته لوظائفه، أكثر تعقيداً بمراحل مما هو معروف حالياً. فالفكرة الأساسية خلف الجينوم البشري، أن جميع جينات الإنسان - وعددها 22 ألف جين- تتواجد في 3% فقط من المادة الوراثية، بينما لا تؤدي الـ97% الباقية أية وظيفة معروفة، ولذا يطلق عليها المادة الوراثية الخردة (junk DNA).

ولكن عندما قام علماء المعهد الأوروبي بالتدقيق عن قرب في هذا الجزء من المادة الوراثية، اكتشفوا أنه ليس خردة بالمرة، بل إنه يشارك بفعالية مع الجينات في تحديد الصفات الوراثية، وفي تأدية خلايا الجسم لوظائفها.

وهو ما يعني أنه بعد خمسة عشر عاماً، وثلاثة مليارات من الدولارات، اتسمت نظرتنا للجينوم البشري بالسذاجة الشديدة، واعتمد فهمنا لتركيب المادة الوراثية على السطحية والتبسيط المضلل.

هذه النظرة الساذجة والفهم السطحي، يسعى العلماء لتغيرهما من خلال دراسة واسعة النطاق، تشارك فيها ثمانون منظمة ومركزاً علمياً حول العالم، بهدف إصدار موسوعة أكثر شمولية عن تفاصيل الجينوم البشري، أطلق عليها لقب "إنكود" (Encode).

والخلاصة هي أن جهود الإنسان لفهم تركيب مادته الوراثية، مرت بثلاث مراحل؛ الأولى كانت مشروع الجينوم الذي منحنا قاعدة بيانات عن 22 ألف جين تتواجد في 3% من المادة الوراثية، والثانية هي الجهود الحالية لإصدار موسوعة "الإنكود" المعنية بدراسة البقية الباقية من المادة الوراثية، والثالثة هي مشروع البروتيوم المعني بدراسة كيفية تأدية الجينات لوظائفها من خلال دراسة البروتينات المسؤولة عنها.

وبما أن موسوعة "الإنكود"، ومشروع البروتيوم، لا زالا في مراحلهما الأولية، يصبح كل ما هو متاح لنا حالياً هو المعلومات التي وفرها مشروع الجينوم، الذي في الحقيقة لم يقم بدراسة جميع الجينات بل 92% منها فقط، عند الإعلان عن انتهائه.

وهو ما يعني أننا لازلنا في بداية الطريق نحو الفهم الكامل لجميع فصول "كتاب الحياة"، وهو الطريق الذي ربما لن نصل إلى نهايته إلا بعد عدة عقود من الزمان، وبتكلفة نهائية تتخطى عشرات المليارات من الدولارات.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-18-6-2007