«القاعدة» تعاني خلافات بين أمرائها و «السلفيون» يغزون الجزائر

-1- 

 

 

وجماعة «حماة الدعوة» لا تُقاتل ولا تنزل من الجبل

«السلفيون» يغزون الجزائر مستغلين انشغال أجهزة الأمن بالقتال على «جبهة الجهاديين»

بعد مرور 15 سنة على إلغاء السلطات الجزائرية نتائج الانتخابات التي كان الإسلاميون على وشك تحقيق فوز ساحق فيها، يعود هؤلاء اليوم إلى الساحة مجدداً، متسلّحين بمجال واسع من حرية النشاط الديني تتيحه لهم السلطات العازمة على فتح صفحة جديدة مع من يتخلّى منهم عن العنف.

ويُلاحظ زوّار العاصمة الجزائرية انتشاراً لافتاً للإسلاميين بمختلف مشاربهم، وإن كان أكثرهم جذباً للانتباه هم «السلفيون»، بلحاهم الطويلة وجلابيبهم القصيرة، في منظر لم يكن مألوفاً قبل بضع سنوات من الآن، عندما كانت البلاد ما زالت لم تخرج بعد من حرب ضد الجماعات المسلحة حصدت ما لا يقل عن 150 ألف قتيل.

ولا يقتصر انتشار هؤلاء على منطقة بعينها في العاصمة الجزائرية، إذ انهم يظهرون في كثير من أحيائها، يتجمعون حول مساجدها، ويجرّون في أيديهم أبناءهم الصغار - الذين يرتدون كآبائهم جلابيب «سلفية» - لأداء الصلاة.

 تراهم في سيارات التاكسي التي يبث مذياعها من دون توقف آيات من الذكر الحكيم، وفي الأسواق الشعبية يبيعون الخضار واللحوم.

لكن هذه «الطفرة السلفية» لم تترجم نفسها، في المشهد الانتخابي الذي شهدته الجزائر قبل أيام، فالأحزاب الإسلامية المشاركة في الاقتراع لم تُسجّل «اختراقاً» مهماً على حساب غيرها من التيارات السياسية في المجلس الشعبي الوطني الجديد (الغرفة الأولى في البرلمان). وحركة «مجتمع السلم» كانت الوحيدة التي سجّلت بعض التقدم، وإن كان ذلك يُعزى في شكل كبير منه إلى ضعف غيرها من الأحزاب الإسلامية (كحركة الإصلاح وحركة النهضة)، وليس إلى استفادتها من أصوات «السلفيين» الذين لا يصوّتون في العادة لمصلحة حزب «إخواني» التوجه.

وبغض النظر عن الانتخابات ونتائجها، هناك من يربط هذه الطفرة «السلفية» في الجزائر بالتساهل الذي تبديه السلطات إزاءهم في إطار سعيها إلى تشجيع قيام «بديل» إسلامي قادر على التصدي لـ «الجهاديين» وأفكارهم، إذ ان هؤلاء الأخيرين هم الخزان البشري الأساسي الذي تعتمد عليه الجماعات المسلحة المصرّة على مواصلة القتال ضد الحكم.

وكانت السلطات الجزائرية اكتشفت مدى أهمية «السلفيين» في نهاية التسعينات ومطلع الألفية الجديدة عندما أدلى عدد من علماء الخليج بمواقف صريحة تؤكد أن ما تقوم به الجماعات المسلحة في الجزائر «ليس جهاداً». ويقول مسؤول بارز معني بهذا الملف، في لقاء مع «الحياة»، أن فتاوى العلماء السلفيين نقلها آنذاك موفدون خاصون إلى «امراء» الجماعات المسلحة في الجبال، وكان لها أثر كبير في أوساط هؤلاء الذين «بدوا كمن اكتشف فجأة أن الحق الذي اعتقدوا أنهم عليه ليس بحق، وأن ما قاموا به على مدى سنوات من عمليات قتل لا يجيزه الشرع، كما كانوا يظنون».

وأضاف المسؤول أن تلك الفتاوى التي قدّمت تأصيلاً شرعياً ينفي صحة «الجهاد» في الجزائر، أسهمت خلال فترة قصيرة جداً في إقناع عدد من «أمراء» الجماعات بالنزول من الجبل وتسليم أنفسهم بهدف الاستفادة من قانون الوئام المدني الذي كان مطروحاً آنذاك، بين 1999 و 2000، في بداية عهد الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، ولاحقاً من قانون المصالحة الوطنية والسلم.

وقال إن «أمير» إحدى الجماعات نزل من الجبل مع عناصر كتيبته كافة وأبلغ أجهزة الأمن أنه اطلع على فتاوى العلماء السلفيين وأقتنع بأنه كان فعلاً على خطأ ومستعد لتحمل تبعات تصرفاته، مؤكداً أنه لم ينزل من الجبل لمجرد رغبته في الاستفادة من العفو. ولم يكشف المسؤول اسم هذا «الأمير» ولا اسم جماعته.

وقال المسؤول الكبير إن الجماعات المسلحة التي لا تزال في الجبل تنقسم إلى قسمين أساسيين. الأول يتبع تنظيم «القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي» بقيادة «أبي مصعب عبدالودود» (عبدالمالك دوردكال)، والثاني يتبع جماعة «حماة الدعوة السلفية» بقيادة «سليم الأفغاني». وكلتا الجماعتين خرجتا من رحم «الجماعة الإسلامية المسلحة» إثر تفككها في النصف الثاني من التسعينات نتيجة الغلو الذي انتهجته قيادتها في ظل «الأمير» جمال زيتوني (من 1994 - 1996) وبعده عنتر زوابري (1996 - 2002) حيث وصل الأمر بها في عهد الأخير إلى حد تكفير الشعب الجزائري («عموم الردة»).

وفي حين تنشط جماعة «القاعدة» («الجماعة السلفية للدعوة والقتال» سابقاً) في الولايات المحاذية للعاصمة شرقاً وامتداداً حتى شرق البلاد وبعض مناطق الصحراء، فإن «حماة الدعوة السلفية» كانت تتخذ من ولايات غرب الجزائر قاعدة لنشاطها، قبل أن تضطر أخيراً إلى «النزوح» شرقاً عبر سلسلة جبال الونشريس في اتجاه الولايات القريبة من العاصمة غرباً.

وأكد المسؤول أن جماعة عبدالودود - التي لا يُعرف العدد الدقيق لعناصرها وإن كان الرقم يُقدّر ببضع مئات - تعاني مشاكل داخلية شديدة نتيجة السياسة التي ينتهجها منذ تحويله «الجماعة السلفية» إلى «القاعدة المغاربية» في كانون الثاني (يناير) الماضي. وقال إن «تائبين» من هذه الجماعة أكدوا أخيراً لأجهزة الأمن أن الخلافات تعصف بقادتها، مقدّمين وصفاً دقيقاً لتحفظات أبداها بعض الأمراء إزاء سياسات «الأمير الوطني» عبدالودود.

ومعلوم أن «القاعدة المغاربية» أصدرت أخيراً بياناً نفت فيه معلومات جزائرية عن خلافات تعصف بصفوفها، لكن المسؤول الجزائري أكد لـ «الحياة» أن أجهزة الأمن لديها معلومات تؤكد صحة الخلافات داخلها.

وأشار المسؤول إلى أن السلطات ما زالت تمد يدها إلى أي مسلح في الجبل، سواء كان من جماعة عبدالودود أو غيرها من الجماعات، وتدعوه إلى إلقاء السلاح للاستفادة من إجراءات قانون المصالحة والسلم (على رغم انقضاء آجال الاستفادة منه العام الماضي).

ولم يتناول المسؤول بالتفصيل وضع الأمير السابق لـ «الجماعة السلفية» حسان حطاب الذي يرفض النزول من الجبل على رغم اختلافه مع قادتها الحاليين («القاعدة» بحسب اسمها الجديد).

لكنه أشاد بتخليه عن العمل المسلح، مرجّحاً أن تكون فتاوى مشايخ السلفية في الخليج النافية لصحة «الجهاد» في الجزائر جعلته يراجع الأفكار التي كان يتبناها، علماً أنه كان من أوائل الذين انشقوا عن «الجماعة المسلحة» بقيادة عنتر زوابري وتبرّأوا من المذابح التي تبنتها.

ويعيش حطاب حالياً في مكـــان منعـــزل فــي منطقة جبلية نائيـــة، لكنـــه يرفـــض تسليـــم نفسه للاستفادة من إجراءات المصالحة.

وأجرت أجهزة الأمن اتصالات معه فـــي السنوات القليــلة الماضية، لكنها لم تتوصل إلى اتفاق يقنعه بالنزول من الجبل.

ويُعتقد أن أجهزة الأمن تشعر ببعض الخيبة من فشله في إقناع عدد كبير من عناصر «الجماعة السلفية» بالتخلي عن العمل المسلح والنزول من معاقلهم للاستفادة من إجراءات قانون المصالحة، في حين أن حطاب نفسه حذِر بطبيعته ويخشى أن تكون الاستخبارات «تمكرُ به» وبالتالي لا يريد أن يضع «كل بيضه في سلّة الأمن»، الأمر الذي «سيشوه سمعته في أعين بعض الإسلاميين».

وأقر المسؤول ذاته بصعوبة القضاء تماماً على معاقل «القاعدة» في شرق العاصمة، لكنه قال إن الجيش يعرف أن عناصر هذا التنظيم يتخذون من أعالي ولايتي بجاية وتيزي وزو مقرات أساسية لهم، لكن هذه المقرات «ليست ثابتة» إذ انهم يضطرون إلى نقلها من مكان إلى آخر بفعل مطاردة قوات الأمن لهم.

وأوضح أن اضطرارهم إلى التحرك الدائم يعرقل قدرتهم على التحضير لعمليات كبيرة، كالتي قاموا بها في العاصمة الجزائرية في نيسان (ابريل) الماضي عندما أرسلوا سيارات يقودها «انتحاريون» فجّروا أنفسهم في قصر الحكومة ومركز أمني في باب الزوار.

وشدد المسؤول على أن الوضع الحالي لا يمكن مقارنته بأي حال بالوضع في فترة التسعينات، إذ «ليس هناك اليوم ما يمكن أن يُسمى «مناطق محررة» يتعذر على الجيش دخولها، كما كان الحال أيام «الجماعة الإسلامية المسلحة» التي كانت تسيطر على مناطق بالغة التحصين».

أما بالنسبة إلى «حماة الدعوة السلفية»، وهي المجموعة الثانية المنشقة عن «الجماعة المسلحة»، فقال مصدر مطلع على ملفها ان فتاوى العلماء السلفيين في الخليج نُقلت أيضاً إلى أميرها «سليم الأفغاني» لكنه اكتفى بالقول انه اطلع عليها، من دون أن يعطي رأياً معها أو ضدها.

والظاهر أن هذه الجماعة قررت وقف عملياتها المسلحة من دون الإعلان رسمياً عن ذلك، في خطوة شبيهة بخطوة زعيم «جماعة الجهاد» المصرية أيمن الظواهري الذي أوقف سراً عملياته في مصر منذ 1995/1996 لـ «عدم القدرة»، إذ ان أجهزة الأمن فككت معظم بنيان تنظيمه في داخل البلاد.

ويوضح المصدر الجزائري ذاته ان الجيش يعرف أن عناصر «حماة الدعوة» يتجنبون الدخول في مواجهة معه، ويلجأون إلى مغادرة مواقعهم في منطقة معينة إذا لاحظوا أن الجيش يتقدم صوبها.

وتعمل هذه الجماعة، منذ وقف عملياتها قبل سنوات، على إعداد جيل جديد من أبناء عناصرها وأبناء المناطق التي تنتشر فيها على التعاليم السلفية.

وتلقت وسائل إعلام جزائرية، قبل أيام، رسالة موقعة من هذه الجماعة تضمنت تأصيلاً شرعياً يدحض تبرير عمليات التفجير التي قام بها تنظيم «القاعدة» في العاصمة ضد قصر الحكومة والمركز الأمني في باب الزوار.

وليس واضحاً اليوم هل ان تجنّب «حماة الدعوة» المواجهة العسكرية مع قوات الأمن هو قرار مرحلي تكتيكي أم أنه استراتيجية بعيدة المدى.

لكن يُعتقد أن هناك منتقدين داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية لأي تساهل مع هذه الجماعة، إذ يقولون أنها تستغل التهدئة العسكرية لبناء خلاياها وقدراتها، وأن المواجهة معها حتمية، إن لم يكن اليوم فغداً.

لكن آخرين سيردون على ذلك الانتقاد بأن التهدئة مع «السلفيين» تمنح أجهزة الأمن وقتاً للتركيز على جبهة «الجهاديين» بدل القتال على جبهتين.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-5-6-2007