العملاق المتعلم... و سحر التعليم الصيني

 

 

نيكولاس كريستوف

 

 

في ظل الارتفاع المتواصل للفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة الأميركية، تميل الأخيرة إلى الرد على ذلك عبر فرض التعرفات الجمركية وإقامة مزيد من الحواجز. غير أنه بدلاً من ذلك، يجدر بنا استخلاص العبر والدروس من الصين نفسها، والرد عبر مزيد من الاهتمام بالتربية والتعليم. ذلك أن أحد أسباب الصعود الذي تحققه الصين ويؤهلها لإمكانية الحلول محل الولايات المتحدة كأهم بلد في العالم خلال القرن الحالي، يكمن في حقيقة أن الصين تبذل جهوداً أكبر في سبيل بناء الرأسمال البشري مقارنةً بنا.

لقد زرت مؤخراً منطقة "تايشان" الواقعة جنوب إقليم "غوانغدونغ" الصيني، وهي المنطقة التي تنحدر منها عائلة زوجتي "شيريل".

وكان أجداد شيريل قد غادروا قرى المنطقة معتقدين أنهم سيجدون فرصاً أفضل لأطفالهم في "ميغو" -أي "البلد الجميل"- كما تدعى الولايات المتحدة هنا في الصين، وهو ما قاموا به فعلاً. وحين تجتمع عائلة "شيريل" وأقاربها في مناسبة ما، يشعر المرء بالحرج أو بأن شيئاً ما ينقصه بدون شهادة دكتوراه.

بيد أن الفجوة التعليمية بين الصين والولايات المتحدة ما فتئت تتقلص بسرعة.

فمؤخراً، قمت بزيارة عدد من المدارس الابتدائية والإعدادية مرفوقاً باثنين من أبنائي. وبصفة عامة، أستطيع القول إن مستوى الرياضيات الذي يُدرس حتى في مدارس الفلاحين في القرى الصينية، يشبه مستوى الرياضيات في المدارس الممتازة بمنطقة نيويورك حيث يدرس أبنائي.

وفق النظام التعليمي المعتمد في مدارس أبنائي، لا يبدأ التلاميذ تعلم اللغات الأجنبية سوى في الصف السابع.

أما هؤلاء الفلاحون الصينيون، فيبدؤون تعلم الإنجليزية في الصف الأول أو الصف الثالث، حسب المدرسة. وبصراحة، فقد تعبت ابنتي من كثرة ما كان المعلمون يقولون لها، بعد أن يلقوا نظرة في كتبها المدرسية: "إننا نقوم بذلك قبل مستواك بصفين".

ثمة، في اعتقادي، أربعة أسباب لنجاح وتفوق التلاميذ الصينيين.

أولها أنهم تلاميذ متعطشون للتعليم والتقدم، ويعملون بكد ومثابرة.

بالمقابل، يُمضي الأطفال الأميركيون ما متوسطه 900 ساعة سنوياً في الأقسام الدراسية، و1023 ساعة أمام التلفاز.

فهنا في المدينة التي تنحدر منها عائلة شيريل مثلا، يأتي التلاميذ إلى المدرسة في الساعة السادسة والنصف صباحاً لتلقي مزيد من التوجيه، قبل أن تبدأ الدروس في الساعة السابعة والنصف.

وفي الساعة الحادية عشرة وعشرين دقيقة، يذهبون إلى بيوتهم من أجل الغداء، ثم يعودون إلى المدرسة في الساعة الثانية ظهراً حيث يدرسون إلى غاية الساعة الخامسة عصراً. وعلاوة على ذلك، يقوم التلاميذ الصينيون بواجباتهم المنزلية كل ليلة وفي عطلة نهاية الأسبوع، إضافة إلى ساعة أو ساعتين من الواجبات المنزلية كل يوم أثناء عطلتهم الصيفية التي تدوم ثمانية أسابيع.

أما السبب الثاني، فيكمن في حقيقة أن الصين تُكن احتراماً ثقافيا كبيراً للتعليم في إطار موروثها الكونفشيوسي، وهو ما يفسر اهتمام الحكومات والعائلات معاً بالتعليم. إذ يحظى المعلمون مثلاً باحترام وتعويضات أكبر وأفضل، مالياً ومعنوياً، هنا في الصين مقارنة بالولايات المتحدة.

في مقالي الأخير حول "دونغوان"، كتبت حول الطفرة التي تعيشها هذه المدينة التي لم تكن تتوفر على جامعة عندما زرتها لأول مرة قبل عشرين عاماً. أما اليوم، فتخصص هذه المدينة 21% من ميزانيتها للتعليم، وتتوفر على أربع جامعات. وعلاوة على ذلك، فإن 58% من سكانها الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و22 عاماً، مسجلون في الجامعة.

السبب الثالث هو أن الصينيين يؤمنون بأن أولئك الذين يحصلون على أفضل العلامات، هم أولئك الذين يعملون بجد ومثابرة. وبالمقابل، يرى الأميركيون، في استطلاعات الرأي، أن أفضل التلاميذ هم أولئك الذين يتمتعون بذكاء فطري. أما الخلاصة، فهي أنه ليس للأطفال الصينيين عذر أو ذريعة لتبرير ضعف نتائجهم.

الواقع أن التعليم الصيني يعاني مشاكله الخاصة به، مثل الرشاوى والرسوم من أجل التسجيل في المدارس الجيدة، والأقسام المكتظة التي يصل عدد التلاميذ بها إلى ما بين 50 و60 تلميذاً، وقدم التجهيزات، وضعف الجامعات. غير أن التقدم الذي أحرزوه خلال ربع قرن الأخير، لافت ومذهل.

ومن المشجع أيضاً أن كثيراً من الصينيين يحركون رؤوسهم خلال قراءة هذا المقال، ويقولون إن الأمر ليس كذلك في الواقع؛ حيث سيشتكون من أن المدارس الصينية تعلم التلقين والاستظهار، ولا تشجع الإبداع والخلق أو حب التعلم .

والحقيقة أن هذا النوع من النقاشات مفيد للمدارس، وكان من نتائجه تحسن طرق تعليم اللغة الإنجليزية حتى يستطيع التلاميذ الصينيون في المدن التواصل بشكل أفضل بالإنجليزية مقارنة مع اليابانيين أو الكوريين الجنوبيين.

بعد زيارتي للمدينة التي تنحدر منها عائلة شيريل، وضعت شريط فيديو حول المدينة على الموقع الإلكتروني لصحيفة "نيويورك تايمز". وسرعان ما ذهلتُ لرؤية تعليقٍ على موقعي الشخصي من امرأة كانت تعيش في تلك المدينة. "ليتاو ماي"، نشأت في منزل رأته في الشريط المذكور؛ والداها لم يتعديا الصف الثالث، لكنها كانت أول شخص في المدينة يذهب إلى الجامعة. اليوم، تعمل "ماي" مع شركة "ميريل لانتش" في نيويورك وتصف نفسها بـ"الفلاحة الصغيرة" التي تحولت إلى "رأسمالية في وول ستريت". ذالك في الواقع هو سحر التعليم، وثمة 1.3 مليار شخص وراء "ماي". وعليه، فلنتجنب الرد على فائض الصين التجاري عبر إقامة الحواجز. وبدلاً من ذلك، لنفعل ما فعلناه بعد إطلاق الاتحاد السوفييتي لصاروخ "سبوتنيك" عام 1957، أي النهوض بالتعليم ورفع جودته استعداداً للمنافسة.

*كاتب ومحلل سياسي أميركي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز" – الاتحاد الاماراتيه-30-5-2007