المعلوماتية الحيوية «بيوإنفورماتيكس» علم يدمج الكومبيوتر مع الرياضيات والجينوم

 

عزام مكي

 

فكّر الإنسان بالحمض الوراثي كما لو أنه حاسوب

شهدت تسعينات القرن العشرين، تقدّماً قوياً في علوم الوراثة والجينات، خصوصاً في مشاريع التعرّف إلى التركيب الوراثي لعدد من الكائنات الحيّة، مثل خميرة الخبز والفأر وذبابة الفاكهة وغيرها. وتوّجت هذه الجهود بالكشف عن التركيبة الوراثية (الجينية) للانسان.

وبديهي ان تلك الانجازات ولّدت سيولاً من المعلومات المتطورة في مجال علم البيولوجيا، تضمنت الخريطة الجينية (أي الشفرة الوراثية) للكائنات المختلفة، والمركبات التي تتفاعل في الخلية مع تلك الشفرة، وما ينتجه ذلك التفاعل من بروتينات أساسية وانزيمات وغيرها من المُركّبات المسؤولة عن قراءة الشفرة الوراثية والتعامل مع معطياتها، بما في ذلك نسخ المعلومات التي تحملها تلك الشفرة الحيّة والفريدة من نوعها.

وبذا، استطاع العلماء التعرّف الى تلك المعلومات التي تُحدّد تركيب الجسم وطبيعة عمله ونسق نموه. وهكذا، أدّت تلك التطورات إلى نمو نوعي في معلومات البشر عن الظواهر البيولوجية وتراكيبها وآلياتها.

وراهناً، تحفظ هذه المعلومات في قواعد بيانات بيولوجية Biology Databases يتراوح عددها بين 500 و1000 قاعدة. وتحتوي احدى اشهر هذه القواعد البيانية، واسمها «جين بانك» GENEBANK وتخصص بحفظ معلومات عن شفرة حمض الوراثة (الحمض النووي «د ن أ» (DNA. ويمكن النظر إلى حمض الوراثة، الذي يتألف من سلاسل بروتينية، باعتباره كتاباً فيه 67 مليون ملف من المعلومات المُشفّرة في سلاسل من 71 مليون «حلقة»، تُسمى كل منها «قاعدة مزدوجة». وللمقارنة، فقبل عشرين عاماً، ضمت تلك السلاسل نفسها 15 ملفاً من «القواعد المزدوجة».

 وأدى التزايد الكمي للمعلومات البيولوجية، أدى إلى تثوير حقول علمية أخرى، خصوصاً الطبية منها.

إن فهماً أفضل لكيفية انتظام الجينات، ودورها في الخلية وفي تطور الكائنات، يفتح الباب لتصميم علاجات تتناسب مع المواصفات الوراثية للانسان ولفهم المشاكل الصحية المترافقة مع التقدّم في العمر. ويحدث ذلك الأمر يومياً. فبصورة فعلية، شكّلت المعلومات الجينية المكتشفة، وبسرعة، الاساس لتصميم الكثير من الأدوية ومُكوّناتها.

كما أصبحت أداة لتحسين الكثير من التراكيب الوراثية لعدد كبير من المحاصيل الزراعية والحيوانات ذات الأهمية الاقتصادية.

في المقابل، واجه العلماء تحدي سُبل التنقيب والبحث عن معلومات مُحدّدة، بطريقة سريعة وفعّالة، في هذا الكم العارم، باعتبار ذلك من المتطلبات الأساسية في البحث العلمي.

إن العثور على المعلومة المطلوبة بات يُشبه محاولة العثور على إبرة في كومة من القشّ.

إذاً، فقد تطلب التطور في المعرفة انبثاق علم لم يكن سابقاً: الـ «بيوإنفورماتيكس» BIOINFORMATICS.

وإذ يتضاعف حجم المعلومات البيولوجية مرة كل سنة ونصف او سنتين، كان لا بد من اللجوء في تقنيات المعلوماتية Information Technology التي تتضاعف قوتها كذلك بالوتيرة نفسها تقريباً، بحسب ما نص عليه قانون «مورفي» الشهير.

هكذا انبثق «بيوإنفورماتيكس» كعلم يلتقى فيه النمو الهائل للتقنية الحيوية مع التطور المطرد لتكنولوجيا المعلوماتية.

ومنذ انبثاقه، قبل وقت ليس بالقصير، ما زال اسمه غير مألوف. ويمكن تعريفه بأنه: «استخدام الحاسوب للتعامل مع المعلومات البيولوجية»؛ أو «استخدام الحاسوب لتخزين المعلومات الجينية، وكذلك للبحث عن المعلومات الخاصة بالشفرات الوراثية للجينات، وللبروتينات الأساسية المُتّصلة بعمل هذه الجينات ووظائفها».

وبقول آخر، فإن ذلك العلم يدمج علم الظاهرة الحيّة مع الحاسوب والتقنيات الرقمية، وباعتباره ضرورة لادارة وتحليل وفهم الكم الهائل من المعلومات الناتجة من ثورة المعلومات الجينية.

تاريخ وجيز لمصطلح «بيوإنفورماتيكس»

ظهر مصطلح «بيوإنفورماتيكس» في الادبيات العلمية عام 1991. ولكن بداية استخدامه ترجع إلى عام 1968 مع ظهور كتاب «أطلس البروتينات الأساسية وتراكيبها» لمارغريت دايهوف.

ودخل ذلك العلم في مرحلة التطور العاصف مع استخدام تكنولوجية الحاسوب في مجال البيولوجي، وخصوصاً مع ابتكار برنامج «البحث التماثلي» Similarity Search الذي أدى استعماله الى كشف العلاقة بين مكونات فيروس مُسبّب للسرطان، مع أحد الجينات.

لقد انعكس التطور الكبير في تقنيات التعرّف إلى الشفرة الوراثية على نمو تقنية «بيوإنفورماتيكس» وتطورها؛ ما مكّنها من توفير الأرضية التقنية لمساعدة الاختصاصيين من التعامل مع الكميات الهائلة من البيانات العلمية.

وكما أمّنت الرياضيات للـ «بيوإنفورماتيكس» السير بمعدلات سريعة، وتحقيق قفزات تتلاءم مع حجم المعلومات المتضاعفة، ومن اجل ان تتكامل هذه المعلومات وتتضافر لتشكل صورة شاملة عن نشاطات الخلايا الحيّة، ما يساعد الباحثين في الكشف عن اسباب تغير هذه النشاطات في حالات المرض المختلفة.

ويدين ذلك العلم أيضاً للتطورات التقنية في لغات البرمجة، والتقدم الحاصل في تنسيق عمل الحواسيب، ما يُسمى «تكنولوجيا الحاسوب العنقودي» Cluster Computer، وزيادة قوة التخزين في الأقراص الصلبة والمتحركة، والتقدم في الشبكات، مثل ظهور الانترنت السريعة، وغيرها.

ففي بداية الثورة الجينية، انصب اهتمام «بيوإنفورماتيكس» على انشاء قاعدة بيانات لتخزين معلومات علوم البيولوجيا، بما في ذلك مقارنة المعلومات وتحليلها.

إن تطوير القواعد البيانية لا يشمل مسائل التصميم فقط، وانما كذلك تطوير وصلات أو روابط الكترونية متطورة بينها، لتضمن توفير المعلومات بطريقة سهلة وديناميكية، فضلاً عن امكان ادخال بيانات جديدة وتنقيحها.

ولكي تتم الاستفادة القصوى من هذه البيانات، لا بد من توافر الاداة التي تمكن المستخدم من البحث في قاعدة البيانات المعينة، وأن تجلب له المعلومة التي يبحث عنها تحديداً. وظهرت مجموعة من تلك البرامج، مثل برنامج «إس أر إس»، SRS الذي يُعتبر من أهم برامج البحث المتخصّصة في هذا المجال. كما يضم الموقع الخاص بـ «المعهد الاوروبي للبيوإنفورماتيكس» European Bioinformatics Institute ، عدداً من البرامج المُشابهة. وتستطيع تلك البرامج إعطاء المعلومة المطلوبة، وأن تستنطق غير قاعدة بيانية من خلال أسلوب استفسار مُرَكّب.

وكذلك ذاعت شهرة بعض محركات البحث المتخصّصة في هذا العلم، مثل «إنترز» Entrez المتوافر على موقع «أن سي بي أي» NCBI الشهير. ويعتمد «إنترز» على البحث النصي، ما يسمح للمستخدم بالبحث في الكثير من قواعد البيانات المهمة، ومن ضمنها الاصدارات العلمية الهائلة والمخزّنة في قاعدة البيانات الطبية «بوب ميد» PubMed المعروفة.

ان تحديد وظيفة عمل البروتينات الأساسية، ومعرفة تراكيبها الهيكلية، اصبح من التحديات الكبيرة في مجال تصميم الأدوية.

 ومع ازدياد الفرق بين كمية المعلومات تنشرها مشاريع الجينوم، وعدد البروتينات المُكتشفة باستمرار؛ مع وظائفها وتركيبها؛ يصبح الالتجاء الى ادوات «بيوإنفورماتيكس» أمراً لا مفر منه.

ومن اهم تلك الادوات وأكثرها استخداماً، برنامج «بلاست» BLAST ويقوم هذا البرنامج بمقارنة سلاسل القواعد المزدوجة والبروتينات الأساسية، لمعرفة ما يُشابهها في قواعد البيانات. وبهذا يمكن استخدام «بلاست» لاستنتاج العلاقة الوظيفية بين البروتينات الأساسية في الخلية والقواعد المزدوجة للجينات، إضافة إلى التعرف الى الفئة التي ينتمي اليها الجين. كما يشغل التنبؤ بتركيب البنية الثلاثية الابعاد للبروتين Protein Structure Prediction حيزاً كبيراً في علم «بيوإنفورماتيكس».

فمنذ أن حُدّدت البنية التركيبية الأولى للبروتين، طوّر العلماء برامج للحاسوب قادرة على رسم ملامح البنية الثلاثية الابعاد للبروتين.

ومن اهم هذه الطرق واكثرها قوة ودقة هي ما تعرف بالنَمْذجّة التماثلية «هومولوجي موديلنغ» Homology Modeling. وتبني هذه التقنية صورة ثلاثية الأبعاد للبروتين، انطلاقاً من المعطيات الأولية عن تركيبه.

كما تعطي بعض أدوات علم «بيوإنفورماتيكس» فكرة تقريبية عن عمل البروتين الأساسي، إنطلاقاً من تركيبه الأول أيضاً.

وتشمل نشاطات الـ «بيوإنفورماتيكس» الاساسية مستويات عدّة، بداية من العمل النظري ووصولاً الى صنع جداول إحصائية يستطيع الكومبيوتر التعامل معها؛ ما يُمهد لصنع أدوات التحليل المختلفة. ويُعطي التحليل المقارن للتشكيلات الوراثية Comparative Genomics، نموذجاً من تلك الأدوات التقنية المتقدمة في علم «بيوإنفورماتيكس».

ويمكّن هذا التحليل من التعرّف الى العلاقة التطورية بين الكائنات، عبر اكتشاف اماكن التشابه والاختلاف في تراكيبها الجينية.

وكذلك فإن المعلومات التي يوفرها التحليل المقارن للتشكيلات الوراثية تساعد على فهم افضل لعمل جينات الانسان، وبالتالي صوغ استراتيجيات أفضل لمكافحة الامراض.

وفي هذا السياق، بيّنت تجربة مثيرة أن التركيب الوراثي للانسان يتقاطع مع التركيب الجيني في ذبابة الفاكهة، بنسبة 60 في المئة. والأهم أن ثلثي التشابه ظهرا في الجينات المُتصلة بالسرطان عند الانسان.

والاكثر غرابة أن ذبابة الفاكهة عانت ما يُشبه أعراض مرض «الشلل الرعاش» (باركنسون) Parkinson’s Disease. والحق أن إحدى التحديات التي تواجه الـ «بيوإنفورماتيكس» هي كيفية تحويل الملاحظات البيولوجية إلى نموذج يستطيع الحاسوب ان يفهمه.

وفي المقابل، يواجه ذلك العلم معضلة تتمثل في قلة عدد المتخصصين فيه.

فمنذ أواسط تسعينات القرن الماضي، يتزايد دور هذا العلم، في مجال أبحاث البيولوجيا والصيدلة والجينات، بنسبة تزيد على 25 في المئة.

ولم تترافق هذه القفزة مع ارتفاع مماثل في عدد الاختصاصيين. وبادر عدد من الجامعات في الغرب، مثل جامعة «مانشستر» الى إدخال علم «بيوإنفورماتيكس» وتخصصاته في صلب مناهجها الأكاديمية. وكذلك بادرت الى وضع برامج كفيلة بتدريسه عبر الانترنت.

*استاذ في «بيوإنفورماتيكس» من جامعة مانشستر - بريطانيا

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-29-5-2007