هل الداروينية مفيدة للمحافظين؟

 

 

أندرو فيرغسون

 

الداروينية والمتبرمون بها

لم يكن لديهم أكثر من ساعتين ونصف ليحلوا عدداً من الأسئلة المتشابكة: هل يوجد للواقع أساس ميتافيزيقي مطلق؟ هل هناك محتوى في الكون؟

ولهذا، فقد ترتب عليهم أن يتحدثوا بسرعة، ولكن ليس بالسرعة الكافية. ففي الوقت الذي انتهت جولة النقاش الهائلة في مطلع هذا الشهر، أصبح لدي أنا، أحد الجمهور الحاضر، المزيد من الأسئلة حول الطبيعة والواقع أكثر مما كان هناك في العادة.

إن هذا شيء نادر ما يحدث في مؤسسة فكرية، حتى ولو كانت أكثر مؤسسات واشنطن الفكرية جرأة وإثارة للاهتمام، أعني "معهد المؤسسة الأميركية".

ولعل أحد الأسباب التي تجعل من هذه المؤسسة منظمة الأبحاث الرائدة في العاصمة هو أنها هي وحدها يمكن أن تفكر في تجميع أربعة من الأشخاص اللامعين والبارزين لمناقشة مضامين الداروينية فيما يتعلق بالفكر السياسي والسياسة العامة.

وقد كان عنوان الندوة بالتحديد "الداروينية والمحافظية: أصدقاء أم أعداء؟"

وكان مديرها هو ستيفن هايوارد، كاتب سيرة رونالد ريغان، وقد ضم الرباعي كلا من لاري آرنهارت، عالم سياسة من جامعة شمال ألينوي، جون ديربيشاير، مؤلف وكاتب في موقع "ناشيونال ريفيو أون لاين"، جون ويست، عالم سياسة سابق في جامعة سياتل باسيفيك، والآن في معهد ديسكوفري، وأخيراً، زميله جورج غيلدر، المؤلف الأسطوري لكتب "الثروة والفقر"، "العالم الصغير"، "روح المؤسسة" و"الحياة بعد التلفاز" (كثيراً ما يوصف غلدر بشكل متكرر وعن حق بأنه صاحب رؤية، ربما لأنه الشخص الوحيد على الأرض الذي يستطيع تصور الحياة بدون تلفاز).

حسب لغة إما أو، إلى أي جانب تصطف، وغير ذلك من اللغة التي نفضلها نحن في واشنطن، يمكنك القول إن كلا من أرنهارت وديربيشاير هما من المؤيدين لنظرية داورين عن أصل الأنواع، ومقتنعين نسبياً بأنها تفسر معظم الأشياء التي تحتاج إلى تفسير.

أما غلدر وويست، فهما مناهضان للداروينية، واللذان يعملان بجد لوضع اليد على مناحي القصور في النظرية، سواء على الصعيد الفلسفي أو العلمي. والرجال الأربعة يظلون بشكل أو آخر من طيف اليمين.

لكن عليك ملاحظة أن موضوع مناظرتهم لم يكن يتعلق أساساً بالسؤال حول ما إذا كانت نظرية داروين صحيحة، وإنما كان السؤال الثانوي المتعلق بما إذا كانت نظرية داروين والنزعة السياسية المحافظية يمكن أن يسندا بعضهما البعض كوسائل لفهم العالم وتشكيله: "هل تساعد نظرية داروين على الدفاع عن الأخلاقية التقليدية للحياة العائلية أم تساعد على الغض من تلك القيم؟ هل تشجع النظرية على نزع الصدقية عن الحرية الاقتصادية؟"

في ملاحظاته، اعترض ديربيشاير على أن مثل هذه الأسئلة التي كانت بعد كل شيء مركز الحوار الذي سافر من واشنطن ليشارك فيه، تظل بلا غاية. وقال:

"إن النزعة المحافظية والداروينية هما فكرتان متعامدتان ومستقلتان، ولا تتضمن أي منهما الأخرى".

كان يمكن لهذا النوع من فقدان الحماسة للمشاركة أن ينهي النقاش عند هذا الحد، إلا أن هيوارد قال إن امتزاج الداروينية بالنظرية السياسية شكل تاريخاً طويلاً يتعذر اجتنابه.

لكن هذه العلاقة جفت وخفتت.

ولعل من أكثر الأشياء وضوحاً وإثارة للخجل هو أن الداروينية قد أنتجت الداروينية الاجتماعية، أو ما زعمت الداروينية الاجتماعية حدوثه.

وكان مبدأ الداروينية الخالي من الشفقة، والقائل إن البقاء للأصلح كان، كما أشار هيوارد، قد أثير على يد أبلغ منظري المؤامرة (الكونفدرالية) ألكسندر ستيفينز، وعلى أيدي أبطال الرأسمالية غير المنظمة في أميركا بارونة النهب؟.

 وعبر كامل القرن التاسع عشر، افترضت الداروينية أن نظرية داروين لم توافق على التقليد الليبرالي (بالمعنى القديم) للحقوق الطبيعية وقانون الطبيعة الذي استلهم آباء أميركا المؤسسين. وقد حاجج جون ديوي لصالح صلة داروين بالترتيبات الاجتماعية والسياسية، وكذلك فعل معظم أقرانه من التقدميين، مثل وودرو ويلسون على سبيل المثال، الذي قال إن "المؤسسات القائمة ينبغي أن تكون داروينية في البنية والممارسة".

ويمكن العثور على آثار الداروينية الاجتماعية في كل من هتلر وستالين، واللذين كانا كليهما أسوأ حتى من وودرو ويلسون نفسه.

في ضوء مثل هذا التاريخ غير السعيد، قال هيوارد: "إنني أتمنى أحياناً لو كان هناك فصل بين العلم والدولة، ليتناغم مع الفصل بين الدين والدولة."

إنها فكرة جميلة، لكنه كان يمكن لها بدورها أن تنهي النقاش عندئذ وآنئذ، غير أن الداروينية جرى استخدامها مرة أخرى من جهة المنتمين إلى فلسفة سياسية بعينها.

وفي هذه المرة، كانت الفلسفة المحظوظة هي فلسفة النزعة الأميركية المحافظية المعاصرة، وأبرز المنافحين عنها التحالف المحافظي-الدارويني كان أرنهارت.

وقد قدم أنهارت تلخيصاً سريعاً لموقفه، والذي أصبح معروفاً في أوساط المنتمين إلى الجناح اليميني من الشريحة الليبرالية، ووجد أصدق تعبير له في كتاب أرنهارت "المحافظية الداروينية".

يقول أرنهارت: "إن المحافظية تحتاج إلى دارون".

وبدون الدليل العلمي الذي تقدمه نظرية داروين، فإن وجهات نظر المحافظين كانت لتغرق في العاطفية الليبرالية.

وكانت وجهة نظر اليسار إلى الطبيعة البشرية بوصفها غير ثابتة وقابلة للاستغلال إلى ما لا نهاية قد ألضت إلى عدد لا يحصى من الخطط اليوتوبية الكارثية.

ويرى الداروينيون العنيدون من جهة أخرى إلى الطبيعة البشرية بوصفها مستقرة وصابرة وغير قابلة للتغير على نحو عند، ويمكن للمحافظين أن يطوعوا اكتشافات دارون ببراعة لدحض تخطيط الأجسام المشغولة الطموحة لليسار ونسختهم الفرعية للعادة والتقليد. (أنا أنثر بالمناسبة)

إن الداروينية، كما قال، تدعم وجهة نظر المحافظين إزاء الفروق بين الجنسين والحياة العائلية.

وبينما يرى اليساريون إلى هذه الاشياء بوصفها بنى اجتماعية، ومجرد أعراف يمكن إعادة تركيبها في سياق السعي إلى الحرية الشخصية، فإن داروين يقوم بإرسائها في الطبيعة.

وتدعم الداروينية رؤية المحافظين حول الملكية الخاصة والسوق، لأن أكثر رغباتنا داخلية وخصوصية، والتي تشكل عبر الاختبار الطبيعة عبر آلاف السنوات، تتضمن حاجة لا يمكن وقفها لاقتناء الأملاك ولتحقيق البهجة والاكتفاء لدى مقايضة أملاكنا بأملاك الآخرين. كما تدعم الداروينية رؤية الحكم المحدود غير المركزي، بما أن الطبيعة البشرية الأنانية التي كشف عنها دارون لا تتطلب أن يسند نفوذ مطلق إلى سلطة مفردة بعينها.

أما ويست، المناهض للداروينية، فقد بدأ تفنيده لهذه الأطروحة بالأشارة إلى أن الكثيرين من اليساريين قد انتقدوا دارون أيضاً، وهكذا، فإنه لا ينبغي لأحد أن يعتقد بأن الداروينية هي ملك حصري للبدائيين الدينيين في اليمين.

وقد تحدث كيرت فونيغات، وعلى نحو غريب، ضد فكرة التطور الداروينية، وهكذا، فإن مناهضة الداروينية هي أصبحت تقع في ملكية الروائيين المبالغ في تقديرهم في اليسار ايضاً وعلى نفس السوية.

كانت أهم نقاط ويست مع ذلك هي أن الداروينية هي حزمة فكرية كاملة غير منقسمة. ويعني قبول ادعاءاتها العلمية الأوسع عن أصل أنواع الحياة، وعن الكيفية التي أصبحت الطبيعة الإنسانية ما هي عليه، يعني ذلك القبول بافتراضاتها الفلسفية الأقل قبولاً، مثل القول بأن العالم هو عملية عشوائية بلا توجيه، وأن الوجود الإنساني ليس له غاية أو هدف، وأن الإرادة الحرة ونقاء النفس هي محض أوهام في التحصيل الأخير.

وأضاف ويست ان اللاأخلاقية التي انطوت عليها الداروينية، تفسر السبب في السهولة التي وظف بها اليوجينيون في اليسار واليمين على حد سواء.

وباختزال الحياة إلى عمليات مادية من الكيمياء والفيزياء، فإن الحياة بما هي عليه، وحتى الحياة البشرية، لم تعد تبدو وهي تستحق عناء الاحترام.

وتساءل ويست بنغمة المدافع عن الشيطان:

"لماذا لا نستخدم العقل لإجارة التطور لإنتاج نوع جديد من الكائن البشري؟ ما هي تلك الحرمة التي لا ينبغي انتهاكها فيما يتعلق بقدرات الإنسان الحاضر وتدابيره، بما أنها كلها قد نجمت عن مثل هذه العملية التي بلا غاية؟"

كما يحب المناهض للداروينية أن يفعل، قام ويست بتمشيط الجسد الهائل من كتابات دارون ليجد أصغر الأمثلة التي يمكن العثور عليها عن برودة الدم التي يتسم بها الإنسان العظيم.

ويبدو أن دارون نفسه لم يعتقد بأن الأسئلة العلمية الخاصة بالانتخاب الطبيعي والأسئلة السياسية الخاصة بالترتيبات الإنسانية الاجتماعية كانت غير متصلة كلية.

وفي معرض توضيحه للكيفية التي عملت فيها المطاعيم على إنقاد الآلاف من البشر من الموت، كتب:

"لا أحد ممن اطلع على تربية الحيوانات الداجنة كان ليشك في أن هذا يبغي أن يكون مؤذياً جداً لجنس الإنسان.

إن من المدهش مدى السرعة التي يمكن بها للرغبة في تلقي الرعاية، أو الرعاية الموجهة بشكل خاطئ، يمكن أن تفضي إلى ارتكاس وفناء جنس داجن، ولكن، وفيما عدا حالة الإنسان نفسه، فإن من الصعب أن يوجد شخص شديد الجهل بحيث يسمح لأسوأ حيواناته بالتناسل."

وهكذا، فإن الداروينية إذا ما نظر إليها من جهة معينة يمكن أن تعتبر كارثية أخلاقياً بكل بساطة.

لكن ديربيشاير المؤيد للداروينية تساءل: هل ذلك صحيح؟

وقال: "إن قيمة الصواب في الداروينية هي مسألة أساسية، ذلك أن قيمة الصواب تأتي دائماً في المقام الأول".

إذا كانت الداروينية صحيحة - ولعل نجاحها غير القابل للإنكار في تفسير العالم يوحي بأنها كذلك- وإذا ما كانت الداروينية تغض من شأن المحافظية، كما زعم ويست، "وإذن، فإن في ذلك الكثير من السوء للمحافظية".

ترك لغيلدر أن يقدم مخرجاً من هذه المعضلة.

فلاحظ أن التفسيرات المفرطة في التعقيد للعمليات الفيزيائية يمكن أن تكون دقيقة كلية، ولكن غير كاملة مع ذلك - بل وحتى لا تلامس النقطة.

وقال ان للمرء أن يلاحظ الشريحة الصغيرة، مثل العقل الإنساني، والتي غالباً "ما تقدم على أنها آلة تفكير".

"ولكن بإمكانك"، كما قال، "أن تحدد موقع كل ذرة ومكون من مكوناتها في معالج معلومات، يمكن لك أن تعرف حركاتها وكيف تنفتح كل بوابة فيها، دون أن تكون لديك أدنى فكرة أبداً عن المهمة التي يكون الحاسوب بشأن تنفيذها." يمكن لك أن تفسر كل تلك الأشياء، بكلمات أخرى، دون أن تفسر الشيء الأكثر أهمية: ما الذي يقوم به، ولماذا؟

وهكذا، قدم غيلدر تنازلاً على سبيل التسوية، فقال: "ربما تكون الداروينية صحيحة، لكنها سخيفة كلية". إنها ليست "تفسيراً مانعاً قاطعاً لخلق العالم". ربما يفسر الارتقاء والتطور لماذا تقدم الحياة العضوية إلينا قشرتها. ومع ذلك تترك الداروينية أكثر الأشياء غموضاً دون أن تمسها – من نحن، كيف ينبغي لأحدنا أن يتصرف تجاه الأخرى، وكيف ينبغي لنا أن نقدر أقل ضريبة. وهذه أسئلة، عدا الأخير، والتي تقع فيما وراء خبرة أي ندوة في أي مؤسسة فكرة، حتى مؤسسة معهد المؤسسة الأميركية.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الغد الأردنية نقلا عن ويكلي ستاندارد – 26-5-2007