تأثير المسيحية الصهيونية في السياسة الأمريكية

 

 

زياد أبو الريش

 

للوقوف على تأثير أتباع تيار المسيحية الصهيونية في السياسة الخارجية الأمريكية، من المهم أن ننظر إليهم في سياق صعود اليمين الديني قوة سياسية في الولايات المتحدة الأمريكية. فقد شهدت نهاية السبعينيات عدة تطورات في المشهد الديني والسياسي للولايات المتحدة عززت من قيام مستوى أعلى للتأييد وزادت الوزن السياسي لليمين الديني بما في ذلك الصهيونيون المسيحيون. فمع نهاية السبعينيات فاز الجمهوريون بـ4 من 12 انتخابا رئاسيا وسيطروا على الكونغرس خلال 2 من 24 دورة للمجلس على مدار العقود الخمسة الماضية. وكان التودد إلى المسيحيين المحافظين ضرورة إستراتيجية من جانب الحزب الجمهوري.

ويمثل اليمين المسيحي كتلة انتخابية مهمة، حيث إنه من كل سبعة أصوات انتخابية هناك صوت ينتمي لليمين المسيحي، وقد كان لسيطرة الجمهوريين على هذه الكتلة أكبر الأثر في فوزهم بـ4 من 6 سباقات رئاسية، وهيمنوا على مجلس الشيوخ طيلة 7 من 12 دورة للمجلس، كما سيطروا على مجلس النواب طيلة العقد الماضي.

في الإدارات الأمريكية

هناك أمثلة عديدة توضح نفوذ الصهيونيين المسيحيين في الإدارات الأمريكية، فعندما صرح الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر عام 1977 بأن "الفلسطينيين لهم حق في وطنهم" انبرى قادة ونشطاء الصهيونيين المسيحيين، بالإضافة إلى اللوبي الصهيوني للرد عليه بإعلانات تصدرت الصحف الأمريكية تقول إن "الوقت قد حان لأن يؤكد المسيحيون البروتستانت إيمانهم بالنبوءة التوراتية والحق الإلهي لإسرائيل في الأرض... نحن ننظر ببالغ الاهتمام لأي محاولة لتجزئة الوطن القومي لليهود من قبل أي دولة أو حزب سياسي". وبعد هذه الحملة أصبح كارتر أكثر تحفظا في آرائه العامة عن الفلسطينيين خلال فترة رئاسته.

بدا التقارب بين الصهيونيين المسيحيين والحزب الجمهوري أكثر وضوحا في إدارة الرئيس الجمهوري رونالد ريغان. فقد نقلت وكالة أنباء أسوشيتد برس محادثة بين ريغان ومدير اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (أيباك) المؤيدة لإسرائيل، قال فيها ريغان لمحدثه "عندما أعود بالذاكرة لأنبيائكم الأقدمين في التوراة والعلامات التي تتنبأ بالمعركة الفاصلة المسماة هرمجدون، أجدني أتساءل إذا كنا نحن الجيل الذي سيشهد وقوعها".

أما في إدارة الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن الحالية فيبدو نفوذ الصهيونيين المسيحيين أوضح ما يكون، رغم علاقاته القائمة مع اليمين المسيحي. وعندما حاول بوش تبني سياسة أكثر استقلالا عن السياسة الأمريكية تجاه الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة تصدت له منظمات اليمين المسيحي، فأثناء عملية الدرع الواقي العسكرية الإسرائيلية عام 2002 التي انتهت بعودة القوات الإسرائيلية إلى المدن الفلسطينية في الضفة الغربية مثل بيت لحم ورام الله وجنين، اضطر جورج بوش تحت الضغط الدولي لأن يبعث برسالة لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون قال له فيها "اسحب قواتك فورا".

وردا على ذلك حشد قادة الحركة الصهيونية المسيحية أبواقهم الإعلامية لتعبئة أنصارهم بإرسال آلاف الاتصالات الهاتفية والرسائل الإلكترونية والخطابات إلى الرئيس تحثه على عدم الضغط على إسرائيل لوقف عمليتها، ومن يومها لم ينبس بوش ببنت شفه في أي تعليق مشابه يعارض العمليات العسكرية الإسرائيلية.

وبعد إدانة إدارة بوش الأولى لمحاولة اغتيال القيادي البارز في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عبد العزيز الرنتيسي في يونيو2003، حشد الصهيونيون المسيحيون مع اليمين المسيحي أنصارهم للاحتجاج على هذا النقد، وكان العنصر الأساسي في الحملة هو التلويح بعدم التصويت في يوم الانتخاب.

وخلال 24 ساعة فقط كان هناك تغير ملحوظ في الخطاب العام للرئيس، لدرجة أنه عندما نجحت الحكومة الإسرائيلية في اغتيال الرنتيسي كان رد إدارة بوش مدافعا في أغلب الأحيان، كما كان الموقف عند اغتيال مؤسس حركة (حماس) الشيخ أحمد ياسين.

في مؤسسات المجتمع المدني

يشكل الصهيونيون المسيحيون اليوم أكبر قاعدة مساندة للمصالح المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، فهم يحشدون التأييد السياسي والاقتصادي لإسرائيل بين أنصارهم وهم يستهدفون المتدينين المسيحيين عموما. على سبيل المثال، برزت منظمة جديدة في السنوات الأربع الأخيرة تسمى "قف بجانب إسرائيل"، تعمل جنبا لجنب مع منظمة أيباك لدعم واستقطاب الجماهير المؤيدة للسياسات الإسرائيلية.

وعقدت المنظمة مؤتمرا بعد المؤتمر السنوي لأيباك دعت فيه كثيرا من نفس المتحدثين وتبنت عددا من نفس السياسات.

وتحدث مرشح الرئاسة السابق غاري بوير المؤسس المشارك لمنظمة قف بجانب إسرائيل إلى المؤتمر، وحث الحاضرين على معارضة خريطة الطريق الرباعية وفكرة مبادلة الأرض مقابل السلام، وقام آخرون ممن حضروا حفل عشاء المؤتمر بالإعراب عن العلاقة الحميمة بين إدارة بوش والصهيونيين المسيحيين وكذلك اليمين المسيحي الأوسع انتشارا.

ومن هؤلاء النائب العام الأمريكي السابق جون أشكروفت وسفير إسرائيل السابق في واشنطن دانيال أيلون وزعيم طائفة المعمدانيين الجنوبيين ريتشارد لاند وزعيم الأقلية السابق بمجلس النواب توم ديلاي.

وتسلم ديلاي وزميله في الكونغرس الأميركي توم لانتوس الجائزة السنوية الأولى لأصدقاء إسرائيل إشادة بنجاحهم في قيادة الكونغرس لتمرير قرار المجلس رقم 392 الذي يؤكد على التضامن القوي بين الولايات المتحدة وإسرائيل في "موقفهما المشترك ضد الإرهاب الدولي".

وتعتبر إقامة الشبكات والمؤسسات أحد العناصر الأساسية التي تؤثر بها الصهيونية المسيحية في السياسة الخارجية الأمريكية التي مكنتها من تعبئة وسائلها الإعلامية والانتخابية والمالية. وتتركز آليات هذا التأثير في طرق العمل السياسي السائدة، من ذلك على سبيل المثال مراقبة تغطية الإعلام للتطورات السياسية وكذلك التواصل مع من يقومون بزيارات رسمية للولايات المتحدة.

وهذه الوسائل تشمل كفاءة وجاهزية عالية في حملات الضغط العام المتعلقة بالمنابر الإعلامية السائدة ونواب الحكومة. كذلك تعتبر الاجتماعات واللقاءات الدورية مع نواب الحكومة الأمريكية البارزين في غاية الأهمية للتأثير في السياسة الأمريكية للشرق الأوسط.

ومع ذلك، يجب ملاحظة أن العلاقات التي تنبني عليها هذه اللقاءات تكون أكثر حميمية من كونها إستراتيجية، لأن كثيرا من النواب لهم علاقات قائمة بالفعل مع جمهور الصهيونية المسيحية و/أو اليمين المسيحي الأشمل.

وفي الثمانينيات افتتحت منظمة السفارة المسيحية الدولية مكتبا لها في منطقة واشنطن بنيويورك، ومنذ ذلك الحين جندت نفسها نقطة ارتكاز للنشاط السياسي الضاغط للصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة. كما برزت خلال التسعينيات منظمة تحالف الوحدة الوطنية من أجل إسرائيل عنصر ضغط هاما تابعا للصهيونيين المسيحيين.

ويشكل تحالف الوحدة الوطنية من أجل إسرائيل غالبية مسيطرة داخل الكونغرس بالتعاون مع منظمة آيباك المتنفذة عندما يتعلق الأمر بسن قوانين ترسم سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. كذلك فإن المنظمات الصهيونية المسيحية واللوبي الموالي لإسرائيل تعتبر من أهم مجموعات المصالح الخاصة التي التقت مصالحها معا منذ ترشيح بوش لتشكل سياسة الإدارة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.

وفي بعض الأحيان كانت معظم هذه المجموعات والأهداف السياسية تعمل بعيدا عن الرقابة السياسية لمعظم المحللين. لكن يجب ملاحظة أن ما يجعل تأثير الصهيونية المسيحية في السياسة الأمريكية بهذه الفعالية هو أن جهودهم تتضاعف قوتها بواسطة مجموعات المصالح الخاصة الأخرى مثل مجموعات المحافظين الجدد ومجموعات الضغط الصهيونية اليهودية.

والتحالف الحالي بين الصهيونيين المسيحيين والصهيونيين اليهود والمحافظين الجدد يجعل الصهيونية المسيحية دعامة رئيسة للضغط الحالي على سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

ومع ذلك يجب ملاحظة أن هذا النفوذ لم يكن ليتحقق لولا حقيقة مفادها أن القوة السياسية للصهيونية المسيحية تدفع السياسة الأمريكية باتجاه كانت تميل ناحيته بالفعل نتيجة للعلاقة التاريخية بين الولايات المتحدة وإسرائيل بالنسبة للشرق الأوسط.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: تقرير واشنطن-العدد 110