«الحلم الأميركي».. يعمل لصالح الكبار أكثر من الشباب

 

 

دينيس كوشون

 

 

هوة جيل أكثر منها هوة صراع طبقي

وصل براشانت تونغير الى الولايات المتحدة عام 1984 مع زوجته وطفله لبدء حياة جديدة، ولم يتعد كل ما يملكونه 500 دولار أميركي. أما اليوم، فقد اصبح براشانت، الهندي المولد، مواطنا اميركيا ويعمل خبيرا في مجال الكومبيوتر في مصرف واشوفيا. يقول براشانت، 55 عاما، انه «عاش الحلم الأميركي». إذ يملك منزلا مساحته 3000 قدم مربع في تشارلوت ولديه مال كاف يسمح له بالتقاعد، لكنه يحب العمل ولا يرغب في التقاعد. ويعتبر تانغير واحدا من أكثر الأجيال ثراء في التاريخ الأميركي، ويقدر عدد هؤلاء بـ67 مليون شخص تزيد أعمارهم على 55 عاما، يتمتعون بثراء أدى لجعل الهوة بينهم وبين من هم اصغر منهم سنا تقسّم الشعب الأميركي الى أفراد ذوي دخل مرتفع ووضع مالي جيد وآخرين ذوي دخول أقل بكثير. ويقول مختصو «يو إس إيه توداي» في تحليل معلومات الحكومة الفيدرالية إن الهوة المتزايدة بين من هم في وضع مالي جيد والفقراء في الولايات المتحدة تعتبر هوة جيل أكثر منها هوة صراع طبقي. الذين يتمتعون بوضع مالي أفضل تتحسن أوضاعهم، إلا أن الأمر الذي لا يجد اهتماما يذكر هو هوية هؤلاء، بيد ان نتائج التحليل تقول إن غالبية من هم في وضع مالي جيد هم الأفراد الأكبر سنا. وطبقا لمعلومات المصرف المركزي الأميركي، فإن جزءا من جملة المداخيل الإضافية التي تكوّنت في الولايات المتحدة منذ عام 1989 كانت من نصيب الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 55 عاما، كما تشير المعلومات ايضا الى ان الثروة تضاعفت من عام 1989 في الأسر المسؤول عنها الأفراد الأكبر سنا. إلا ان الأمر بالنسبة للشباب ليس كذلك. فالأسر التي يعولها أفراد في العشرينات والثلاثينات والأربعينات من العمر إما انها لم تستطع مواكبة التضخم أو واجهت مشاكل في مواجهة تكلفة الحياة اليومية. وتشير معلومات المصرف المركزي ايضا الى تراجع مستوى معيشة الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و50 عاما ابتداء من العام 1989 بعد محاولة مواكبة التضخم. الأفراد الأكبر سنا دائما ما يكونون افضل وضعا ماليا من الذين يصغرونهم سنا، إلا ان الامر الذي تغير هو التفاوت بين الأجيال. الأفراد الأكبر سنا يتلقون مساعدات تقاعد حكومية، اما من يصغرونهم سنا، فلا يحققون تقدما سريعا في المجال المهني في بعض الأحيان بسبب رغبتهم في تلقي المزيد من التعليم. اتساع الهوة بين من هم في وضع مالي جيد ومن يعانون من الفقر نتيجة محدودية الدخل زاد المخاوف إزاء قضية العدل الاجتماعي وعدالة النظام الضريبي، فضلا عن قضايا اخرى. وأبدى بالفعل أعضاء في الكونغرس عن الحزب الديمقراطي ومحافظ المصرف المركزي، بين بيرنانك، والرئيس بوش مخاوف بشأن عدم المساواة في الناحية الاقتصادية، على الرغم من عدم وجود إجماع على ما يجب اتخاذه من اجراءات لتصحيح هذا الوضع. وتركز الكثير من الاهتمام على المبالغ التي تقدر بالملايين التي يحصل عليها المسؤولون التنفيذيون في الشركات ومدراء الصناديق المالية في وقت تجمدت فيه اجور العاملين العاديين. النتائج المترتبة على هذا الوضع يمكن ان تقلب المعتقدات السائدة حول الأوضاع الاجتماعية رأسا على عقب. فنظام الضمان الاجتماعي وبرنامج «مديكير» تعمل كقنوات لتحويل المال من الشباب الأقل دخلا الى الأشخاص الأكبر سنا وأكثر ثراء. وبسبب عدم وضع الأجيال الأكبر سنا مبالغ مالية كافية جانبا لتغطية المخصصات الحكومية الموعودة، فإن الفارق في هذه الميزانيات يتحمله من هم اصغر سنا، وإلا فإن المخصصات والفوائد للأجيال التي تكبرهم سنا ستتقلص. جدير بالذكر ان العجز في ميزانية نظام الضمان الاجتماعي وبرنامج «ميديكير» خلال السنوات الـ75 المقبلة ستكون كبيرة (340000 لكل اسرة) على نحو لا يتناسب مع دخل كل الفئات العمرية. هذا الدَين الخفي سيجعل مسألة جمع الشباب قدرا من المال في مرحلة لاحقة من العمر، شأنهم شأن الوالدين، تحديا حقيقيا. يصل دخل الشخص الى أعلى حد له في سن الـ57 وتصل جملة اصول وممتلكات الشخص الى أعلى حد لها في سن 63 عاما. ويتلخص تعريف جملة أصول وممتلكات الفرد في سياق هذا الموضع في «جملة الممتلكات والموجودات مخصومة منها الديون المستحقة السداد»، وتعكس اصول وممتلكات الفرد ايضا تراكم الدخل والاستثمار والورثة. اما الدخل فهو جملة ما يحصل عليه الفرد خلال العام. المساواة والتفاوت داخل الفئات العمرية المختلفة تغير كثيرا. فتوزيع المداخيل بين من هم في الثلاثينات والستينات من العمر هو نفس توزيعها بينهم عام 1989. الذي تغير هو عدم المساواة بين الفئات العمرية. إذ ان الأفراد الأكبر سنا يشهدون ازدهارا في جملة الأصول والممتلكات والدخل على حد سواء، على عكس الشباب او من هم في بداية حياتهم المهنية. التغير الذي حدث في الثروة والدخل بين الذين تتراوح أعمارهم بين 55 ـ 59 و35 ـ 39 عاما بعد التكيف مع التضخم يمكن تلخيصه في ما يلي: «جملة دخل الذين تتراوح أعمارهم بين 55 ـ 59 زاد بنسبة 97 في المائة خلال 15 عاما ليصل الى 249700 دولار عام 2004. دخل الأسر التي تتراوح أفراد عائليها بين 35 ـ 39 عاما وصلت الى 28 في المائة فقط لتصل الى 48940 دولار في نفس العام. الزيادة في ثروة من هم اكبر سنا أدت الى خفض معدلات الفقر التي بدأت في الستينات عندما بدأ العمل بنظام برنامج «ميديكير» وجرى تحسين فوائد الضمان الاجتماعي. وتشير التوقعات الى ان الهوة في الثروة والدخل بين الشباب ومن هم أكبر سنا في طريقها الى الازدياد بصورة أكثر حدة. إذ ان الذين ولدوا خلال الفترة بين 1946 و1964 دخلوا الآن مرحلة التمتع بدخل أكبر وفوائد حكومية في حدها الأعلى. الأكبر سنا وسط هذه الجيل يبلغ عمره الآن 61 عاما والأصغر سنا 43 عاما. وفي ظل اقتراب دخول عشرات الملايين من الأفراد الى السنوات التي يتمتعون فيها بقدر كبير من الفوائد والمخصصات، من المحتمل ان تستمر الفجوة ويزداد التفاوت الى ان يحول هؤلاء الميراث الى ابنائهم وأحفادهم. قدر كبير من الجدل بشأن عدم المساواة تركز الوضع المالي المميز للذين تعدوا سن 55 عاما. تتراكم الأموال عادة بعد مغادرة الأبناء والبنات للدراسة والعمل. كما ان زيادة الدخل بصورة عامة تؤدي الى تراجع الديون. يضاف الى ذلك ان نظام الضمان الاجتماعي ودخل التقاعد وبرنامج «ميديكير» أدت مجتمعة الى زيادات في الدخل لمن هم في سن التقاعد وتراجع معدل الإنفاق من الاصول التي يملكونها، فضلا عن ان غالبية من تجاوزوا سن 60 عاما لا تكون لديهم أقساط عقاري واجبة السداد. يمكن القول ان الشباب في بداية سلم الحياة العملية ربما لا تبدو عليهم مظاهر فقر واضحة. فهم يسكنون منازل فاخرة ويقودون سيارات فارهة، لكنهم يعانون من مشكلة الديون اكثر من والديهم، إذ يجب عليهم دفع اقساط قرض الدراسة وبطاقات الائتمان وقرض شراء المنزل وقرض شراء السيارة.. الخ. ويقول الخبيرة الاقتصادية كي سترونغ ان أمام الشباب مستقبل كبير إلا ان قواعد تكوين الثروة تغيرت، ذلك ان الاقتصاد الجديد يتطلب التكيف وشغل عدة وظائف خلال الحياة العملية والتخلي عن مفهوم ضرورة التقاعد عن سن 62. إلا ان غاري بيرتليس، الباحث بمعهد بروكينغز، ان من هم في وضع مالي مريح ومن يتقاضون دخلا متدنيا نجحوا في تحسين وضعهم في الوقت الذي خسرت فيها الطبقة الوسطى. ويقول بيرتليس ان الفقراء ساعدتهم عملية توسيع برامج الدعم الحكومية، فيما استفاد من هم في وضع مالي مريح من خفض معدلات الضرائب على الدخل.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية- خدمة «يو إس إيه توداي» خاص بـ «الشرق الأوسط»-23-5-2007