مراحل التقنية الرقمية

 

 

تحوز برامج الكومبيوتر التي تقدر على معالجة اللغة آلياً تاريخاً خاصاً بها. ويمكن تمييز 3 مراحل أساسية مرت بها هذه التقنية الرقمية .

المرحلة الأولى:

بدأ الاهتمام بالترجمة من طريق الآلات الذكية بعد الحرب العالمية الثانية، لأهداف حربية وسياسية. واهتمّ الأميركيون بشكل خاص بهذا النوع من البرامج الإلكترونية، وركزوا عملهم على تصميم برامج للتعامل مع اللغة الروسية نظراً الى السباق التقني والاقتصادي والفضائي بين بلادهم والاتحاد السوفياتي في حقبة الحرب الباردة، التي تصاعدت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

إن الطلب السريع على صنع أنظمة مؤتمتة للترجمة أدى إلى عدم إعطاء أولوية قصوى للنظريات اللغوية. ومرّت الترجمة المؤتمتة بثلاث مراحل كبرى. امتدت المرحلة الأولى من أواخر الأربعينات حتى منتصف الستينات من القرن العشرين.

وفي عام 1952، استضافت الولايات المتحدة مؤتمراً دولياً أول حول الترجمة المؤتمتة، فشكّل بداية الأبحاث في هذا المجال، وتركّزت، حينها، على ترجمة المقالات والكتابات العلمية الروسية إلى اللغة الإنكليزية. في ذلك الوقت، استطاعت البرامج الرقمية أن تُنجز ترجمة «بدائية»، بمعنى ترجمة الكلمة بالمعنى الأكثر استخداماً الذي يُقابلها. والنتيجة كانت غير مرضية.

ويرجع السبب في ذلك الى أن غالبية البحّاثة في هذا المجال كانوا علماء في الرياضيات والمعلوماتية؛ ولم يأخذوا في الاعتبار أي معلومات أو قواعد أو نظريات لغوية.

لقد غابت مراقبة اللغة والعمل عليها عن تلك الجهود، ولم تؤخذ في الاعتبار. ولذا، لم يكن غريباً أن تُسمى تلك النصوص الالكترونية «الترجمة المباشرة» لأنها لم تتضمن أي تمثيل للتركيبة الدلالية والنحوية والصرفية للجُمَل.

وفي شكل غير مباشر، قاد هذا الفشل أيضاً إلى التعمّق في فهم طبيعة الترجمة المؤتمتة، وبالتالي إلى العمل على صنع برامج رقمية تلحظ المراقبة اللغوية. لقد دلّ ذلك على أهمية علوم اللغة في صنع برامج للترجمة المؤتمتة.

وفي هذا السياق، يذكر أن التقويم السلبي لنوعية النصوص التي أعطتها «الترجمة المباشرة»، قاد إلى تقليص موازنة المختبرات الغربية العاملة في هذا المجال. ففي ذلك الوقت، كَلّفَت مراجعة نصوص الكومبيوتر من جانب مترجمين متخصصين جهوداً كبيرة، تفوق كلفة الترجمة الآلية نفسها.

وفي المقلب الآخر من تلك الصورة المتشائمة، نبّهت تلك النتائج أيضاً الى ضرورة تكثيف الأبحاث في الألسنية والألسنية المعلوماتية عند صنع برامج وأنظمة إلكترونية في الترجمة.

في تلك الحقبة، كانت الأبحاث الروسية في مجال الترجمة المؤتمتة، أكثر تطوراً نظرياً؛ وذلك أن غالبية البحّاثة الروس الذين عملوا في هذا المجال كانوا لغويين عملوا على تحليل النصوص وعلى المرور عبر لغة «تمثيلية»، بمعنى لغة وسطية، بين اللغة المُراد ترجمتها وتلك التي يُترجم اليها.

المرحلة الثانية:

ابتدأت المرحلة الثانية بين أواسط الستينات وأواسط السبعينات من القرن الماضي. وعلى رغم تقليص الأموال في كثير من الدول الغربية، إلا أن بعض البحّاثة تابع عمله بدأب.

وحينها، تصاعد الاهتمام بالأبحاث عن النظريات اللغوية من جهة، وعن وجوب التوجّه نحو مجالات مُتخصّصة مثل الهندسة والطب والفلسفة، لاحتوائها على مصطلحات متخصّصة تُقلّل من الوقوع في الالتباس. واهتم البحّاثة بمسألة التحليل اللغوي للغتي المصدر والهدف. كما أنهم بدأوا تحليل النص تركيبياً ودلالياً. وكانت النتيجة التوصّل الى ما سُمي «الترجمة غير المباشرة»، أي أن النص يمر بمرحلة وسطية فيها «تمثيل» نحويّ وصرفيّ ودلاليّ إلكتروني غير مقيّد بلغة محددة. وبهذا أصبح في استطاعتنا أن نترجم إلى أكثر من لغة، بعد أن اقتصرت محاولات الترجمة المباشرة على اللغتين الإنكليزية والروسية. وفي تلك الحقبة عينها، بدأت الحواسيب تتطور بسرعة، سواء لقدرتها على التعامل مع المعلومات أم لسعة الذاكرة. وكذلك حدث تقدم متسارع في نظريات المعلوماتية.

أدت تلك الأمور الى صنع برامج تكون فيها المعطيات اللغوية خارج الشيفرة الالكترونية التي تُدير النظام المعلوماتي. وبقول آخر، تبلورت «مرحلة وسيطة» للتمثيل اللغوي، فصارت مستقلة عن اللغة وكذلك عن عمل النظام المعلوماتي نفسه. وبذا، خطت الترجمة خطوة عملاقة. ومن الناحية العملية أيضاً، بات بمقدور المحلّلين اللغويين أن «يتلاعبوا» بالمعطيات اللغوية من دون أن «يمسّوا» المعطيات المعلوماتية.

المرحلة الثالثة:

انطلقت المرحلة الثالثة مع أواسط السبعينات. وحينها، ظهرت حاجة الشركات العالمية العملاقة للمعلومات ومعالجتها، كما تعمّق التطور المعلوماتي للحاسوب وأنظمته وتقنياته ولغات برمجته؛ وكذلك ظهرت قواعد البيانات التي تحولّت بسرعة الى «بنوك» للمصطلحات؛ وظهرت أيضاً القواميس اللغوية المتعدّدة الوظائف.

ساهمت تلك الأمور في دفع الاتجاه العملاني في العمل على موضوع الترجمة من طريق الآلات الذكية، خصوصاً ان تلك الآلات باتت أكثر ذكاء فعلياً. وتبلوّر هذا الاتجاه في صنع «التطبيق المساعِد للترجمة المؤتمتة». وبديهي القول ان كل جيل من الترجمة المؤتمتة ترافق مع جيل من الحواسيب. فالتطوّر في تلك الترجمة سار يداً بيد مع التطوّر التكنولوجي، إضافة الى مراعاته الاحتياجات العملية أيضاً مثل كثرة المعلومات، وظهور الإنترنت، وانتشار الخليوي، وتوسع العولمة، وظهور الاتحاد الأوروبي، وتعملق التجارة الأميركية، ورواج تعددية اللغات، وذيوع الكلام عن الثقافات وحروبها وغيرها.

ولا يعني ذلك أن الترجمة المؤتمتة شكّلت هاجساً للشركات وحدها، بل شاركها في ذلك بعض البحاثة العاملين في «الذكاء الاصطناعي» Artificial Intelligence. وطالما انشغل هؤلاء بسؤال أساسي عن قدرة الحاسوب على أن يُفكر مثل الإنسان؟ ويصلح «اختبار تورينغ» Turing Test مثلاً عن ذلك. ويرتكز ذلك الاختبار الى كلام «عادي» بين البشر ومتحدثين مجهولين من أشخاص حقيقيين وآلات الذكاء الاصطناعي. وكلما التبس الأمر على المتحدث، أي أنه لم يميز إن كان مُحدّثه بشراً أو آلة، اعتبر ذلك تقدماً في ذكاء الآلات. ومن الأشياء التي تساعد على ذلك، الترجمة المؤتمتة، إذ إن حلّ هذه المسألة يعني قدرة الحاسوب على التفكير والتحليل والفهم مثل البشر، كي ينهض بمهمات الترجمة بكفاءة. وبديهي أن يترافق هذا الهدف مع نظريات في الذكاء الاصطناعي حول عمليات التفكير وتمثيل المعرفة وعمل الدماغ البشري، إضافة إلى السؤال عن مكننة الفكر وكتابته بشكل رمزي، بمعنى القدرة على تشفير عملية التفكير الإنساني. كما ترافق مع أسئلة عن قدرة العلماء على تحويل التفكير المنطقي الى سلسلة من المعادلات الرياضية التي يمكن كتابتها بقواعد يفهمها الحاسوب، ما أدى إلى ظهور نظريات مثل تمثيل المعرفة الكونية.

وتجدر الإشارة إلى أن الأهداف لم تكن هي نفسها في مجالي الذكاء الاصطناعي والترجمة المؤتمتة. إذ ينظر الذكاء الاصطناعي إلى الترجمة باعتبارها تجربة لتطبيق نظريات علمية حول المعرفة وأنساقها وأشكالها واستخداماتها وسبل الوصول إليها ودور الحواس في تكوين المُدركات وغيرها.

في هذا السياق، صبّ خبراء اليابان جهودهم في مجال صنع قواعد معلومات مُتخصصة تُساعد في الترجمة المؤتمتة. كما طوروا وسائل بحث متقدمة، عرفت باسم «ما فوق البحث» Meta Search للمساعدة في التغلب على الصعوبات المتضمنة في استعمال برامج المعلوماتية لـ «بنوك» المعلومات اللغوية. وراهناً، ثمة الكثير من المواقع على الانترنت التي تُقدم ترجمات مؤتمتة فورية للنصوص وللصفحات الإلكترونية مثل «بابل فيش. التافيستا» babelfish.altavista و«1-800 ترانسلايت.كوم» 1-800 translate.com وغيرهما.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:11-5-2007