قصة نشأة الأخوان المسلمين في اليمن

 

 

 

سعيد ثابت سعيد يروي قصة نشأة الأخوان المسلمين في اليمن

على مدى ثلاثة أعداد نشرت صحيفة «النداء» الأسبوعية فصلاً من كتاب يصدر لاحقاً، للزميل سعيد ثابت سعيد الصحفي المعروف، بعنوان: «الحركة الإسلامية في اليمن. إشكاليات النشأة والمسار». وفيه يتناول الكاتب الينابيع والمسارب والمسارات التي مهدت لقيام تنظيم «الاخوان المسلمون» في اليمن مطلع الستينات من القرن الماضي، مسلطاً الضوء على أدوار عديدين من الشباب الإسلامي في فترة المد القومي العربي، وبخاصة الشاب عبدالمجيد الزنداني الذي انسحب من حركة القوميين العرب لأسباب متصلة، في أغلبها، بنظرته للدين.

الحلقة الأولي:

1 - جماعة الحياد بين الأحزاب

- في مدينة طنطا تشكلت مجموعة طلابية بقيادة الزنداني تحت شعار الحياد بين الأحزاب القومية واليسارية.

- تأثرت المجموعة بالشيخ الأزهري كمال أحمد عون، المشرف على جمعية الشبان المسلمين، وانتظمت معه في لقاءات دورية في بيته.

- في يناير 1961 زار الزنداني مدينة البعوث وتعرف على عبده محمد المخلافي، وكان لقاؤهما محطة مهمة في تاريخ العمل الاخواني.

كانت اليمن بشطريها خالية من الأحزاب السياسية -بالمعنى العلمي لمفهوم الحزب- مطلع الخمسينيات وبالتحديد قبل تموز (يوليو) 1952، ولعل ظهور رابطة أبناء الجنوب العربي 28 (نيسان)1951 في عدن يعـدّ مقدمة لتبلور الأفكار والاتجاهات السياسية وتمايزها عن بعضها، لتشكل فيما بعد إطارات تنظيمية خاصة بها؛ إذ جمعت رابطة أبناء الجنوب العربي شخصيات متباينة التوجهات من اليمين إلى اليسار، فضمت في صفوفها الإسلاميين (الشيخ محمد علي الجفري، وحسين محمد دلمار)، والبعثيين (موسى الكاظم، علي بن عقيل) والقوميين العرب (قحطان الشعبي، علي ناصر محمد، وفيصل عبد اللطيف) والماركسيين (عبد الله عبد الرزاق باذيب، ومحمد سعيد باخبيرة، وعلي عبد الرزاق باذيب).

جاءت رابطة أبناء الجنوب العربي استجابة لظروف قـُطرية خاصة بالتطورات التي استجدت في جنوب اليمن آنذاك. أما الاتحاد اليمني فقد تأسس في البداية كنادٍ يضم أبناء المحافظات الشمالية الساخطين على النظام الإمامي، ويرعى شؤونهم، ويجمع من تبقى من أحرار الحركة الدستورية الفاشلة عام 1948 وينسق جهودهم، لاستئناف نشاطهم السياسي المعارض، ويفتح فصولا دراسية مسائية للمواطنين القادمين إلى مدينة عدن، ويبعث بعضاَ منهم إلى دول عربية لتلقي الدراسات الجامعية.

لذلك لم نجد أي وثيقة تشير إلى وجود أحزاب سياسية ذات هياكل ومؤسسات وبرامج ماركسية أو إسلامية أو قومية حتى بداية النصف الثاني من الخمسينيات، عند أن برز أشخاص يتبنون الخطاب الماركسي (عبد الله باذيب) أو الخطاب البعثي (محمد سعيد مسواط)، أو الخطاب القومي العربي (قحطان الشعبي...)، لكنهم جميعاً لم يؤسسوا تنظيمات خاصة تترجم توجهاتهم بصورة معلنة إلا نهاية الخمسينات ومطلع الستينات، واكتفوا خلال تلك الفترة بالعمل الحزبي بواسطة عدد من الواجهات المتاحة في الساحة مثل المؤتمر العمالي (البعث) والنادي الثقافي بالشيخ عثمان (حركة القوميين العرب) ورابطة الكتّاب الأحرار (التيار الماركسي).

ظلت الشخصيات المتأثرة بالتوجهات الحزبية الماركسية والقومية (بعـثيين/ قوميين عرب) خلال النصف الثاني من الخمسينيات (1956م - 1959م) تبشر بأفكارها ومعتقداتها السياسية التي كانت صدى لموجة التيارات المقابلة في المنطقة العربية، كخطوة تمهيدية لكسب الأنصار، وتنظيمهم في أحزاب تستوعب تلك الاتجاهات والمعتقدات.

أما الإسلاميون الحركيون (الإخوان المسلمون) فإنهم كغيرهم من ذوي الاتجاهات السياسية لم يشكلوا تنظيماً خاصاً بهم واكتفوا بالعمل من خلال الواجهات الموجودة على الساحة. فنشط عمر طرموم من خلال "الجمعية الإسلامية" ثم "الرابطة" ثم انصرف إلى العمل التربوي سيما في المعهد الإسلامي (أسسه الشيخ محمد سالم البيحاني عام 1957).

والعمل الإسلامي -عادة- يأخذ بعدين: الأول تقليدي، وهو النشاط العام، ويستهدف الوعظ والإرشاد دون استهداف تنظيم أفراد من هذا الوسط لتحقيق برنامج عمل تغييري في المجتمع، واليمن بشطريها عرفت هذا النشاط من العمل الإسلامي، ويدخل في إطاره الطرق الصوفية والحلقات المسجدية العلمية وغيرها. أما البعد الثاني فهو غير تقليدي، إذ يسعى القائمون عليه لتجميع أفراد وأنصار يكونون بمثابة قاعدة لانطلاق الإطار الناظم لنشاطهم، وموضعاً مناسباً لتحركاتهم، وفق برنامج إسلامي حركي يهدف إلى إحداث تغيير سياسي واجتماعي شامل في البلاد، ويتحرك على ضوء نظام لائحي وهياكل ومؤسسات محددة، وهذا البعد لم يتبلور بصورة كاملة في جنوب اليمن،على الرغم من ظهور الجمعية الإسلامية (أنشأها المحامي محمد عبد الله ومحمد سالم البيحاني ومحمد علي الجفري) وهي جمعية جاءت استجابة للتحدي الاستعماري الهادف إلى تفتيت مجتمع مدينة عدن، خاصة في ظل تصاعد الدعوات المغرقة بالانفصالية منتصف الأربعينات، والرامية إلى عزل أبناء المدينة سواء عن محيطهم في المحميات الشرقية والغربية (بحسب تعبير ذلك الزمان)، أم عن محيط شمال اليمن. ويعتقد بعض الباحثين في مجال التاريخ المعاصر لجنوب اليمن أن تنظيما باسم الإخوان المسلمين قد ظهر بالفعل في عدن نهاية الأربعينات.

ويبدو أن تشكيل هذا التنظيم في مدينة عدن جاء على خلفية التطورات السياسية العاصفة التي شهدها شمال اليمن قبل نحو ثلاثة أشهر فقط من أحداث الحركة الدستورية ضد العهد الإمامي، وما أسفر عنها من صدام أودى بحياة الإمام يحيى ملك اليمن، وتولي الأحرار قيادة البلاد لبضعة أيام، ثم انهيارهم ودخولهم معترك محنة القتل والاعتقال والتشرد. ولم يكتب لهذه المحاولة التنظيمية الاستمرار؛ إذ سرعان ما تلاشت مع حلول الخمسينات. وربما أن المتحمسين لإنشاء هذا التنظيم قد تأثروا بجهاد الإخوان المسلمين، وسمعتهم السياسية الناصعة في مقاومة القوى الاستعمارية، وتعبئتهم الشارع العربي لإفشال المخطط الصهيوني الغربي في إقامة دولة لليهود من كل جنسيات العالم في فلسطين. لكن اسم الإخوان المسلمين ظل حاضراً في أذهان المواطنين في المدينة دون وجود تنظيمي حقيقي فيها منذ الخمسينات، سيما أن الحركة الإخوانية في مصر قد دخلت طور الابتلاء باعتقال النظام الملكي الفاروقي لمجاهديها في فلسطين ثم اغتيال مؤسسها الشهيد حسن البنا في شباط (فبراير) 1949، ومن ثم انصراف قيادة المرشد الثاني حسن الهضيبي للالتفات إلى الداخل المصري، بإعادة ترتيب البيت التنظيمي، وتشكيل كتائب المقاومة المسلحة ضد الوجود البريطاني في القنال عام 1951 وتوجيه الجهود نحو إسقاط النظام الملكي المتورط بارتكاب جريمة اغتيال مؤسس الحركة.

الفصل الأول

الطور الأول: ميلاد الفكرة الإسلامية

يكاد يكون عام 1959م عام ميلاد فكرة العمل الإسلامي المنظم في أوساط الطلاب الدارسين في مصر، ولكن من دون رؤية متكاملة للمنهج والتنظيم والمسار. وهي خطوة جاءت طبيعية في سياق التحولات الفكرية للشباب اليمني المتأثر بتيارات الفكر والسياسة التي تموج في المجتمع العربي المصري. ففي ثنايا أحداث عاصفة شهدتها الأمة العربية واليمن في قلبها، بدأت تتبلور الفكرة كمشروع حركة من عناصر طلابية عرفت موجات صاخبة من تنظيمات وأيديولوجيات متباينة، واعتركت في خضم تلك الإطارات الحزبية، سيما حركة القوميين العرب التي يعد عام 1958م العهد الخصب لانتشارها وتوسعها، وتمدد شعبيتها في كثير من الأقطار العربية، مستفيدة من قيام الوحدة المصرية السورية، وتقديم نفسها كأداة طوعية للنظام الجديد في "الجمهورية العربية المتحدة"، وأثبتت جدارة وفعالية في أحداث أيار(مايو) 1958م بلبنان، إذ "أخرجت هذه الأحداث الحركة من هامشيتها وعزلتها وتسترها بالطقوس السرية الغريبة، والمخيمات الكشفية، إلى ميدان الفعل الجماهيري. ونتيجة تلك الأحداث في لبنانن وبما لا يدع مجالاً للشك، فإن شعار الأداة الطوعية للقيادة الرسمية للثورة العربية قد تحول من الناحية الفعلية إلى أداة بأيدي الأجهزة المصرية".

بمعنى أن ميلاد فكرة العمل الإسلامي المنظم تبلورت في وعي مجموعة طلابية عائدة من قواعد حركة القوميين العرب، والبعث العربي الاشتراكي، بعد ما استفزت شعارات وأفكار هي أقرب إلى النهج الماركسي المتطرف، الروح الدينية الكامنة في أعماقهم، بينما هم ما التحقوا بحركة القوميين العرب إلا استجابة لأطروحاتها في طورها الأول المتمثل بمعاداة الشيوعية، ومحاربة الاستعمار، والثأر من ضياع فلسطين، ووجدوا فيها صورة جديدة يمكن اعتمادها لتصحيح أوضاعهم في شمال اليمن، الغارق في ديجور التخلف والانحطاط، وفي جنوب اليمن المكبل بالقيود الاستعمارية البريطانية. وكانت قيادة حركة القوميين العرب في الوسط الطلابي تعيش حالة مدّ تنظيمي، وتحول أيديولوجي مغاير للطور الأول (النشأة والتأسيس)، ويشهد إطارها التنظيمي استيعاباً واسعاً للعناصر الطلابية من مختلف الأقطار العربية التي كانت تتلقى دراستها في مصر. ومدّت الحركة أذرعها، لتؤسس فرعاً لها في شمال اليمن وجنوبه، أثناء العطلة الدراسية للعام 1959م عندما أعدت قيادة حركة القوميين العرب دورة سرية في دمشق وضمت عشرة كوادر خريجين من أقطار مختلفة، كان من أبرزهم بالنسبة لليمن: فيصل عبد اللطيف الشعبي، قحطان الشعبي، وسلطان أحمد عمر. وتهدف هذه الدورة إلى تخريج عناصر طلابية قيادية تستطيع تأسيس فروع تنظيمية في أقطارها.

كان ثمة عدد من الطلاب، أبرزهم عبدالمجيد عزيز الزنداني، وعبد السلام العنسي، ومحمد قاسم عون، وعبد الرحمن المجاهد، قد ارتبطوا بحركة القوميين العرب، وانخرطوا في تكويناتها التنظيمية. وشاء الله أن تكون الفترة المتبقية من نهاية الخمسينيات (1958 – 1959) حبلى بأحداث جسام ظهرت أولى بشائرها بقيام الوحدة المصرية - السورية، فاشتعال الصراع الدامي بين القوميين والشيوعيين، وخاصة في العراق، وتصدي الرئيس المصري جمال عبد الناصر لقيادة المعسكر المعادي للشيوعية، في وجه عبد الكريم قاسم الذي أقام بدوره محاكم عسكرية شهيرة (برئاسة المهداوي) لمحاكمة المنتمين إلى حركة القوميين العرب وحزب البعث العربي، وإعدام العشرات منهم، في ذات الوقت الذي قامت أجهزة الرئيس عبد الناصر باعتقال الشيوعيين المصريين، وأيضاً الطلاب الشيوعيين العرب الدارسين في مصر وسوريا (الجمهورية العربية المتحدة) وترحليهم إلى بلدانهم، ومن بينهم عدد من الطلاب اليمنيين؛ إذ شهدت الساحة الطلابية اليمنية في القاهرة كانعكاس لما كان يعتمل في المنطقة، صراعات طاحنة محورية بين القوميين (بعثيين وحركيين) والشيوعيين، أفضت إلى احتكاك ثم اشتباك عنيف، اضطرت المخابرات المصرية لفضه، وقيامها بتوزيع الطلاب الماركسيين والقوميين من القاهرة على محافظات ومناطق أخرى مثل طنطا وحلوان وغيرها، وطرد مجموعة من الطلاب الماركسيين إلى صنعاء في النصف الأول من 1959، أبرزهم سليمان حسن، وأحمد محمد الشجني، وخالد فضل، وعبد الله حسن العالم، وأبو بكر السقاف، ومحمد عمر حسن، ونجيب عبد الملك أسعد، وعمر عبد الله الجاوي، ومحمد أحمد عبد الولي، وعلي حميد شرف، ومحمد جعفر زين، وأحمد الحربي، وعلوي عبدالله ملهي.

احتفى الإمام أحمد بقدوم الطلاب الشيوعيين باعتبارهم خصوما لعبد الناصر؛ إذ كانت العلاقات بين الرجلين قد توترت. وقام الأول بإعادة توزيعهم على الدول الاشتراكية لاستئناف دراساتهم، وشكلوا فيما بعد، إضافة إلى عناصر طلابية أخرى ظلت في القاهرة وآخرين في اليمن، النواة الحركية للتنظيم الماركسي في شمال اليمن وجنوبه.

ومن الموافقات أن هؤلاء الطلاب المطرودين من مصر، القادمين إلى دولة الإمام أحمد، قد وجدوا أمامهم مؤسس التيار الماركسي عبد الله باذيب يعمل معارضاً في مدينة تعز بعد فراره من عدن، على إثر مقالات كتبها ضد الاحتلال البريطاني. ومن العوامل الكثيرة التي تضافرت لتسهم في تأسيس أول تنظيم ماركسي يمني منها انصراف المجموعة المنشقة عن الاتحاد اليمني لتكوين إطار سياسي لهم، وأقاموا نوعاً من التنسيق والتعاون التحالفي مع المجموعة الماركسية في تعز وعدن، وكان أهم جامع يربط بين المجموعة المنشقة عن الاتحاد، والماركسيين، هو العداء والخصومة الحادة لخط الشهيد محمد محمود الزبيري وزميله أحمد محمد النعمان.

يروي الزبيري في رسالة لصديقه النعمان معاناته مع الطلبة الدارسين في مصر؛ فالأيام قد علمته سوء الظن بقدرة الناس على الكتمان، لذلك صمم على احتفاظه بهذه الأسرار مدة طويلة على أن يجتمع باليمنيين الموجودين في مصر، ويختار من بينهم مجموعة متميزة تقود سير العمل لتنفيذ الخطة. ولأنها عملية تقوم أساساً على الاعتماد على أسرار طواها في أعماق صدره، فإنه وجد نفسه في جهة، والآخرين في جهة أخرى.

ومن أجل الخروج من هذا المأزق لجأ الزبيري إلى ما وصفه بـ"التحايل المعقول"، وهو الاتصال بعدد من الشباب في مصر، وأخذ يكوّن منهم خلايا وكل خلية تسمى "أسرة" وهو مصطلح تنظيمي خاص بحركة الإخوان المسلمين، مما يشير إلى تأثره الكبير بها، واقتناعه بصلاحية هيكلها التنظيمي كإطار ينظم الشباب اليمني بهدف تحقيق خطته المكونة من المراحل الثلاث. ونجح في تشكيل مجلس مؤلف من مجموع رؤساء "الأسر" على الرغم من العقبات التي واجهها نتيجة تنافر الطلاب واختلافاتهم ومماحكاتهم.

يقول في رسالته: "لجأت إلى التحايل المعقول، فاتصلت بالشبان هنا، وأخذت أكوِّن منهم خلايا، كل خلية تسمى أسرة، ووجدت عقبات كأداء في هذا السبيل....

ولما تغلبت على الخلافات، وتصافى الزملاء فيما بينهم، كوَّنَّا مجلساً مؤلفاً من مجموع رؤساء الأسر".

ويحدد الزبيري هدفه من تشكيل مجلس رؤساء الأسر في أن يصبح موجهاً له عن طريق الإقناع والثقة، وإعداده لقبول بعض الأشياء دون مناقشة ما وراءها من أسرار لا يملك إفشاءها لهم، وأن يكون مجلس الأسر، الممثلة فيه كافة الأسر، قادراً على إصدار قرارات يتقبلها الشبان دون مناقشة أيضاً. لكنهم وهم في سن الطموح والاعتزاز الشديد بالنفس رفضوا الآلية التي اعتمدها الشهيد الزبيري، ورفضوا أن تكون هناك أسرار وقرارات لا توضع على بساط البحث والمناقشة، أو أن يكون لمجلس الأسر، وهو يمثلهم جميعاً، حق إصدار قرارات يتلقاها الشبان بالقبول دون أن يبحثوها أو يناقشوها. عندها أدرك الشهيد الزبيري أن جهود ستة شهور منذ أن بدأ مشروعه التنظيمي المفتوح. قد باءت بالفشل والخسران. فعاد إلى الشبان مرة أخرى، غربلة وإصلاحاً وإقناعاً، فوجد نفوساً عاتية، متطامنة، منشغـلة بمحيطها الضيق عن الوطن ومن فيه، ومنطقها مأخوذ من المحيط الذي وصفه بالمحيط السخيف. فلم يستطع أن يبعدها عنه قيد شعرة، وأنفق شهوراً أخرى ليكتشف أنه قد انشغل عن الجهاد في سبيل إنقاذ شعبه -وهو الهدف الذي عاش ومات من أجله- إلى الجهاد في سبيل إنقاذ الشبان من الغرور والطيش والحمق.

واعترف الزبيري بمرارة أنه لم ينجح في مهمته التي كان وطنه ينتظره لإنجازها، المتمثلة بإيجاد الرجال المتحررين من الإصر والأغلال: "يعلم الله ما تألمت وما سهرت وما تحملت من حماقات، ولكن المهم أني لم أنجح في هذا المجال مع الأسف الشديد".

فماذا صنع الرجل إزاء اعترافه هذا؟ خاض تجربة أخرى تعتمد على انتقاء الطلاب الذين يتوسم فيهم التزاماً إسلامياً، ورغبة بالعمل التغييري، وفق خطته التي استعرضنا بعض ملامحها. "لجأت إلى الوسيلة الأخيرة، وهي: أبحث عن كل شاب يؤمن بالغيب، ولا يناقش، ولا يسأل، ويستعد للتضحية بكل ما يملك بحياته وماله وروحه وجهده ووقته، دون أن يطلب الدليل. ووجدت عدداً قليلاًً جداً ووجهتهم بعض التوجيه، فعملوا كل ما نريد منهم أن يعملوه، ولا يزالون مستعدين لكل شيء".

أحدثت وقائع الصدام بين الطلاب اليمنيين في مصر، رد فعل عكسياً لدى نخبة طلابية معظمها كان لها انتماء لحركة القوميين العرب، أبرزهم عبد المجيد الزنداني الذي بدأ يطرح على مسؤولية عدداً من الأسئلة والاستفسارات في حلقته التنظيمية حول قضايا ترتبط بالبعد الإسلامي، وبالبعد الوطني. وساعدت عملية توزيع الطلاب من القاهرة إلى طنطا نهاية 1959 على إثارة المزيد من التساؤلات لعل أبرزها موقف الحركة من الإسلام وكيفية تفسير موقفها المعادي للشيوعيين واعتبارهم عملاء الاستعمار والصهيونية، بينما لا تقوم الحركة بتعبئة كوادرها دينياً على اعتبار أن الإسلام هو الوحيد القادر على التصدي للأيديولوجية الماركسية. وأثار الزنداني على مسؤول خليته مسألة توجيه العناصر المنتمية للحركة للالتزام بأداء فرائض الصلاة والصيام والقيام بالواجبات الشرعية.

يروي أحد شهود تلك المرحلة لحظة تحوّل نخبة طلابية من مربع الانتماء الحركي القومي إلى مربع الانتماء الحركي الإسلامي: "لقد كنا مرتبطين بحركة القوميين العرب أنا وعبد المجيد الزنداني ومجموعة أخرى. وعلى الرغم من أن التنظيم كان سرياً، وكانت كل خلية لا تعرف الخلية الأخرى، وفي أحد اللقاءات الاعتيادية التي جمعتني بعبد المجيد الزنداني وآخرين في طنطا، على إثر الأحداث الطلابية بين الشيوعيين والقوميين، إذا بالزنداني يطلعنا على مشكلة نشبت بينه وبين قيادة حركة القوميين العرب في خليته، وقال لنا إن قيادة الحركة طرحت عليهم في أحد الاجتماعات الأسبوعية سؤالاً عن أيهما أولى في العمل اليمن أم العروبة؟

وكان جواب عبد المجيد الزنداني أن الأولوية التي يجب أن تكون في جدول أعمال الطالب الحركي اليمني هي العمل للوطن اليمني، وتحريره من الاستعمار، والتخلص من نظام الإمامة؛ باعتبار اليمن الدائرة الأقرب لاهتمامات الطالب اليمني، و إذا صلحت اليمن فسيكون ذلك إضافة إيجابية على طريق إصلاح شأن بقية أقطار العروبة. لكن قيادة حركة القوميين العرب في خليته اعتبرت جواب الزنداني انفصالياً وتشطيرياً وإقليمياً، ورأت وجوب اعتماد العروبة كأولى أولويات عمل الطلاب الأعضاء في الحركة، سواء كانوا من اليمن أم من غيرها؛ فإذا كانت ثمة معركة تشتعل في العراق أو فلسطين أو المغرب، فإنها تصبح مقدَّمة على القضية اليمنية. وجرى جدل ساخن وعنيف بين عبد المجيد الزنداني

المتشبث برأيه، وبين قيادته في الخلية الحزبية. ويضيف حول أسباب الخلاف مع حركة القوميين العرب أنه كان قد طرح على مسؤولي حلقته التنظيمية سؤالاً فيما إذا كان هناك قرار يلزم الأعضاء بالتمسك بالواجبات الإسلامية، وأداء الفرائض الشرعية. جاءه الرد بالنفي، واعتبار ذلك غير ضروري أو مهم. فغضب من رد قيادة الحركة، ورأى فيه خطرا على تدينه، وطلب حواراً مفتوحاً مع قيادة فرع الأردن، لاعتبارات خاصة بالنسبة له، وأصر على أن تحضر لمناقشته.

أثارت تلك الأسئلة لغطاً في الوسط الطلابي المنتمي للحركة، وقررت القيادة الطلابية للقوميين العرب عقد اجتماع حضره فيصل عبد اللطيف الشعبي، وسلطان أحمد عمر (قادة فرع الحركة في اليمن شمالاً وجنوباً) وعلي عبد الإله الأغبري، وعلي العيني، إلى جانب عبد المجيد الزنداني. وجرى نقاش ساخن بينه وبين القيادة حول البعد الوطني والبعد الإسلامي، وأولويات العمل التنظيمي للطلاب الملتزمين في إطار حركة القوميين العرب. ولما لم يصل الحوار إلى نتيجة، طلب الزنداني أن تشارك قيادات من لبنان والأردن في اجتماع تال، غير أنه اقتنع في الاجتماع الثاني أن استراتيجية حركة القوميين العرب ليس في سلم اهتماماتها وبرامجها مكان للهموم والقضايا التي أثارها، فقرر الانسحاب منها، والعمل بعيداً عن التشكيلات الحزبية.

ولجأ إلى الطلاب اليمنيين الذين كسبهم من قبل إلى خلايا الحركة، من بينهم عبد السلام العنسي، ومحمد قاسم عون، وآخرين. وراح يبعث فيهم روح التمرد على حركة القوميين العرب، بواسطة إثارة تلك الأسئلة عليهم ويكشف لهم موقف قيادة الحركة اللا مبالي تجاهها. "عندما طرح علينا عبد المجيد الزنداني ما جرى بينه وبين قيادته من جدل ونقاش حول الأولوية لليمن أم للعروبة، اندهشنا ثم استغربنا لنصل إلى حالة الغضب، وقلنا: ليس من المعقول أن نسكت عن ذلك، ونحن ما زلنا نعيش حالة همٍّ وطني، إذ أن آباءنا ومعظم أهالينا في اليمن ما بين سجينٍ أو مشردٍ أو شهيد، ورحنا نثير ذات الأسئلة في خلايانا الحزبية بمدينة طنطا: أيهما أولاً العروبة أم اليمن؟

أصبح السؤال ظاهرة داخلية في الخلايا الحزبية الخاصة بالطلاب اليمنيين. ولما لم نصل وإياهم إلى اتفاق، طلبوا منا الانتظار أسبوعاً حتى يعودوا إلى القيادة العليا في القاهرة. ولم يكد يمضي أسبوع حتى جاء الرد بتصميم حزبي حاسم، يؤكد أن ليس في صفوف حركة القوميين العرب عناصر انفصالية أو إقليمية أو تشطيرية وأن ليس في أدبياتها شيء اسمه يمن أو عراق أو سودان أو غيرها، فمعركة الحركة، في كل مكان من الوطن العربي، ولا اعتبار لأي قضية قـُطرية تؤخذ بمعزل عن الدائرة القومية.

قرر عبد المجيد الزنداني الابتعاد كلياً عن حركة القوميين العرب، والنأي بنفسه عن الاستقطاب الحزبي بين التيارين القومي والماركسي، والبحث عن مربع ٍ آخر مغاير لهما، يستطيع من خلاله التحرك باستقلالية وحيادية عن الصراعات الحزبية المحتدمة دائما بين التيارين، وتزيدهما اشتعالاً خطط وتحركات الأجهزة الأمنية الرسمية في القاهرة وبغداد، لتمتد إلى مساحات أبعد بكثير عن دوائرهما الطبيعية.

الانتقال من الفكرة إلى الاتجاه

استطاع الزنداني أن يجمع عدداً صغيراً من الطلاب اليمنيين المسكونين بالهمِّ الوطني المتحرر من الشعارات القومية والماركسية الرائجة منذ النصف الثاني من الخمسينيات، ونأى عن المجموعات الطلابية الحزبية في مدينة طنطا، وباشر معهم العمل الطلابي بعيداً عن دوائر الصراع الحزبي من خلال مجموعة أنشطة محددة تتراوح ما بين إصدار مجلة حائطية بعنوان "البناء" وممارسة فعاليات كشفية.

انطلقت هذه المجموعة الطلابية الصغيرة التي أطلقت على "نفسها مجموعة الحياد بين الأحزاب" من مقولة فكرية بسيطة جداً تقول إن الأحزاب القائمة في أوساط الطلاب اليمنيين بالقاهرة لا تعبـِّر عن الهم الوطني اليمني، والتعصب لأطرها التنظيمية يفضي إلى تمزيق روابط الأخوة بين الطلاب ويشيع روح العداء والخصومة، ومن ثم تدمير الآمال المعلقة عليهم من آبائهم وأهاليهم بأن يعودوا إلى بلادهم وقد تزوّدوا بالعلوم والمعارف الكفيلة بإحداث تغيير شامل في بنية الحياة من دون أن تلحق أضراراً بروابط الوحدة والاتحاد ووشائج القربى والنسب.

اعتمدت مجموعة الحياد الطلابي في رؤيتها تجاه الأحزاب القائمة في الساحة الطلابية بمصر، على ما أفرزته وقائع عمليات الاستقطاب الحزبي وما أفرزته من أعمال عنف واشتباك وخصومة وعداء وتنافر بين طلاب أبناء الوطن المجزأ والرازح في أغلال القهر والجهل والاستعمار، فأوصلتها إلى قناعة بضرورة الابتعاد عن تأثيرات الأنظمة والأجهزة العربية الساعية لتجنيد عناصر من بينهم ليصبحوا أدوات تخدم أهدافاً ومشاريع لا علاقة لها بآمال وأحلام اليمنيين الذين لم يكونوا مكترثين كثيراً بالتوصيفات الأيديولوجية والشعارات الحزبية الشائعة بقوة في تلك الفترة، والناتجة عن سياسة حافة الهاوية وعلى خلفية اشتداد الحرب الباردة بين معسكري دائرة الحضارة الأوروبية (الغربي الرأسمالي، والشرقي الماركسي) وانخراط أقطار العالم العربي في حمأة الاستقطابات الدولية.

ضمت مجموعة الحياد في مدينة طنطا مجموعة من الطلاب الذين أصبح بعضهم من مؤسسي الحركة الإسلامية فيما بعد. وتركز اهتمامها في محاربة التعصب الحزبي لأي تشكيل كان، قومياً أو ماركسياً، والتأكيد على التحصيل العلمي والالتفات إلى الواقع الوطني في شمال اليمن وجنوبه لمعالجة الإشكالات والعراقيل التي تقف أمام قيام يمن حر وعادل ومتقدم ومستقل.

تنامى نشاط مجموعة الحياد في أوساط الطلاب منذ مطلع عام 1960م وأصبح حضورها ملموساً في أوساط طلاب تلك الفترة، لكن الغلبة والسيطرة كانت للتيار الطلابي القومي (البعث وحركة القوميين العرب) والماركسي اللذين كانا قد هيمنا على اللجنة التنفيذية الطلابية الموحدة منذ قيام الطلاب بعقد مؤتمرهم الأول في الثالث والعشرين من تموز(يوليو) 1956م بمدينة القاهرة، وهو ما كان يزعج عدداً من رموز قادة الحركة الوطنية اليمنية الموجودين في مصر مثل الشهيد محمد محمود الزبيري، ومحمد أحمد النعمان، بسبب تصلب الطلاب المنتمين للتيارين، وممارسة سياسة الجحود والنكران لمن تبقى من رموز حركة الأحرار اليمنيين، واعتبارهم شخصيات رجعية تجاوزها الزمن، ومحاولة فرض حالة عزلة قسرية على هذه الشخصيات المتزعمة للاتحاد اليمني الذي شهد حالة انقسام حاد نهاية الخمسينات، وفي ظل حظر رسمي من النظام المصري لأي نشاط يقوم به الزبيري أو النعمان، مراعاة لمشاعر الإمام أحمد الذي التحق بموكب الاتحاد مع الجمهورية العربية المتحدة عام 1958م؛ مما أضعف حركة المعارضة اليمنية وشل نشاطها الإعلامي والسياسي. وضاعف من ترهـل المعارضة، نشوب الخلاف الصامت بين الزبيري والنعمان، بسبب الموقف من "ثورة خولان" المشهورة في النصف الأول من عام 1959م، وعدم تحمس النعمان لها، وجعل قضية تأسيس "كلية بلقيس" في مدينة الشيخ عثمان بعدن في مقدمة اهتماماته، واعتبرها أهم بكثير من تأييد ثورة خولان.

سافر الزبيري من القاهرة إلى الإسكندرية في هذه الفترة، ابتعاداً عن الضغوط النفسية التي كان يتعرض لها، والشعور بالقهر والكبت البوليسي، واصطفاف الطلاب على قاعدة الانتماء الحزبي لا الوطني، وتخندقهم خلف قناعات أيديولوجية لا تنسجم والأوضاع العامة في الساحة اليمنية.

يرصد أحمد عبد الرحمن المعلمي اتجاهات المشاعر التي انتابت الشهيد محمد محمود الزبيري في ظل الأوضاع المضطربة والملتهبة في شمال اليمن وجنوبه، وفي القاهرة بين الطلاب اليمنيين. ويكشف بطريقة غير مباشرة، عن جذر فكرة حركة الحياد بين الأحزاب لدى الزبيري، وترجمتها مجموعة طلابية على رأسهم عبد المجيد الزنداني. يقول المعلمي: "كان الزبيري يفرح بتكاثر طلاب العلم القادمين من اليمن، ويحاول ضمهم إلى لوائه. وكان ينزعج من تعدد الثقافة لأنه يريد أن يضرب الجهل والطغيان في اليمن بعصا غليظة واحدة، ويد قوية واحدة. كان يكره من ينجر منهم إلى الشيوعية أو الإلحاد أو إلى البعثية. كان يقول: هذه الاتجاهات لا يقبلها الشعب اليمني في المرحلة الحاضرة، إنه لا يقبل إلا فكرة الإسلام، والعروبة في الإسلام. ويقول: لنخرجه أولاً من الزيف الذي هو فيه باسم الإسلام".

ما أورده المعلمي عن الزبيري وموقفه من التيارات الحزبية في أوساط الطلاب اليمنيين يعبر عن ذات الموقف/ الرؤية التي اعتنقها عبد المجيد الزنداني وزملاؤه، وشكلوا على أساسها مجموعة الحياد بين الأحزاب، واعتمدوها منطلقاً لنشاطهم الطلابي، ورأوا الشهيد الزبيري بمثابة الأب الروحي لهم، إن جاز هذا التعبير؛ "فلقد كانت مجموعة الحياد في طنطا تتردد عليه في مقر إقامته بالقاهرة، وفي الإسكندرية، ويستفيدون من نصائحه وتوجيهاته. وكانوا يعطونه فكرة عما يدور من صراعات واشتباكات لفظية وجسدية بين عناصر التيارين القوميين (البعث وحركية القوميين العرب) والماركسيين.

كان الطلاب اليمنيون يتوزعون، على عدد من المناطق المصرية، فثمة طلاب في مدينة حلوان والقاهرة، وطلاب في بني سويف. والسواد الأعظم منهم، كانوا في مدينة طنطا، وشهدت هذه المدينة صراعات ومشاجرات بين أنصار التيار القومي والتيار الماركسي، وبدأت "مجموعة الحياد بين الأحزاب" تنشط في طنطا نهاية 1959م وهو ذات العام الذي بدأ فيه عدد من الطلاب اليمنيين يتوافدون على الدراسة في الأزهر الشريف، ويشكلون تجمعاً طلابياً في مدينة البعوث الإسلامية، من بينهم عبده محمد المخلافي، وآخرون.

ومدينة البعوث عبارة عن حي سكني يضم طلاباً من مختلف الجنسيات في العالم، ينحدر معظمهم من عائلات غير ثرية أو غير قادرة، لا تستطيع الإنفاق على مستلزمات دراسة أولادها في الجامعات المصرية، لذلك استفادوا من الامتيازات المتوفرة لهم في جامعة الأزهر كالسكن والتغذية ورسوم الدراسة.

طرأ عنصر جديد في معادلة الصراع الحزبي الطلابي في مصر منذ نهاية 1959م ومطلع عام 1960م تمثل بتزايد أعداد الطلاب الذين أطلقوا على أنفسهم "مجموعة الحياد بين الأحزاب" إذ بلغ عددهم ما بين 40 – 50 طالباً، سيما بعد انتقال الزنداني من طنطا إلى القاهرة بصورة لمسها كثير من زملاء دراسته من أصحاب التوجهات القومية والماركسية. ودخلت "مجموعة الحياد يبن الأحزاب" في أول احتكاك مع أنصار التيارين منتصف عام 1960 عندما حاولت المجموعة فرض نفسها على مجرى الصراع الناشب بين التيارين، و "بدأ رموزها وخاصة عبد المجيد الزنداني يصرّ على مواجهة زحف الكتب الماركسية والقومية على مكتبة النادي الطلابي اليمني الخاضعة هيئته الإدارية لسيطرة الماركسيين والقوميين. بيد أن الزبيري نصح المحايدين بعدم الاصطدام ببقية زملائهم، والتوجه نحو تأسيس مكتبة عامة تضم جميع أنواع الكتب الإسلامية والقومية والماركسية. وشدد عليهم الابتعاد عن فرض الرأي الواحد أو ممارسة الإكراه الفكري".

تأثرت مجموعة الحياد في طنطا فكرياً بالشيخ الأزهري كمال أحمد عون، المشرف على جمعية الشبان المسلمين، وكان بمثابة مفتي المجموعة، على حد تعبير الزنداني. إذ أن الأخير كان أكثر حركية وفعالية ونشاطاً من بين أفراد مجموعة الحياد، ودلهم على الشيخ الأزهري عون الذي أثر تأثيراً كبيراً عليه وعلى بقية المجموعة سيما عبد السلام العنسي. وانتظمت المجموعة باللقاء الدوري مع الشيخ كمال أحمد عون في بيته، ويستمر ساعتين إلى ثلاث ساعات.

كان الشيخ عون عالماً متبحراً وعليه مسحات صوفية منضبطة بالفهم السني البعيد عن الدروشة أو السفسطة الفلسفية التي شابت الحركة الصوفية في مجملها. وترك العالم الأزهري بصماته على عبد المجيد الزنداني وعبد السلام العنسي بعلمه وتواضعه وبربطه بين الإسلام كعقيدة وقيم والإسلام كموقف وسلوك حياتي، لا تنفصل الصلاة عن الأمانة، ولا الصوم عن الجهاد، ولا الحج عن الحكم.

الطور الثاني: تكوين الكتلة الإسلامية

الطلابية داخل مجموعة الحياد

بدأ التفكير جديا (عند طلاب الحياد) في إنشاء حركة إسلامية داخل مجموعة الحياد لتكون نواة لعمل تنظيمي حركي إسلامي قادر على مواجهة تحديات الصراع الحزبي الطلابي. وتواترت اللقاءات بين الزنداني وعدد من إخوانه المقـتنعين بخط مجموعة الحياد واتسمت لقاءاتهم في إحدى حدائق القاهرة، وفي منطقة الأهرامات أيضا، بالسرية, وتركزت على البحث عن أسلم الطرق لتأسيس حركة إسلامية داخل مجموعة الحياد، تعتمد عملية التكوين فيها على قاعدة انتقاء عناصر ناضجة من داخل مجموعة الحياد لتكون أكثر التزاماً بالتوجه الإسلامي، ولتصبح نواة طلابية لديها القدرة والكفاءة على العمل الإسلامي المنظم، مع تفعيل نشاط مجموعة الحياد بين الأحزاب، والتحرك تحت لافتتها باعتبارها واجهة للعمل الطلابي الإسلامي في مصر.

ظلت فكرة إيجاد نواة طلابية إسلامية ملتزمة حركيا تشغل بال عبدالمجيد الزنداني، تأثراً بمنهج أستاذه الشهيد محمد محمود الزبيري وهو منهج نجد ملامحه بوضوح في رسالته الشهيرة بعنوان "الخطة".

لكن الفكرة لم تصبح واقعاً حتى منتصف عام 1961 عندما التقى عبد المجيد الزنداني عبده محمد المخلافي الطالب في مدينة البعوث الإسلامية، بعد جهد كبير. وكان لقاؤهما الأول دافعاً للشابين المتحمسين لخدمة الإسلام في التعجيل بإخراج الفكرة إلى حيز الوجود الطلابي، سيما أن شخصيتي الرجلين (الزنداني و المخلافي) كانتا تكملان بعضهما لشخصية قيادية فريدة ومؤثرة وفاعلة.

لم "تكن مجموعة الحياد بين الأحزاب" هيئة حزبية أو تشكيلة تنظيمية، إذ من خلال شهادات معظم المنخرطين في إطارها نجد أنها كانت أشبه بمجموعة طلابية توافق رأيها على رفض واقع الصراع الحزبي الذي وسم الوسط الطلابي اليمني في مصر، والاعتصام برابطة الأخوة الإسلامية، وعلى قاعدة الانتماء إلى اليمن كوطن يرزح في أغلال القهر والجهل والاستعمار. وعندما اتجه عبد المجيد الزنداني لتكوين نواة من داخل مجموعة الحياد تكون بمثابة قاعدة تنظيمية لحركة إسلامية، لم يكن قد تبلور لها بعد الهيكل التنظيمي الإسلامي الذي بموجبه يمكن أن نطلق عليه اسم حركة إسلامية، فلم تكن ثمة تسمية محددة للنواة الإسلامية داخل مجموعة الحياد، ولم تكن الصورة واضحة لدى صاحب الفكرة حول توزيع المهام بين أفرادها أو تشكيل هيئات ولجان لتسيير أعمالها.

أخذت مجموعة الحياد بين الأحزاب تقترب من صورة التكتل الطلابي المتماسك مع دخول عام 1961م. ويعد اللقاء الذي جمع عبد المجيد الزنداني وعبده محمد المخلافي المحطة الأهم على طريق نقل فكرة العمل الطلابي الإسلامي الحر إلى مربع البلورة والتجسيد والتأسيس المتدرج.

يسجل الزنداني اللحظات السابقة للقائه بالمخلافي، بعد سماعه عنه، ومحاولاته المتكررة للتعرف عليه، وهو الطالب الأزهري المقيم في مدينة البعوث، بينما كان الزنداني طالباً بكلية الصيدلة في جامعة القاهرة. ويروي أنه عندما علم بوجود أعداد من الطلاب اليمنيين في مدينة البعوث الإسلامية التابعة للأزهر بالقاهرة، قرر زيارتهم والعمل على استقطاب عناصر منهم إلى صف مجموعة الحياد. و في نهاية كانون ثاني (يناير)1961م قابل علي أحمد سعيد المخلافي، أحد الطلاب اليمنيين الدارسين في الأزهر، وطلب منه جمع زملائه للتعرف عليهم، ولما اجتمع عدد منهم ألقى على مسامعهم كلمة تضمنت دعوتهم للم شملهم والاهتمام بالواجبات الإسلامية كزاد للطالب الحريص على مصلحته ومصلحة وطنه، والتنديد بالأوضاع الفاسدة في اليمن شمالاً وجنوباً. وبعد الانتهاء من كلمته قال له عدد من الطلاب: "إن هناك طالبا لو سمعك لن يتركك، ويدعى عبده محمد المخلافي".

عاد عبد المجيد الزنداني في الأسبوع التالي زائراً إلى مدينة البعوث حريصاً على مقابلة عبده محمد المخلافي، غير أنه فوجئ بالطلاب الذين التقاهم الأسبوع الماضي ووجوههم مكشرة، وصارحوه بعدم رغبتهم بالاستماع إليه أو الالتقاء به.

أيقن أن ثمة عناصر وجهات سعت لتفريقهم عنه، وعزله عنهم. وبعد تحر وبحث، اكتشف أن طلاباً منتمين لحركة القوميين العرب قد نشروا في أوساط طلاب المدينة اتهامات له بالعمالة للسفارة وللإمام وطفق راجعا إلى حي المنيل بالقاهرة من دون تحقيق رغبته، في التعرف على المخلافي.

كانت حالات استياء تموج، ومشاعر غضب تتنامى في أوساط الطلاب، جراء الممارسات الظالمة التي يتعرضون لها من قيادة السفارة المتوكلية في القاهرة. ووجد الزنداني، وهو الطالب الناشط، نفسه مع بقية زملائه الطلاب الغاضبين، في معمعة المواجهة مع ممثلي السفارة، لإيقاف الأعمال التعسفية بحقهم. واشترك مع زملائه الطلاب بتنفيذ اعتصام صاخب في شباط (فبراير) أمام مقر نائب الإمام، وأصدروا بياناً للرأي العام اليمني والعرب طرحوا فيه جملة حاجات مطلبية مثل تأمين وتحسين الرواتب التي تؤمن لهم المعيشة والعلاج، وتجديد الجوازات، وتسهيل عملية الالتحاق بالجامعات المصرية. وتشكلت على إثر الاعتصام لجنة لمتابعة المطالب تكونت من عدد من الأشخاص.

أغضبت الإجراءات الطلابية نائب الإمام، وأصدرت السفارة إعلاناً يقضي بقطع رواتب أربعة طلاب اعتبرتهم محرضين أساسيين لتنفيذ الاعتصام. ومن بين هؤلاء الأربعة عبدالمجيد الزنداني. فاستفاد الأخير كثيراً من إعلان السفارة، لإثبات براءته من تهمة رفاق الأمس (القوميين الحركيين) واستطاع كسر الحاجز النفسي الذي حاولت العناصر الحركية القومية إقامته، لعزله عن بقية الطلاب، تذمراً من تحركاته ونشاطه الدؤوب المخالف لتوجهاتهم في أوساط الطلاب.

عاد الزنداني ثانية زائرا لطلاب مدينة البعوث، بهدف التعرف على المخلافي. وبعد أن خاض مع إخوانه في مجموعة الحياد تجربة جديدة تمثلت في المشاركة بالاعتصام احتجاجا على ممارسات نائب الإمام في القاهرة، وهي تجربة سياسية حادة، ولما بدأت جلسته مع نخبة من الطلاب الذين جمعهم زميله علي أحمد سعيد المخلافي. لكن لم يتمكن من مقابلة المخلافي أيضا، راح يحدثهم ويناقشهم في قضايا إسلامية، ووطنية وطلابية. ولما عاد إليهم للمرة الثالثة، وجدهم في حالة أشبه بالتجمهر ضده، وعبروا له عن ضيقهم من زياراته المتكررة، وكشفوا له عن معلومات حصلوا عليها تؤكد ارتباطه بالتيار الماركسي وأنه طالب شيوعي يريد تجنيدهم لأعمال مناهضة. ونزلت التهمة الجديدة على رأسه كالصاعقة، فصرخ في وجوههم قائلاً: "دمي هدر إن صحت هذه التهمة"، وحاول إقناعهم بشتى الأساليب والحجج اللفظية بعدم ارتباطه بأي تنظيم حزبي قومي أو شيوعي ورفضه للحزبية القائمة آنذاك، لما تحمله من تمزيق للروابط والأواصر ولما تشيعه من عداء وخصومة وكراهية.

اقتنع الحاضرون بكلامه وفتحوا الغرفة المخصصة لاجتماعاتهم بالمدينة. وطوال كل هذه الزيارات لم يستطع الزنداني أن يلتقي عبده محمد المخلافي. وكان اللقاء الرابع بطلاب مدينة البعوث هو الحاسم بنقل العمل الإسلامي إلى الطور الجنيني بعد أن كان مجرد تكتل عاطفي بسيط، فما أن التقى الرجلان الزنداني و المخلافي وتعارفا حتى تعانق قلباهما وتوطدت علاقتهما. وعندما خرج المخلافي لتوديعه في المحطة التي تبعد حوالي اثنين كيلومتر عن المدينة، استقل معه الباص المتجه إلى المحطة وتحدث معه عن قضايا إسلامية وقال المخلافي: "يا أخي أعرف أناساً متحركين وأنا معهم هل تتصور أن هناك نصرانيا منصفا تجاه الإسلام وألف كتاباً اسمه (النبي العربي) فرد الزنداني على الفور: لقد ضحكوا عليك، هؤلاء بعثيون. وأبلغه أنه سيتركهم نهائياً".

توطدت العلاقة بين الرجلين منذ ذلك اللقاء، ثم تكررت الزيارات بينهما، والتقت إرادتهما في العمل لإخراج فكرة اختيار عناصر طلابية من داخل مجموعة الحياد بين الأحزاب وإفرازها كنواة أولى على طريق تكوين حركة إسلامية تكون امتداداً للحركة الإسلامية المعاصرة، الملتزمة بمدرسة الإخوان المسلمين، رغم أن هذه المدرسة كانت تتعرض أيامها لأقصى محنة عرفتها منذ تأسيسها في 1928م، وعانى قادتها ومفكروها من كل ألوان البطش والإرهاب والاعتقال والقتل والمطاردة في ذات البلد الذي يعيش فيه هؤلاء الطلاب اليمنيون المتحمسون لتحويل الفكرة إطارا مجسدا في واقع مليء بالأفكار والأيديولوجيات والشعارات الحزبية المغايرة والمعادية تماماً لحلمهم النبيل.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: marebpress