جغرافية التشيّع في العالم تاريخيّاً وإنسانياً

 

 

 

مقدمة

للتعرّف على جغرافية التشيع في عالمنا الإسلاميّ المعاصر.. أُجريتْ دراسات قليلة لا تفي بالحاجة، خاصّة وأنّ بعضها كان مدعوماً من قِبل مراكز ثقافيّة معادية ، وموظّفةً في خدمة نوايا خاصّة.

والتقرير الحالي ـ أيها الأصدقاء ـ هو صورة مختصرة عن تاريخ التشيّع في دول شتّى تتضمّن اشارة إلى الوضع الفعليّ لشيعة أهل البيت عليهم السّلام في تلك الدول.

ولتعذّر الحصول في بعض الأحيان على المعلومات اللازمة عن بعض البيئات أضحى البحث مفصّلاً في بعض جوانبه، مختصراً ومقتضباً في جوانبه الأخرى، غير أنّه يظلّ مقدّمةً لبحث مستقبليّ مستوعب ينبغي القيام به.

وقد أعرضنا في بحثنا هنا عن الحديث عن التشيّع في إيران؛ لأنّه قد بُحث بالتفصيل في كتاب « تاريخ التشيّع في إيران منذ نشأته إلى القرن السابع الهجريّ ».

وأعرضنا كذلك عن الحديث عن التشيّع في اوروبا وأمريكا ـ وفيهما وجود شيعيّ ضخم ـ نظراً لأنّ ذلك الوجود غير عميق بجذوره التاريخيّة في تلك البلاد، ممّا يخرج به ـ بطبيعة الحال ـ عن موضوع بحثنا الحاضر.

التشيّع في الشرق الأقصى: الهند والپاكستان

يُطلق اسم « الهند » تاريخياً على مناطق جغرافيّة واسعة تشمل الپاكستان وبنغلادش، وقد تعرّف المسلمون على شبه القارّة الهنديّة عن طريق الفتوحات التي كانت في أواخر القرن الأوّل الهجري من منطقة « سيستان »، ثمّ توسّع فيها الغَزنَويّون خلال القرون اللاحقة.

وكان انتشار الإسلام في هذه المناطق قد قام بحضور العرب في هذه المناطق، ثمّ إنّ السلطان محمود الغَزنَويّ ـ إبّان حكمه بعد عدّة قرون ـ قد تابَعَ الفتوحات في هذه المناطق، فكان انتشار الإسلام في تلك البلاد انتشاراً سريعاً جداً، واستمر الحكم الإسلاميّ في تلك المناطق مدّة من الزمن، حتّى تسلّط الانجليز على تلك البلاد، فأخرجوها من يد المسلمين وجعلوا حكمها بيد الهندوس.

إسلام شنسب في عصر أمير المؤمنين عليه السّلام

تتوفّر معلومات مفصّلة عن تاريخ الشيعة في الهند، على الرغم من ندرة هذه المعلومات في بعض المراحل التاريخية.

وترجع نواة أوّل تواجد شيعيّ في الهند إلى مودّة أهل البيت عليهم السّلام التي ترسّخت في قلب رجل هندي يدعى « شنسب » أسلم في عصر أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام، وكان هذا الرجل محبّاً لأهل البيت عليهم السلام، وقد أعطاه أمير المؤمنين عليه السّلام عهداً توارثه أبناؤه من بعده، وعُرف أولاده وأحفاده بالأسرة الشنسبانيّة. وقد اشترك أحفاد شنسب في أواخر الحكم الأموي مع أبي مسلم الخراسانيّ في حركته التي حملت شعار « الرضا من آل محمّد عليهم السّلام » وقد بقيت هذه المودّة والمحبة في قلوب طائفة من الأشراف والحكّام في منطقة الغور، تعرّض كتاب « منهاج سراج » لذِكرهم (1).

تواجد الزيديّة في بلاد السند

يعود العامل الآخر للوجود الشيعيّ في الهند إلى تواجد الزيديّة الذين جاءوا إلى أطراف بلاد السند مع ابن محمّد النفس الزكيّة ( الذي قُتل سنة 145 هـ )، وقد تمكّن هؤلاء الزيديّة من التأثير على الحكّام العرب في تلك البلاد، فأضحى أولئك الحكّام من أتباع الزيديّة.

وكان حاكم تلك البلاد عمر بن حفص من أتباع محمّد بن عبدالله بن الحسن المثنّى ( النفس الزكيّة )، ولهذا ارسله المنصور إلى إفريقية، وأرسل إلى السند ـ بدلاً منه ـ هشام بن عمرو التغلبيّ، فامتنع الأخير من إلقاء القبض على ابن محمّد النفس الزكيّة، إلى أن حاصر أخو هشام التغلبيّ ابنَ محمّد وقتله (2)، وكان مع ابن محمّد ما يقرب من 400 نفر من الزيديّة، ويُحتمل أنّ أغلبهم قُتل في المعركة المذكورة.

الإسماعيليّة وإرساء قواعد الوجود الشيعيّ

ويرجع الفضل في إرساء أوّل وجود منظّم للشيعة في بلاد الهند إلى الإسماعيليّين، وكان أوّل دعاتهم يُدعى « ابن حَوشَب » الذي سافر إلى بلاد السند سنة 270 هـ. وقد تمكّن الإسماعيليّون في بداية أمرهم من السيطرة على مدينة « ملتان »، وكانوا في عصر العزيز حاكم مصر الفاطميّ ( 365 ـ 396 هـ ) يخطبون باسمه (3).

وذكر المقدسيّ في كتابه « أحسن التقاسم » أنّ غالبيّة سكّان هذه المدينة كانوا من العرب، وأنّ حكّامهم كانوا حكّاماً عادلين، وأنّ نساءهم ملتزمات برعاية الحجاب الإسلاميّ، فلم يكن المارّ في أسواقهم ليشاهد امرأة واحدة متبرجّة، وذكر أنّ أهالي مدينة ملتان كانوا من الشيعة، وأنّهم كانوا يؤذّنون بـ « حيّ على خير العمل »، ويذكرون فقرات الإقامة لصلاتهم مَثْنى مَثْنى، وأنّهم كانوا يخطبون باسم الحاكم الفاطميّ، ولا يَصدُرون إلاّ عن أمره وحُكمه، وأنّ الحاكم الفاطميّ كان يعمل فيهم بالقسط والإنصاف (4).

وقد هاجم السلطان محمود الغزنويّ ـ وكان مشهوراً بتعصّبه الشديد للمذهب السنّيّ ـ مدينة « ملتان » وضمّها إلى نفوذه، وقد تمكن الإسماعيليون بعد ذلك من استعادتها (5)، ثمّ إنّ هؤلاء الفاطميين انضموا بالتدريج إلى طائفة صوفيّة تنتمي إلى الشيخ بهاء زكريّا ( ت 661 هـ )، والتحق بعضهم بالمذهب الإمامي (6).

وقد بقيت هذه المدينة في عداد المناطق الشيعيّة الهنديّة، جاء في بعض التقارير أنّ نسبة السكّان الشيعة في مدينة ملتان في حدود 30 في المائة من مجموع سكانها، وأنّ نسبة الشيعة في عموم تلك المناطق تقرب من 20 في المائة من مجموع السكّان، وذُكر أنّ سكّان « شيعة مياني » التي تبعد عن مدينة ملتان أربعة أميال ينتمون بأجمعهم إلى المذهب الشيعيّ (7)وقد أفضى وجود الشيعة الإسماعيليّة في مدينة ملتان إلى امتداد هذا المذهب إلى « المنصورة »، و « كجرات »، و « دَهلي » أيضاً.

ومن العوامل التي ساهمت في انتشار المذهب الشيعيّ في شبه القارّة الهنديّة: نشوء الفرق الصوفيّة، كالفرقة السَّهْرَوَرديّة والفرقة الجشتيّة، وهما فرقتان لهما ميول إلى مذهب أهل السنّة، لكنّهما ـ في الوقت نفسه ـ تحملان محبّة كبيرة لأئمّة الشيعة، أيّ ان أفراد هاتين الفرقتين كانوا يعتقدون بمشروعية الخلفاء، ويوالون ـ في الوقت نفسه ـ الأئمّة الاثني عشر عليهم السّلام، ثمّ إنّ هؤلاء الأفراد انتمَوا بعد فترة طويلة إلى مذهب أهل البيت عليهم السّلام، فأضحوا في عداد الشيعة الاثني عشريّة (8).

وقد حمل أفراد هاتين الفرقتين منذ القرن السابع الهجريّ فصاعداً مودّة شديدة للنبيّ صلّى الله عليه وآله ولأمير المؤمنين والسيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين عليهم السّلام، وكانوا يشيرون إليهم بوصفهم « الخمسة » (9).

وفي القرن السابع الهجريّ انتشرت الطرق الصوفية متأثرّةً برجال الشيعة؛ لِما كانوا يتمتعون به من تقوى وتهذيب خلقيّ، فكان رجال الصوفيّة يعتبرون رجال الشيعة الكبار من نسل رسول الله صلّى الله عليه وآله رأساً لسلسلتهم، ومن هنا غَلَبت صبغة التشيّع على هؤلاء الصوفيّة وفق المثل المشهور « أرني شيعيّاً صغيراً أُرِكَ رافضيّاً كبيراً » (10)، إثر تنامي مودّة أهل البيت عليهم السّلام بينهم. ومن جملة هؤلاء: علاء الدولة السَّمنانيّ ( ت 739 هـ )، وشاه نعمة الله وليّ ( ت 834 هـ )، والسيّد علي الهَمَدانيّ، والسيد محمد نور بخش ( ت 869 هـ ) وابنه شاه قاسم فيض بخش ( ت 928 هـ ) (11)، فقد كان هؤلاء المذكورون ينشرون محبّة أهل البيت عليهم السّلام على الرغم من اتّجاهاتهم الصوفيّة واتّباعهم للمذهب السنيّ في الظاهر. وقد انتشر تلامذة هؤلاء الأعلام في بلاد الشرق، ثمّ غدوا من الإماميّة خلال حكم الدولة الصفويّة، ودعوا أتباعهم إلى هذا الاتجاه.

وأورد القاضي نور الله الشُّوشتري الشهيد ( ت 1109 هـ ) في خصوص منطقة كشمير: ومنذ أن أقام السيّد الأجلّ العارف السيّد محمد الخلف الصالح لسيّد المتألّهين السيّد علي الهمداني قُدّس سرّهما في تلك الديار ( كشمير )، انتمى بعض أهالي تلك الديار إلى المذهب الشيعيّ، ثمّ إنّ المير شمسي العراقيّ ـ من خلفاء شاه قاسم نور بخش ـ قَدِم إلى كشمير فتوطّن فيها، فلمّا أضحى الحكم في كشمير في يد طائفة حك تره كام ( قرية من قرى كشمير ) ودعم رجالها السيّد المذكور، أدّى ذلك إلى رواج المذهب الشيعيّ أكثر من السابق.

ثمّ ذكر القاضيّ الشهيد نور الله أسماء المناطق الكشميريّة التي ينتمي سكّانها إلى المذهب الشيعيّ (12).

وتُعدّ هجرة العلويين إلى الهند من العوامل الأخرى التي مهّدت لانتشار الإسلام في هذه البلاد، وكان لتواجد هؤلاء السادة العلويّين ـ ومعظمهم من الشيعة ـ في مختلف مناطق شبه القارّة الهنديّة الدور الفاعل في انتشار التشيّع فيها (13).

ذكر الدكتور الرضويّ في كتابه أنّ محبّة عليّ عليه السّلام وأهل البيت قد تضاعفت بين مسلمي كشمير بعد قدوم السيّد محمود السبزواريّ والسادات البيهقيّين. ثمّ ذكر بياناً مفصّلاً عن معاشرة السيّد محمود السبزواريّ للسلطان اسكندر ( 1389 ـ 1437 م ) وابنه زين العابدين (14).

وبعد تعاظم عدد الشيعة في منطقة كشمير، نشبت نزاعات بينهم وبين أهل السنّة إلى أن سقطت سلسلة كاك chak سنة 1586م وبدأ الحكم المغوليّ في تلك المنطقة. وكان معظم حكّام المغول من أهل السنّة، يقابلهم عدد قليل من الحكّام الشيعة، إلاّ أنّ الشيعة في كشمير حافظوا ـ على الرغم من ذلك ـ على وجودهم وقوّتهم (15).

ويمكن القول (16) إن الحكومات الشيعيّة في الهند قد بدأت منذ أن قامت بعض الحكومات السنيّة في الهند ـ من أمثال الحكومة البهمنيّة ـ باعتناق عقيدة تفضيل الإمام عليّ عليه السّلام وسائر الأئمّة عليهم السّلام على الخلفاء الثلاثة، على الرغم من حفظ هذه الحكومات لانتمائها مذهبيّاً إلى الاتجاه السنّي.

ثمّ جاءت سنة 833 هـ ( 1429 م ) فأعلن أحمد شاه ولي بهمن انتماءه إلى المذهب الشيعيّ، وكان يوسف عادل شاه ( 895 ـ 916 هـ ) وهو مؤسس الملكيّة البيجابوريّة قد تبع الملوك الصفويّين، فأضفى صبغة شيعيّة على طقوس العبادة العامّة في مملكته، على الرغم من أنّه كان يتحرّز من اظهار موقف سلبيّ حاد تجاه العقائد السنيّة.

ثمّ أعقبه ابنه إسماعيل عادل شاه ( 916 ـ 941 هـ ) فوطّد أُسسَ التشيّع في النظام الاداريّ، بحيث أن الخطباء كانوا يخطبون خطبة الجمعة باسم الملك الصفويّ.

وفي عصر إبراهيم الأوّل ( 941 ـ 966 هـ ) سادت منطقة كشمير حالة من الصفاء والسلم بين السنّة والشيعة، إلاّ أنّها لم تَدُم طويلاً.

هذا وكان قُلي قُطب شاه ( 918 ـ 950 هـ ) قد أسس في حيدرآباد مملكة كُلْنكُنْده باعتبارها حكومة شيعيّة، وكان يُخطَب في مملكته باسم الأئمّة الاثني عشر من أهل البيت عليهم السّلام الذين يأتمّ بهم الشيعة، وقد جعل ملوك سلسلة القطب شاهيّة منطقة حيدرآباد مركزاً للتشيّع فترةً من الزمن.

وكان برهان الأوّل ( 915 ـ 961 هـ ) وهو الحاكم الثاني لمنطقة أحمد نگر ( الواقعة في جنوب غرب الهند ) قد انتمى إلى المذهب الشيعيّ بتأثير من وزيره المتّقي العابد « شاه طاهر » (17). وكان تشيّعه أقوى من تشيّع حكومات « الدكن » الأخرى.

وقد أظهر بابر ( 934 ـ 937 هـ ) وابنه همايون ( 937 ـ 964 هـ ) تأييدهما للشيعة نظراً للمساعدة التي تلقّوها من الايرانيين، لكنّهما ظلاّ ينتميان ـ في الباطن ـ إلى المذهب السنّيّ (18). وكان بابر وابنه ـ وهما من أصل مغوليّ ـ قد استعانا بالشاه إسماعيل الصفويّ في الحروب التي خاضاها مع أعدائهما. وأعقبهما في الحكم أكبر شاه، وكان المذهب الرسميّ للدولة في عهده هو المذهب السنّي، إلاّ أنّ الشيعة ظلّوا يحافظون على قوّتهم وموقعهم. وكان القاضي نور الله الشوشتري الشهيد يتصدّى لمنصب القضاء في عصر أكبر شاه وجِهانگيرشاه، وكان يعمل بالتقية، ثمّ ظهر أمر تشيّعه فاستُشِهد (19).

وجسّدت أسرة ملوك « أَوَده » ـ ومركزها في مدينة « لكنهو » ـ استمراراً للتاريخ الشيعيّ، وظلّت رامبور ( في شمال الهند ) التي أعقبت لكنهو مركز حكومة شيعيّة محليّة في الهند إلى عصر قريب.

وكان أحمد علي شاه ( 1258 ـ 1264 هـ ) قد استبدل في فترة حكمه بالقوانين الحنفيّة السائدة في « اَوَده » قوانين مستنبطة من المذهب الشيعيّ.

وفي عصر هؤلاء الملوك استطاع عالم شيعيّ جليل، هو السيد دِلْدار عليّ ( ت 1235 هـ ) ـ ويُعرف باسم « غفران مآب » ـ أن ينشر المذهب الشيعيّ في الهند، وكان له دور كبير في نشر التشيّع في شمال الهند، وكان له نشاطات هامّة في منابذة التصوف هناك.

ومن أهم معالم التواجد الشيعيّ في الهند: إقامة مراسم العزاء في شهر محرّم الحرام، وهي شعائر اشترك في إحيائها وإقامتها حتّى أهل السنّة.

وأبنية « الحسينيّات » العديدة في بلاد الهند التي كانت تبنى تحت اسم « إمام باره » شاهدٌ حيّ على ازدهار الأدب الشيعيّ في بلاد الهند. وهناك أعداد كبيرة من هذه الحسينيّات في المدن والمراكز الشيعيّة، يزيد عددها أحياناً على عدد المساجد.

المدن الشيعيّة في شبه القارّة الهنديّة

ومن بين المدن الشيعيّة في الهند مدينة « لكنهو » الواقعة في الشمال الغربيّ من الهند، وكانت تحكمها ـ كما ذكرنا ـ أسرة ملوك أوَده الشيعة.

وفي هذه المدينة مكتبة عظيمة تضمّ ميراث العالِم الشيعي الكبير المير حامد حسين وأبيه، وتُدعى بـ « المكتبة الناصريّة ».

وتشتمل هذه المدينة على عدة مدارس شيعيّة، من بينها: الجامعة الناظميّة، ومدرسة الواعظين، وسلطان المدارس (20).

ومن المناطق التي تخطى بتواجد شيعيّ كبير منطقة « الله آباد »، وقد تعرّض ساكنوها لضغوط ومضايقات خلال انفصال الباكستان عن الهند أجبرت بعضهم على الهجرة إلى الباكستان، إلاّ أنّ البعض الآخر ـ وعددهم ليس بالقليل ـ ظلّ يعيش في هذه المنطقة.

ومن المراكز الشيعيّة المهمّة في الهند « حيدر آباد الدكن »، وقد ذكرنا أن أسرة القطب شاهيّة الشيعيّة كانت تحكم فيها.

وهناك مدن هنديّة ذات تواجد شيعيّ كبير، أضحت من المدن الباكستانيّة بعد واقعة انفصال الباكستان عن الهند، ومن هذه المدن مدينة « نته » التي تُعدّ من أقدم مدن السند، وتبعد عن مدينة « كراجي » ثلاثة وستّين ميلاً. وكان لهذه المدينة شهرة واسعة في القرنَين التاسع والعاشر الهجريّين. ويعيش في هذه المدينة في العصر الحاضر أعداد كبيرة من الشيعة لهم مساجدهم وحسينيّاتهم (21).

ومن المراكز التي يتواجد فيها الشيعة بأعداد كبيرة، مدينة « لاهور »، حيث يقطن في هذه المدينة في عصرنا الحاضر عدد كبير من الشيعة، لهم محلاّتهم وجمعيّاتهم ومراكزهم الخاصّة (22).

ومن المدن الباكستانيّة ( الهنديّة سابقاً ) التي يعيش فيها عشرات الآلاف من الشيعة مدينة « ديره إسماعيل خان »، ويتواجد في ضواحي هذه المدينة عدد كبيرة من الشيعة لهم مساجد وحسينيّات كثيرة (23).

ومن هذه المدن مدينة « سرگودَها »، وتبعد عن مدينة « لاهور » مائةً وسبعة وعشرين ميلاً، وتُقدّر أعداد الشيعة فيها بنسبة خُمس عدد السكّان (24).

ومن المدن الشيعيّة مدينة « شيگر »، وهي من مدن دولة بنغلادش ( باكستان الشرقيّة )، حيث يتواجد الشيعة فيها بأعداد كبيرة (25). وكانت مراسم العزاء أيّام المحرّم تُقام في بنغلادش قبل ما يقرب من قَرْن على نطاقٍ واسع، وكان أتباع المذاهب السنية ـ في الغالب ـ هم الذين يُقيمون هذه المراسم والشعائر.

وقد ذكر أحد المحقّقين بأنّ المذهب الشيعيّ انتشر في بنغلادش في حدود القرن العاشر الهجريّ خلال الحكم المغوليّ، وكان لأمثال المير محمّد مؤمن والمير جملة ـ وهما من الأشراف الشيعة ـ تأثير هام في انتشار المذهب الشيعيّ في شبه القارّة الهنديّة.

وعلى الرغم من أنّ الكثير من ذوي المقامات البنغاليّين وبعض النوّاب من أمثال شجاع الدين صهر مرشد قُلي كانوا من الشيعة، إلاّ أنّ المفاهيم الشيعيّة لم يُقدّر لها رواج كبير في تلك البلاد، ونلاحظ أنّ التواجد الشيعيّ الحاليّ ينحصر في عدد من الطوائف من قبائل « كارام العليا » (26).

وتضمّ مدينة « كراچي » عدداً كبيراً من الشيعة، بحيث إنّ بعض محلاّت هذه المدينة يكاد أن يكون جميع سكنتها من الشيعة. وقد انتمى إلى المذهب الشيعيّ طائفة من فرقة الآغاخانيّة (27).

ومن المدن الشيعيّة في الباكستان مدينة « نگر » الواقعة في شمال الباكستان، وجميع سكّان هذه المدينة هم من الشيعة (28).

ومن المدن الباكستانيّة ذات التواجد الشيعيّ الكبير مدينة « پاراجنار »، وتقع في الشمال الغربيّ من الباكستان، وتقرب نسبة الشيعة فيها من 95 في المائة (29).

ومن المدن ذات التواجد الشيعيّ مدينة « بيشاور »، حيث يقطن في بعض محلاّتها أعداد كبيرة من الشيعة، ويتوزّع عدد كبير آخر منهم في ضواحي المدينة وأطرافها (30).

وتقع مدينة « إسكردو » ـ وهي مركز بلتستان ـ في الشمال الغربيّ من الباكستان، وهي مدينة جميع سكّانها من الشيعة (31).

وتقطن مجاميع من الشيعة في مدينة « اسلام آباد » الباكستانيّة أيضاً (32).

وقد ذكر مؤلّف دائرة المعارف الشيعيّة عدداً كبيراً من المدن الباكستانيّة التي يتواجد فيها الشيعة، منها مدن: جهنك، وراولبندي، وسيالكوت، وسكهر، وروهري، وكوهان، وكويتة.

يُضاف إليها عدد آخر من المدن الهنديّة التي يتواجد فيها الشيعة، من جملتها: دهلي، وميرَت، ومظفّر نگر، وبريلي، وبدايون، ومراد آباد، وفيض آباد، وراي بريلي، وجونپور، وبَنارس ( دراو تربرادش )، وگيا ( درِبهار )، وميسور، ومَدْراس، وبُمبيّ، وپونا، وبنگلور، ومجلي بندر (33).

وتمتاز مدينة جونپور بكونها مركزاً من مراكز الشيعة، ويوجد في هذه المدينة ـ وفي مدن بنارس وبمبيّ ومدن أخرى أيضاً ـ حوزات علميّة لدراسة العلوم الدينيّة.

ويشكّل عدد الشيعة في شبه القارّة الهنديّة أكبر وجود شيعيّ، حيث تبلغ أعدادهم ما يزيد على ـ أو يساوي على أقلّ تقدير ـ ضِعف عدد الشيعة في إيران ـ وحسب الإحصاء العامّ لسنة 1340 هـ / 1921 م فقد بلغ عدد الشيعة في تلك المناطق ما يقرب من عُشُر عدد السكّان المسلمين في شبه القارّة الهنديّة (34).

وبلغت نسبة الشيعة في الهند ـ قياساً إلى المسلمين ـ أرقاماً تتراوح بين 10 في المائة و 35 في المائة. أيّ أنّ عدد المسلمين الهنود لمّا كان يبلغ 80 مليون نسمة، فإن عدد الشيعة بينهم كان يتراوح بين 8 مليون و 28 مليون نسمة (35).

أمّا في الباكستان فتقرب نسبة السكّان الشيعة إلى مجموع المسلمين من 15 في المائة، أي أنّ أعدادهم تقرب من 12 مليون نسمة من مجموع 80 مليون نسمة من المسلمين الباكستانيين (36).

وهناك في دولة النيبال أيضاً مُدن فيها تواجد شيعيّ، حيث يسكن فيها أعداد غير قليلة من الشيعة الاثني عشريّة (37).

ومن الآثار الهامّة للتشيّع في الهند انتشار التشيّع في قارّة إفريقية وسواها من المناطق التي هاجر إليها الهنود، ومن جملتها أوروبا وأمريكا، حيث من الملاحظ أنّ عدد الهنود الشيعة في مجموع الشيعة الذين ينتمون إلى مناطق جغرافيّة أخرى هو عدد كبير جدير بالتأمّل؛ يُضاف إلى ذلك أنّ الشيعة في الصومال وكينيا وأكثر مناطق إفريقية ينتمون إلى أصول هنديّة (38).

الشيعة في أفغانستان

لا ينحصر التواجد الشيعي في الشرق بالهند والباكستان، بل يتعدّاهما إلى بلادٍ أخرى، ومن أهمها: أفغانستان، حيث ورد أن الشيعة في أفغانستان ينتمي معظمهم إلى القبائل التي تقطن المناطق الأفغانيّة المتاخمة للحدود الإيرانيّة الأفغانيّة، وتُعرف هذه القبائل بقبائل فيروزكوهي وجمشيدي. كما يتواجد الشيعة في مدينة « هرات »، وينتمي أفرادهم في تلك المدينة إلى قبيلة « هزاره »، ويقدّر عدد الشيعة من قبيلة هزاره بما يقرب من مائة ألف نسمة؛ وهناك أيضاً بعض القبائل في جبال التاجيك ينتمي رجالها إلى المذهب الشيعيّ (39)ويبدو أنّ هناك نوعاً من الإهمال المتعمّد فيما يخصّ إحصاء عدد الشيعة المتواجدين في أفغانستان لأسباب سياسيّة، وقد ذكرت بعض المصادر أن ثُلث سكّان العاصمة كابُل هم من الشيعة، وأنّ هؤلاء الشيعة يتوزّعون في المحلاّت المختلفة للعاصمة الأفغانيّة (40). أمّا في مدينة « هرات » فقد ورد أنّ غالبيّة سكّانها ينتمون إلى المذهب الشيعيّ، وهذا أيضاً ينطبق على مدينة « غزنة ».

وذُكر أنّ غالبيّة السكّان في مدينة « مزار شريف » هم من شيعة أهل البيت عليهم السّلام، وأنّ سكّان مناطق « بهسود ده فركي » ( كولنك ) و « شهرستان » و « كندي » قاطبة هم من الشيعة. وورد أنّ غالبيّة سكّان مدينة « بامياق » ونواحيها هم من الشيعة أيضاً (41).

وذكرت بعض الأخبار أنّ 18 في المائة من سكّان أفغانستان هم من الشيعة الإماميّة، وأن 2 في المائة منهم ينتمون إلى المذهب الإسماعيليّ أو من المُغالين، وجاء في هذه الأخبار أن طائفة من أهل السنّة الأفاغنة يسمّون شهر المحرّم شهر الحسن والحسين (42).

وبطبيعة الحال لا يمكن اعتبار الأرقام الرسميّة المذكورة صحيحة بصورة مطلقة، خاصّة إذا علمنا أن هناك إحصائيّات أخرى من قِبل بعض المصادر المطّلعة تذكر أنّ أعداد الشيعة تفوق الأرقام السابقة (43).

الشيعة في سائر مناطق الشرق

الشيعة في أندونيسيا

يعود تاريخ الوجود الشيعيّ في أندونيسيا إلى القرن الرابع الهجريّ، ويتّضح من الشواهد الباقية على قبور المسلمين في أندونيسيا أنّ فرار الشيعة العلويّين تجاه بلاد الشرق بحثاً عن مكان آمن من الأدلّة على رسوخ التشيّع في تلك الديار.

ومن أهمّ العلويّين الذين هاجروا إلى أندونيسيا أحمد بن عيسى بن محمّد بن عليّ بن الإمام جعفر بن محمّد عليهما السّلام، الذي حطّ رحاله في هذه البلاد سنة 317 هـ، حيث حلّ ومَن معه من المهاجرين في الجزائر التي تُعرف حاليّاً بـ « ملايا »، و « اندونيسيا »، و « الفليبين » وجزائر سليمان، وقد تمكّن هؤلاء المهاجرون من إقامة صِلات وثيقة مع أهالي تلك الجُزر، مكّنتهم من الاحتفاظ بمقاماتهم ونفوذهم، وما يزال المنتسبون إلى اولئك يحظون باحترام ومقام خاصَّين.

ومن أهم الآثار الشيعيّة في هذه البلاد: إقامة مراسم العزاء في عاشوراء، ويسمّونها هناك اصطلاحاً بـ « سورا ».

ويُلاحظ أنّ السيوف القديمة الموجودة في البلاد المذكورة تحمل عبارة « لا فتى إلاّ عليّ لا سيف إلاّ ذو الفقار »، كما يُلاحظ أن مراسم عيد الغدير ما تزال تُقام في بعض المناطق إلى يومنا هذا.

ويذكر التاريخ أنّ الشيعة المتواجدين في هذه المناطق قد أبدوا مقاومة شديدة أمام الغزو الذي تعرّضت له المناطق المذكورة من قِبل المستعمرين الهولنديّين، وأنّهم واجهوا ـ جرّاء هذا الأمر ـ مشكلات كبيرة.

وقد استعاد الشيعة في هذه المناطق قدرتهم خلال القرن الأخير المنصرم، فظهر من بينهم عدد كبير من العلماء الأجلاّء المعروفين. وفي « دائرة المعارف الشيعيّة » معلومات مفصّلة نسبيّاً عن أسماء العوائل الشيعيّة، وأسماء العلماء ونشاطاتهم.

ومن المناطق الشيعيّة في اندونيسيا منطقة « اجيه » الواقعة في شمال سومطرة، التي انتشر منها الشيعة إلى كثير من المناطق المجاورة. وتشير الشواهد الموجودة في المقابر القديمة في تلك المنطقة إلى أنّ جملة « لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله عليّ وليّ الله » قد نُقشت على صخور تلك القبور.

وتمتاز مدينة « كوالا » بأنّ سكّانها قاطبة هم من الشيعة، وبوجود جامعة شيعيّة فيها تدعى بـ « جامعة كوالا » (44).

ومن المناطق الشيعيّة الأخرى منطقة « برلاك » التي سبق لها أن كانت لها حكومة شيعيّة (45).

ويلزمنا أن نذكر بأنّ التشيّع في هذه المناطق لم يَبْقَ منه في عصرنا الحاضر إلاّ الرسوم والشعائر، وأنّ الوجود الشيعيّ الضخم في المناطق المذكورة لم يبق منه إلاّ وجود بسيط، لا يتعدّى عدد أفراده بضعة آلاف نفر ليس لهم جماعة مذهبيّة مستقلّة، ولا يتجاوز نشاطهم الثقافيّ أمر تشخيص هويّتهم المذهبيّة، وخاصّة العوائل العلويّة التي حافظت على سماتها وخصائصها.

الشيعة في منطقة التبت

من المناطق التي يتواجد الشيعة فيها: منطقة التبت، حيث يشكّل الشيعة في بعض مدن التبت غالبيّة المسلمين، ويتواجدون في البعض الآخر من المدن بنسب أقل قياساً إلى السكّان المسلمين.

ويرجع أساس الحضور الشيعيّ في هذه المنطقة إلى مجاورتها للهند والباكستان. وقد ذكر القاضي نور الله أنّ طائفة من الشيعة من المشهورين بالثبات على المبدأ كانوا يعيشون يومذاك ( أي في عصر القاضي نور الله ) في منطقة التبت (46).

وذكر مؤلّف دائرة المعارف الشيعيّة أسماء المناطق الشيعيّة في بلاد التبت، أعرضنا عن إيرادها خشية الإطالة (47).

الشيعة في بُورما

من المناطق الشيعيّة في جنوب الصين منطقة بورما، ويُقدَّر عدد الشيعة في العاصمة رانغون بخمسة آلاف نسمة (48)؛ وأكثر المسلمين الموجودين في هذه المدينة من المهاجرين الهنود والإيرانيين. وقد بنى هؤلاء المسلمون منطقة في ضواحي مدينة رانغون سمَّوها « كربلاء »، يقصدونها في أيّام المحرّم لإقامة مراسم العزاء، نظراً لتعذّر ذهابهم إلى كربلاء الحقيقيّة لبُعد المسافة (49).

الشيعة في أريتيريا

يوجد في أرتيريا بعض القبائل الشيعيّة التي تنتمي إلى أصول عربيّة، ويرجع تاريخ هذه القبائل إلى عصور سابقة.

وقد سئل أحد أفراد هذه القبائل عن اللغة التي يتكلّم بها فقال بأنّها اللغة العربيّة القديمة، ثمّ سئل عن الطائفة التي ينتمي إليها فقال بأنّه ينتمي إلى طائفة الشيعة التي تنتمي إلى مذهب سيّدنا الحسين عليه السّلام (50).

وقد ساهم العلويّون في نشر الإسلام في هذه المناطق، وظلّ التشيّع فيها أثراً قائماً على هجرة اولئك العلويين إلى هذه الديار.

الشيعة في بلاد الفليبين

يتواجد الشيعة في منطقة الفليبين، وقد ذُكِر أنّ العلويين المسلمين الذين هاجروا إلى هذه البلاد ساهموا في نشر الإسلام والتشيّع فيها. وما يزال بعض الأفراد في الفليبين يحتفظ ببعض المخطوطات العربيّة القديمة التي يمكنه ـ من خلالها ـ من إثبات انتمائه إلى أهل البيت عليهم السّلام (51).

التشيّع في منطقة الريّ

بداية التشيّع في الريّ

خَفَّت ـ بعد سقوط الأمويّين ـ الضغوطُ على المحدّثين لإرغامهم على اختلاق الأحاديث في فضائل بني أُميّة، وزال الخوف الشديد الذي كان يلازم التحديث بفضائل أهل البيت عليهم السّلام.

وهذا الوضع الجديد دفع بعضَ محدّثي أهل السنّة ممّن يُكنّون لآل محمّد صلّى الله عليه وآله الودّ والاحترام إلى التحديث بمناقب أهل البيت، وقد اتُّهم هؤلاء الأفراد بالتشيّع من قِبل المتعصّبين، مع أنّهم لم يكونوا شيعة بالمعنى المصطلح عليه.

ذكر الذهبيّ ـ على سبيل المثال ـ رجلاً يُدعى عبدالله بن عبدالقدّوس، وذكر أنّ أصله من الكوفة، وأنّه سكن في « الريّ »، ثمّ وصفه بأنّه رافضيّ، وأنّ جميع رواياته تتعلّق بفضائل أهل البيت (52).

وقد قَدِم ابنُ إسحاق صاحب السيرة إلى « الريّ » فقرأ سيرته على بعض علمائها، فاتُّهم بالتشيّع لدلائل مشابهة (53)؛ ويُراد بهذا التشيّع ـ في حقيقة الأمر ـ نقل بعض فضائل آل محمّد صلّى الله عليه وآله.

وجسّد نقلُ فضائل أهل البيت عليهم السّلام الخطوةَ الأولى في التنصّل من النَّصْب لهم، وشكّل اللبنةَ الأولى التي مهّدت لرواج التشيّع في المراحل اللاحقة.

وكانت البداية الأولى للتشيّع الأصيل في الريّ في أواخر القرن الثاني للهجرة من خلال ارتباط بعض أهل الريّ بأئمّة الشيعة عليهم السلام، والرواية الأولى التي تحدّثت عن مثل هذه اللقاءآت مرتبطة بلقاء شيعة الريّ بالإمام الكاظم عليه السّلام.

وتُشير هذه الروايات إلى أنّ حاكم الريّ في تلك الفترة كان من الشيعة، وأنّه كان يُحامي عن الشيعة ويُدافع عنهم وراء ستار من التقيّة. وقد عَهِدنا في عصر الإمام الكاظم عليه السّلام وجودَ مثل هؤلاء الأفراد الذين كانوا يعملون ظاهراً مع الجهاز الحاكم، ويوظّفون نفوذهم في حماية القواعد الشعبية لأئمّة أهل البيت عليهم السّلام، ومن هؤلاء الأفراد: عليّ بن يقطين.

وجاء في الرواية المذكورة أنّ رجلاً من أهل الريّ كان عليه دَين مِن خَراج في زمن أحد كتّاب يحيى بن خالد البرمكيّ، وكان اداؤه هذا الدَّين يفضي إلى إفلاسه. ثمّ طرق سمعَه بأنّ ذلك الكاتب ينتحل هذا الأمر ( أي أنّه على مذهب أهل البيت عليهم السّلام )، وخشي إن هو لَقِيَه ألاّ يكون ما بلغه عنه حقّاً، فيكون في ذلك زوال نعمته؛ فاستقرّ عزمُه على السفر إلى الحجّ، والتقى في سفره ذلك بالإمام الصابر عليه السّلام (54) واستجار به، فكتب عليه السّلام إليه رُقعةً صغيرة فيها « بسم الله الرحمن الرحيم، إنّ لله في ظِلِّ عرشه ظلاًّ لا يَسكنُه إلاّ مَن نَفَّس عن أخيه كُربةً، أو أعانَه بنفسِه، أو صَنَع إليه معروفاً، ولو بشقّ تمرة، وهذا أخوكَ والسلام »، ثمّ ختمها ودفعها إلى الرجل الشيعيّ المدَينَ وأمره أن يوصلَها إلى كاتبِ يحيى.

يقول الرجل المذكور: فلمّا رجعتُ إلى بلدي، صرتُ إلى منزله فاستأذنتُ عليه وقلتُ: رسولُ الصابر عليه السّلام بالباب؛ فإذا أنا به وقد خرج إليّ حافياً، فأبصرَني وسلّم عليَّ وقبّل ما بين عينَيّ، ثمّ قال لي: يا سيّدي، أنتَ رسول مولاي ؟ فقلت: نعم. فقال: قد أعتقتَني من النار إن كنتَ صادقاً. فأخذ بيدي وأدخلني منزله، وأجلسني في مجلسه، وقعد بين يديَّ، ثمّ قال: يا سيّدي، كيف خلّفتَ مولاي ؟ فقلتُ: بخير، فقال: اللهَ اللهَ ؟ قلتُ: الله ـ حتّى أعادها ثلاثاً ـ ثمّ ناولتُه الرُّقعة فقرأها وقبّلها ووضعها على عينَيه ثمّ قال: يا أخي، مُرْ بأمرك! فقلتُ: في جريدتك عليَّ كذا وكذا ألف ألف درهم، وفيه عَطَبي وهلاكي. فدعا الجريدة فمحا عنّي كلّ ما كان فيها، وأعطاني براءةً منها، ثمّ دعا بصناديقِ مالهِ فناصَفَني عليها؛ ثمّ دعا بدوابّه فجعل يأخذ دابّة ويُعطيني دابّة؛ ثمّ دعا بغِلمانهِ فجعل يعطيني غلاماً ويأخذ غلاماً، ثمّ دعا بكِسوته فجعل يأخذ ثوباً ويُعطيني ثوباً، حتّى شاطَرَني جميعَ مُلكه ويقول: هل سَرَرتُك ؟

فأقول: إي واللهِ، وزِدتَ على السرور.?

ثمّ إنّ الرجل نقل ما حصل له إلى الإمام الكاظم عليه السّلام، فسَرَّه ذلك (55).

ومع الأسف فإنّ الرواية المذكورة لم تتطرّق إلى اسم كاتب يحيى بن خالد.

وبين أصحاب الإمام الكاظم عليه السّلام عدّة أشخاص يُلَقّب كلُّ منهم بـ « الرازيّ »، وإنّما لُقّبوا بهذا اللقب لكونهم من أهل الريّ أو لِسُكناهم في الريّ مدة من الزمن. ومنهم: الحسين بن محمّد الرازيّ، وعليّ بن عثمان الرازيّ، وعمرو بن عثمان الرازي (56)، وبكر بن صالح الرازيّ (57).

وهناك رواية أخرى تحكي عن ارتباط شيعة الريّ بالإمام الجواد عليه السّلام، حيث يقول الحسن بن أبي عثمان الهمدانيّ: دخل أناس من أصحابنا من أهل الري على أبي جعفر ( الجواد ) عليه السّلام وفيهم رجل من الزيديّة، فسألناه مسألة، فقال أبو جعفر عليه السّلام لغلامه: خُذ بيد هذا الرجل فأخرِجْه! فقال الزيديّ: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله طيّباً مباركاً، وأنّك حجّة الله (58).

وذُكر في عِداد أصحاب الإمام الجواد عليه السّلام اثنان من أهل الري، هما: محمّد بن إسماعيل الرازيّ، ومنصور بن عبّاس الرازي الذي كان يسكن في بغداد (59).

وذُكر في أصحاب الإمام الهادي عليه السّلام طائفة من أهل الريّ، منهم: الحسين بن محمّد الرازيّ (60)، وأبو بكر الرازيّ (61)، وأبو محمّد الرازيّ (62)، وأحمد بن إسحاق الرازيّ، والأخير من ثقات أصحاب الإمام الهادي عليه السّلام وكان من وكلائه عليه السّلام، وكان له ارتباط بالناحية المقدّسة عليه السّلام (63).

وممّن سكن الري سهلُ بن زياد الأدَمي المحدّث، وكان أحمد بن محمّد بن عيسى قد أخرجه عن قم بسبب غُلوِّ عقائده، فذهب إلى الريّ وحطّ فيها رحاله. وقد ذكر النجاشيّ أنّ سهل بن زياد المذكور راسلَ الإمامَ العسكريّ عليه السّلام بواسطة محمّد بن عبدالحميد العطّار، وأنّه ألّف كتابين اثنين، أحدهما كتاب « التوحيد » والآخر « النوادر » (64).

ومن وجوه أصحاب الأئمّة عليهم السّلام عبدالعظيم الحسنيّ، ويُعدّ في أصحاب الإمام الرضا عليه السّلام، وفي أصحاب الإمام الجواد عليه السّلام، وفي أصحاب الإمام الهادي عليه السّلام، وورد في حقّه كلمات الثناء والمدح من قِبلهم.

ويُعدّ مجيء السيّد عبدالعظيم الحسنيّ إلى الريّ من دلائل الحضور الشيعي في هذه المنطقة، كما أنّه شكّل بنفسه الأرضيّة لنموّ المذهب الشيعي هناك. وبعد ارتحال عبدالعظيم الحسنيّ صار قبره مزاراً يؤمّه الشيعة ويتوافدون على الريّ من الأنحاء المختلفة لزيارته.

وقد أورد الصاحبُ بن عبّاد والنجاشيّ ترجمةً مختصرة للسيّد عبدالعظيم، وذكر أحمد بن محمّد بن خالد البَرقيّ أنّ السيّد عبدالعظيم قَدِم إلى الريّ خوفاً من السلطان، فنزل في سرداب بيتٍ لأحد الشيعة يقع في محلّة « سكّة المَوالي »، وعكف هناك على العبادة، فكان يقوم الليل ويصوم النهار، وكان يزور قبراً من الدار التي نزل فيها ويقول إنّه قبر ابن موسى بن جعفر عليه السّلام. وظلّ السيّد عبدالعظيم في ذلك السرداب حتّى بلغ خبرُه جميعَ شيعة آل محمّد، فعرفه معظمهم (65).

وعلى أساس خبر كتاب « مُنتَقِلةُ الطالبيّة »، فقد قَدِم السيّد عبدالعظيم من طبرستان إلى الريّ، وكان سفره في العِقد الخامس من القرن الثالث، أي في زمن كان العلويّون فيه بعيدين عن مراكز السلطة، وكان السيّد عبدالعظيم يسكن في سكّة الموالي، وهي المحلّة التي أضحت فيما بعد موضعَ التقاء المناطق الجفرافيّة المتعلّقة بالمذاهب الثلاثة: الحنفيّ والشافعيّ والشيعيّ (66).

وقد عاصر السيّد عبدالعظيم ثلاثة من أئمّة أهل البيت عليهم السّلام، ابتداءً بالإمام الثامن: الإمام الرضا عليه السّلام، ويحتمل أنّ سنة وفاته هي سنة 250 للهجرة. وقد وردت عن الأئمّة عليهم السّلام عدّة روايات في فضيلة زيارة السيّد عبدالعظيم وكان لها دور كبير في لفت أنظار شيعة أهل البيت عليهم السّلام إلى الريّ وتوطّنهم فيها.

ومن العوامل الهامّة في تقوية ارتباط شيعة الريّ بالأئمّة عليهم السّلام وفي زيادة عدد الشيعة في تلك المنطقة: وجود أحد وكلاء صاحب الأمر: الإمام المهديّ عليه السّلام في الريّ. وبطبيعة الحال فإنّه قد تحمّل هذه المسؤولية بالواسطة من قِبل أحد النوّاب الأربعة؛ وهذا الرجل هو أبو الحسين محمّد بن جعفر الأسدي ( ت 312 هـ ).

يقول صالح بن أبي صالح: سألني بعض الناس في سنة 290 هـ قبضَ شيءٍ، فامتنعت من ذلك وكتبتُ أستطلع الرأي، فأتاني الجواب: بالري محمّد بن جعفر العربيّ، فليُدفَعْ إليه فإنّه من ثقاتنا (67).

وروي عن محمد بن الحسن الكاتب المروزيّ أنّه كتب إلى صاحب الزمان عليه السّلام بإرساله مبلغاً من المال، فخرج الوصول وجاء فيه: إن أردتَ أن تعامل أحداً فعليك بأبي الحسين الأسديّ بالريّ (68).

وذكر الشيخ الطوسي عدّة روايات في مدح أبي الحسين الأسديّ، وذكر في آخرها أنّ الأسديّ مات على ظاهر العدالة لم يتغيّر ولم يُطعَن عليه (69).

ونورد فيما يلي بعض أسماء أصحاب الأئمّة عليهم السّلام الذين لقّبوا بـ « الرازي »، والذين وردت في الكتب الأربعة الروايات التي رَوَوها عن الأئمّة الأطهار عليهم السّلام:

الجاموراني الرازي.

محمّد بن إسماعيل الرازي.

أبو القاسم بن مُخلّد الرازي.

أبو عبدالله الرازي.

أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن عبدالله الرازي.

محمّد بن عبدالله الرازي.

موسى بن الحسين الرازي.

موسى بن الحسن الرازي.

محمد بن الحسن الرازي.

عليّ بن سليمان الرازي.

عليّ بن النعمان الرازي.

عليّ بن عثمان الرازي.

أبو يحيى الرازي.

ابن أبي يحيى الرازي.

يحيى بن أبي العلاء الرازي.

عبدالله بن أحمد الرازي.

القاسم بن محمّد الرازي.

الحسين بن محمّد الرازي.

أبو محمّد الرازي.

جعفر بن محمّد بن أبي زيد الرازي.

محمّد بن أبي زيد الرازي.

أحمد بن إسحاق الرازي.

أبو إسماعيل الصَّيقل الرازي.

أبو هلال الرازي.

محمّد بن حسّان الرازي.

ويوجد ـ إضافة إلى هؤلاء ـ طائفة من الرواة الملقّبين بـ « الرازي » لم تَرِد رواياتهم في الكتب الأربعة.

انتشار التشيّع في الريّ

اعتبر ياقوت الحمويّ أنّ بداية التشيّع في الريّ ترتبط بعصر حكومة أبي الحسن المادرانيّ ( المادرائيّ ) في الريّ، بَيْد أنّنا نعتقد ـ تبعاً لما أوردناه سلفاً ـ أنّ ذلك العصر كان عصرَ انتشارِ التشيّع في الريّ، وليس عصر بداية التشيّع فيه.

يقول ياقوت: وكان أهلُ الري أهلَ سُنّةٍ وجماعة إلى أن تغلّب أحمد بن الحسن المادرانيّ عليها فأظهرَ التشيَّع وأكرم أهلَه وقرّبهم، فتقرّب إليه الناسُ بتصنيفِ الكتب في ذلك، فصنّف له عبدُ الرحمن بن أبي حاتم كتاباً في فضائل أهل البيت وغيره. وكان ذلك في أيّام المعتمد وتغلّبه عليها في سنة 572 هـ، وكان قبل ذلك في خدمة كوتكين بن ساتكين التركيّ، وتغلّب على الري وأظهر التشيّعَ بها واستمرّ إلى الآن (70).

وقد جمع المحدّثُ الأرمويّ الأخبارَ المتعلّقة بـ « كوتكين » و « المادرانيّ »، وهي أخبار ترتبط بـ « ساتكين » وابنه « كوتكين » وارتباط المادراني به في حوادث سنوات 255 هـ ـ 276 هـ (71).

وبناءً على ما ورد في بعض الأخبار وأشار إليه ياقوت الحمويّ، فإنّ المادرانيّ انفصل عن كوتكين سنة 275 هـ وسيطر على منطقة الريّ.

وكان كوتكين ظالماً مشهوراً بالقسوة، فقد هاجم قم وقزوين والريّ وأوقع فيها مقتلة عظيمة. وقد طلب المادرانيّ ـ بعد انفصاله عن كوتكين ـ من الخليفة العبّاسيّ في بغداد أنّ يُقدِم إلى منطقة الجبال، ثمّ إنّه تحرّك بنفسه في سنة 276 هـ إلى الجبال.

ومن المآخذ التي يوردها البعض على المادرانيّ أنه كان مع كوتكين في هجومه على قم، وفي حربه من محمّد بن زيد العلويّ سنة 72 هـ الذي قَدِم من جُرجان لمهاجمة الريّ. وقد أشار المحدّث الأرمويّ إلى أن اختلاف المادرانيّ في المذهب مع كوتكين وظُلم الأخير كانا السبب الأساس في انفصال المادرانيّ عن كوتكين (72).

يُضاف إلى ذلك أن كلام ياقوت ـ الذي يُحتمل أن يكون أخَذَه من تاريخ الريّ لأبي سعيد الآبي أو منتجب الدين ـ صريح في تشيّع المادرانيّ، ولذلك فإنّ تعاون المادراني مع كوتكين يُحمَل إمّا على التقيّة، أو على حصول تغيير في عقيدة المادرانيّ دَفَعه إلى الانفصال عن كوتكين.

وهناك شواهد أخرى على تشيّع المادرانيّ تبيّن ارتباطه بالشيعة في منطقة الجبال وحمايته لهم:

روى الشيخ الكُلَينيّ عن بَدرٍ غلامِ أحمدَ بن الحسن ( المادرانيّ )، قال: وَرَدتُ الجبلَ وأنا لا أقول بالإمامة، أُحبّهم جُملةً، إلى أن مات يزيد بن عبدالله فأوصى في علّته أن يُدفع الشهري السمند (73) وسيفه ومنطقته إلى مولاه (74)، فخِفتُ إن أنا لم أدفع الشهري إلى كوكتين نالني منه استخفاف، فقوّمتُ الدابّة والسيف والمنطقة بسبعمائة دينار في نفسي، ولم أُطلِع عليه أحداً، فإذا بالكتاب قد ورد عليّ من العراق: وجِّه السبعمائة دينار التي لنا قِبلك من ثمن الشهري والسيف والمنطقة (75).

ويُشير سندُ الرواية إلى أنّ هذا الأمر قد وقع لبدرٍ غلامِ المادرانيّ، بَيْد أنّ السيّد ابن طاووس يروي رواية مشابهة يشير سندها إلى أن بدراً يروي هذه الواقعة عن المادرانيّ، وأنّ الواقعة قد اتّفقت للمادرانيّ نفسه.

وقد ورد في رواية ابن طاووس ما يُشير إلى أن روايته أصحّ من رواية الكلينيّ، فقد جاء فيها حديث عن إرسال مال من المادرانيّ إلى أحد وكلاء الإمام المهديّ عليه السّلام، ثمّ ذكرت أنّ المادرانيّ بعد حرب كوتكين مع يزيد بن عبدالله في مدينة « شهْرَزور » ومقتل يزيد بن عبدالله، أوصى أن يُدفع فَرَس يزيد وسيفه ومنطقته لمولاه الإمام الحجة عليه السّلام، لكنّه أُجبر ـ بسبب مطالبة كوتكين ـ على إعطائها إلى كوتيك مع باقي خزائن يزيد بن عبدالله، ثمّ إنه قَوَّمها وعزم على إرسال ثمنها إلى الإمام عليه السّلام. ثمّ إنّ أبا الحسن الأسديّ وكيل الإمام عليه السّلام في الريّ استدعى المادرانيّ وسلّمه رسالة من الإمام عليه السّلام يُطالبه فيها بدفع مبلغ الألف دينار ( قيمة الأشياء التي قوّمها ) إلى الأسدي، ولذلك شكر المادرانيّ الله تعالى، لأنّه لم يكن لأحد غير الله تعالى عِلم بما عزم عليه وأضمره (76).

وتبعاً لهذه الرواية وما بعدها فإنّ تشيّع المادرانيّ يعود إلى زمن كَونه مع كوتكين.

والشاهد الآخر على تشيّع المادرانيّ هو أنّ أحمد بن محمّد بن خالد البرقيّ ( ت 274 أو 280 هـ ) ـ وهو عالم شيعيّ جليل من علماء القرن الثالث الهجريّ ـ التقى بالمادرانيّ وتحدّث عن تشيّعه لأهل البيت عليهم السّلام. وكان البرقيُّ قد التقى بالمادرانيّ ليشفع عنده في شيخٍ اتّهمه الخليفة بالسعاية عند كوتكين، فشفّع المادرانيُّ البرقيّ في الرجل. ثمّ إنّ البرقيّ طلب من المادرانيّ أن يردّ له مُلكاً كان له بكاشان صادَرَه منه كوتكين، فردّه المادرانيّ عليه. وقد ورد في الرواية المذكورة التأكيد على كون المادرانيّ والبرقيّ والشيخ العجوز من الموالين لأهل البيت عليهم السّلام.

وقد نقل ياقوت الحَمويّ أنّ العلماء والمحدّثين كانوا يتقرّبون إلى المادرانيّ بتأليف كتب في فضائل أهل البيت عليهم السّلام، وأشار ياقوت إلى ابن أبي حاتم الرازي ( 240 ـ 327 هـ ) وهو عالم من أهل السنّة، ذكر أنّه ألّف كتاباً في فضائل أهل البيت عليهم السّلام (77).

ولابن أبي حاتم كتاب الجرح والتعديل الذي يُشبه إلى حدّ كبير التاريخ الكبير للبخاريّ.

العلويّون والتشيّع في الريّ

تُعدّ منطقة الريّ ومنطقة طَبَرستان من أهمّ مراكز تواجد العلويين في إيران. وقد بدأت هجرة العلويّين إلى طبرستان في أواخر القرن الثاني للهجرة (78) واتّسعت خلال القرن الثالث. وأشار المرعشيّ في كتابه إلى أنّ طائفة من السادة الحسينيين والحسنيّين لمّا بلغهم نبأ استقدام المأمون العبّاسي الإمامَ الرضا عليه السّلام وإيكالِه ولايةَ العهد له عليه السّلام شدّوا الرحال إلى بلاد الريّ والعراق، ولمّا بلغهم نبأ استشهاد الإمام الرضا عليه السّلام بالسمّ على يد المأمون تفرّقوا في جبال الدَّيلم وطبرستان (79).

ومن هؤلاء السادة: حمزة ابن الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام الذي دُفن في الريّ، ولمّا قدم السيّد عبدالعظيم الحسنيّ إلى الريّ في أواسط القرن الثالث الهجري كان يتردّد على قبر حمزة لزيارته، حتّى عَرَف الناس شأنَه ومنزلته فأضحوا يتوافدون على زيارته بعد ذلك (80).

وكان هؤلاء السادة ينتمون عادةً إلى المذهب الشيعي ـ سواءٌ الإماميّ أو الزيديّ ـ وكانوا من المدافعين عن أهل البيت عليهم السلام والناشرين لمناقبهم وفضائلهم، عدا أولئك الذين كانوا يعيشون تحت ظروف التقيّة بسبب الظلم والضغوط الشديدة. وقد صرّح عبدالجليل الرازي في كتابه « النقض » بأنّه لم يكن يومذاك علويّ إلاّ وكان شيعيّاً إمامياً، أو زيديّاً (81). وكانت طائفة كبيرة من العلويين ( المعروفين بالسادة ) يعيشون في منطقة الريّ، وكانوا يعيشون حياة هادئة، عدا الذين ينتمون إلى المذهب الزيديّ ويتحيّنون الفرص للثورة والخروج، فقد كان هؤلاء يتعرّضون للملاحقة والإيذاء.

وكان علويّو الريّ ذوي سمعة حسنة، وكان أهل الريّ ينظرون إليهم باحترام وتقدير نظراً لانتسابهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله، كما كانوا ينظرون إليهم باعتبارهم مأوى يأوون إليه ويحتمون به من ظلم خلفاء بني العبّاس وعمّالهم وولاتهم.

وعلى سبيل المثال أنّ محمّد بن أوس البلخيّ عامل سليمان بن عبدالله بن طاهر على طبرستان لمّا أفرط في ظُلم أهلها، لجأ شيوخهم وكبارهم إلى محمّد بن إبراهيم ـ أحد العلويّين في الريّ ـ فأرسلهم إلى الحسن بن زيد، فلبّى الحسنُ بن زيد طلبهم وتوجّه إلى طبرستان، وتمكّن من السيطرة عليها لمدّة عشرين سنة، وأسس إمارة « علويّي طبرستان »؛ كما خضعت طبرستان لحكمه في فترات يسيرة في السنوات 250 ، 251 ، 253 و 258 هـ (82). وقد شجّع انتصار الحسن بن زيد العلويّين على التوجّه إلى طبرستان والريّ من سائر البلاد الأخرى (83).

ولمّا قُتل محمّد بن زيد ( الذي استخلفه الحسن بن زيد ) على يد الجيش السامانيّ، فرّ ناصر الأُطروش إلى منطقة گيلان، ثمّ عاد إلى طبرستان من جديد سنة 301 هـ، فساهم في نشر التشيّع فيها.

وأعاد الحكم العلويّ إليها.

وكان للارتباط بين منطقتَي الريّ وطبرستان تأثير متبادل كان له انعكاسه على منطقة الريّ ونواحيها، مثل منطقة قصران. ولمّا كان حكّام طبرستان من الزيديّة، فقد وُجِدت الأفكارُ الشيعيّة الزيديّة ـ تبعاً لذلك ـ في المناطق الشماليّة للريّ، وفي الريّ نفسها. وبطبيعة الحال كان للارتباط السائد بين قم والريّ أثر عميق في بثّ الأفكار الشيعيّة الإماميّة في الريّ.

وقد صَحِب ابنُ طباطبا ( مؤلف كتاب منتقلة الطالبية ) معه إلى الريّ عدداً كبيراً من الشخصيات والعوائل العلويّة التي استوطنت منطقة الريّ. وقد بقي ابن طباطبا على قيد الحياة إلى أواخر القرن الخامس الهجريّ.

وتشير المقارنة بين الأرقام التي وردت عن ابن طباطبا في خصوص أعداد العلويين الذين سكنوا منطقة الريّ والأرقام التي ذكرها في خصوص أعدادهم في المناطق الأخرى إلى حقيقة أنّ عدداً كبيراً من هؤلاء العلويّين كانوا قد هاجروا إلى منطقة الري. وتَفوقُ طبرستان ـ وهي منطقة كبيرة نسبيّاً ـ منطقةَ الريّ في عدد العلويّين. وقد ذكر ابن طباطبا أسماء العلويين الذي هاجروا إلى الريّ وذكر نسَبَ كلّ واحد منهم والمنطقة التي هاجر منها إلى الريّ. وتشمل القائمة التي أحصاها ابن طباطبا أكثر من 25 ألف علويّ معروف، وكان بعض هؤلاء العلويين من السادة الحسينيّين، وكان بعضهم الآخر من السادة الحسنيّين (84).

انتشار التشيّع في الريّ في عصرِ آل بُوَيْه

يمكن القول بأنّ آل بُوَيه كانوا أحد الثمار التي أثمرها ظهورُ العلويّين في منطقة طَبَرستان، على الرغم من أنّنا لا نمتلك علائمَ واضحةً عن تشيّعٍ خاصّ لدى آل بُوَيه خلال حياتهم السياسيّة قبل تسنّمهم السلطة في طَبَرستان.

وكان عمادُ الدين ـ مؤسس الدولة البويهيّة ـ وأخَواه الاثنان من أهل الدَّيلَم، حيث ترعرعوا في أجواء إسلاميّة شيعيّة تمخّض عنها السعيُ الدؤوب للشيعة في تلك المناطق. وكانوا في أوائل أمرهم في بلاط ماكان بن كاكي، ثمّ في بلاط مرداويج مؤسّس أُسرة آل زيار.

وكان بداية أمرهم أنّ مرداويج عيّن عمادَ الدولة عاملاً على كَرَج (85)، ثمّ ندم على تعيينه له دون أن يتمكّن من عزله، فقد سيطر عماد الدولة على كرج وقمع طائفة من الخرّم دينيّة كانوا فيها، وكانت منطقة كرج قبل ذلك في يد أبي دُلَف وقومه، وكان أبو دُلَف معروفاً بحبّه للعلويّين (86).

ثمّ إنّ عماد الدولة تحرّك من كرج إلى إصفهان فغَلَب عليها، ثمّ توجّه صوبَ فارس فتوقّف عند مدينة أرجّان، ثمّ سيطر على مدينة شيراز وحطّ رحاله فيها، بينما توجّه أخوه الأصغر معزّ الدولة إلى بغداد فأخضع الخليفةَ فيها لسلطته، وساهم الأخُ الثالث ركن الدولة في إرساء قواعد حكومة آل بُوَيه في إيران.

وقد استطاع ركن الدولة البُوَيهيّ ( ت 366 هـ ) المحافظةَ على حكومة البويهيّين في إيران على الرغم من وجود خصوم سياسيّين كثيرين؛ واختار إصفهان مقرّاً لحكومته مدةً من الزمن، ثمّ جعل الريَّ عاصمة لحكومته.

وكانت منطقة الريّ في عصر البويهيّين إحدَ أهم مراكز السلطة السياسيّة لآل بُوَيه، كما كانت إحدى أهم المناطق الثقافيّة في إيران.

وخلف ركنَ الدولة ابنُه مؤيّدُ الدولة، ثمّ وصلَ الحكمُ إلى أخيه فخر الدولة بفضل المساعي التي بذلها الصاحبُ بن عَبّاد الوزير الشيعيّ المعروف. ثمّ إنّ ابن عبّاد توفيّ سنة 385 هـ وتوفيّ بعده فخر الدولة سنة 387 هـ، فخلفه ابنه مجد الدولة، لكن صِغَر سنّ ابنه أدّى إلى أن تصبح زوجةُ فخر الدولة ( أمّ الحاكم الجديد ) هي المتصرّفة في الأمور، حتّى نشأ ابنُها وأمسك زمام الأمور بنفسه.

واستمرّت حكومة مجد الدولة في الريّ إلى سنة 421 هـ، حيث تغلّب السطان محمود الغَزْنويّ على الريّ وقضى على حكم البويهيّين.

ومن هنا يتبيّن بجلاء أنّ حكومة آل بُوَيه في منطقة الريّ التي استمرّت ثمانين عاماً كان لها بالغ الأثر في ازدهار التشيّع في تلك المنطقة؛ نظراً للنزعة الشيعيّة التي كانت لدى آل بويه (87)، كما أنّ الأوضاع في سائر النقاط الخاضعة لسلطة آل بويه كانت أيضاً كما على هذه الشاكلة.

وكان الصاحب بن عبّاد الوزير المقتدر لدى آل بُوَيه من المشغوفين بأهل البيت عليهم السّلام وممّن يتمسّك بالولاء لهم، وقد أنشد الصاحبُ ما يزيد على نصفِ أشعاره في مدح أهل البيت عليهم السّلام وذِكر مناقبهم (88). وقد ساهم الصاحب بن عبّاد في إبعاد مخالفي أهل البيت عليهم السّلام وتقريب الشيعة والمعتزلة، الأمر الذي أدّ إلى تغيير في ملامح الجوّ المذهبي في منطقة الريّ.

وقد أشار المَقْدِسيّ ـ وهو من الحنابلة في القرن الرابع الهجريّ ـ إلى وجود الحنابلة في الريّ (89)، لكنّ آثار الحنابلة اختفت من منطقة الري بعد ذلك، وكان الشافعيّة والحنفيّة هما المذهبَين الوحيدين اللذين بقيا من مذاهب العامّة في الريّ.

أمّا عن انتماء آل بُوَيه إلى مذهب الإماميّة أو الزيديّة، فهناك اختلاف في النقول التي وصلت إلينا، لكنّ الأمر المسلّم الذي لا مِراء فيه هو أنّ النزعة الشديدة الشيعيّة لدى آل بويه قد ساقتهم ـ فضلاً عن المشاركة في السياسة ـ إلى التسامح المذهبيّ.

ومن جملة آثار الشيعة في عصر آل بويه: المكتبات والمدارس الكثيرة، وقد اندثر بعض هذه المكتبات والمدارس على يد السلطان محمود الغزنويّ الذي عُرف بالتعصّب المذهبيّ الشديد للمذهب السنّي والجَبْريّ، لكنّ ذلك لم يُضعِف ـ كما سنرى ـ التشيّع في منطقة الريّ.

ومَن آثار التشيّع في عصر البويهيّين: نُضجُ الطبقة المثقّفة الواعية في الشيعة في منطقة الريّ، وكان لهذه الطبقة دور في المواقع الحكوميّة، وفي تدوين الآثار العلميّة البارزة أيضاً.

ومن الوجوه البارزة في هذا الشأن: أبو سعد الآبِيّ الذي شَغَل منصب الوزارة في حكومة مجد الدولة البويهيّ رَدْحاً من الزمن، والذي وافاه الأجل سنة 421 هجريّة، وكان أبو سعيد الآبيّ تلميذاً من تلامذة الشيخ الصدوق عليه الرحمة، ومن الوزراء الإماميّين في دولة الوبهيّين. ومن أهمّ تأليفات أبي سعد الآبيّ كتابه القيّم « نثر الدرّ » الذي طُبع مؤخّراً في مصر في ستّة مجلّدات (90).

ويتجلّى في هذا الكتاب بوضوح عمقُ العقيدة الشيعيّة لهذا الوزير، ومدى التسامح الموجود لديه، وسعة مطالعاته ومواهبه الأدبيّة.

والظاهر أنّ هذا الأثر يضمّ أوّل فهرس موضوعيّ لآيات القرآن الكريم، ويُعدّ هذا الفهرس ابتكاراً مهمّاً في هذا المجال.

وقد تطرّق الآبيّ في كتابه إلى ذِكر أئمّة الشيعة واحداً فواحداً، ونقل عن كلّ منهم عدداً من الروايات والأخبار.

وقد ألّف الآبيّ أيضاً كتاباً في تاريخ الريّ ظلّ متداولاً بعده عدّة قرون، ثمّ فُقد فلم يصل إلينا منه شيء (91).

أسرة آل بُوَيه في الريّ

من دلائل غلبة التشيّع على مدينة الريّ: وجود الأُسَر الشيعيّة الأصيلة التي أنجبت أجيالاً متعاقبة من العلماء الفطاحل، ومن أشهر هذه الأسر أسرة بويه التي سكنت قم ابتداءاً، ثمّ انتقلت منها إلى الريّ. ولعلّ مؤسّس هذه الأسرة هو عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه والد الشيخ الصدوق، وكان قد حطّ رحالَه في مدينة قم، لكنّه كان يتردّد على منطقة الريّ بين الحين والآخر. ونقل الشهيد الثاني أنّ ابن بابويه ناظرَ محمّد بن مُقاتل الرازي في موضوع الإمامة، وانتهت المناظرة بينهما إلى تشيّع محمّد بن مقاتل. وقد دوّن بعضُ تلامذة ابن بابويه هذه المناظرة في رسالة باسم « الكَرّ والفَرّ » (92).

وقد أنجب ابنُ بابويه ولداً أضحى من أعلام الإماميّة ومن أبرز محدّثيها في القرن الرابع الهجريّ، وهو الشيخ الصدوق (ت 381 هـ )، وذكر النجاشيّ بأنّ الشيخ الصدوق كان مقيماً في الريّ، وأنّه كان وجه الإماميّة في خراسان (93).

وُلد الشيخ الصدوق في مدينة قمّ، ثمّ أقام في الريّ بعد سنة 347 هـ، ثمّ إنّ ركن الدولة البويهيّ رخّص له في السفر إلى خراسان في سنة 352 هـ، فسافر إليها ثمّ عاد إلى الريّ. وكان للشيخ الصدوق أسفار كثيرة إلى مختلف البلاد، بهدف جمع الأحاديث ونشر أخبار أهل البيت عليهم السّلام ونشر فِقه آل محمّد عليهم السّلام (94).

ومن الجليّ أنّ عائلة بابَوَيه كان لها ارتباط وثيق بآل بُوَيه، وورد أنّ الشيخ الصدوق أهدى كتابه « عيون أخبار الرضا عليه السّلام » إلى الصاحب بن عَبّاد، وأنّه ذكر في مقدّمة كتابه المذكور أنّ سبب اهدائه الكتاب للصاحب بن عبّاد هو مودّة الصاحب لأهل البيت عليهم السّلام وتمسّكه بولايتهم، واعتقاده بوجوب اطاعتهم، وإحسانه إلى شيعتهم (95).

يُضاف إلى ذلك أن أخا الشيخ الصدوق ـ وهو الحسين بن عليّ بن الحسين ـ قد أهدى كتابه ( نَفْي التشبيه ) إلى الصاحب بن عبّاد أيضاً (96).

وآخر هذه السلسلة الجليلة من عائل بابوي هو الشيخ منتجب الدين صاحب كتاب « الفهرست » وسواه من المؤلّفات.

وقد ذكر الشيخ منتجب الدين في « الفهرست » أسماء عدد من عائلة بابويه، وذكر محقّق كتاب عيون الأخبار أسماء اثنين وعشرين عالماً من علماء هذه الأسرة، وأشار إلى أنّ معظمهم كان يسكن في منطقة الريّ (97).

وعلى أيّ حال، فقد كان لحضور أحد أبرز علماء الشيعة (وهو الشيخ الصدوق ) في منطقة الريّ هو وأسرته ذات المنزلة العلمية الكبيرة أثر بالغ في انتشار التشيّع في الريّ، كما كان لتلامذة الشيخ الصدوق دور مهمّ في ازدهار التشيّع وانتشاره في منطقة الريّ وما يجاورها.

وينبغي الإشارة إلى أنّ قُرب مدينة الريّ من مدينة قمُ ـ بملاحظة هجرة عائلة آل بويه إلى الريّ ـ كان من الأسباب التي أدّت إلى تشيّع منطقة الريّ.

شيعة الريّ وضغوط الغَزْنَويّين

لم تكن علاقة آل بُوَيه بالخلفاء العبّاسيين علاقة طيّبة، فقد تسبّبت هذه الأسرة في إضعاف دولة العبّاسيين من جهة، وناصَرَت مذهب التشيّع ودعمت نشاطات العلويّين من جهة ثانية.

وكان الحاكم العبّاسي يسعى بشتّى الوسائل إلى الضغط على آل بُوَيه، ومن الوسائل التي استخدمها حكّام بني العبّاس لتحقيق أهدافهم في اضعاف آل بويه وإيجاد المشكلات لهم، أنّهم كانوا يُغرون بهم حكّامَ شرق إيران الذين اشتهروا بتعصّبهم في التسنّن، ومن هؤلاء السامانيّون والغَزْنَويّون.

وكان من جملة الأذى الذي ألحَقَ هؤلاء بآل بويه، الحملة التي قادها السلطان محمود الغزنوي سنة420 هـ فهاجم فيها مدينة الريّ تقرّباً منه إلى الحاكم العبّاسي الذي لم يكن مرتاحاً لآل بويه ولا للتشيع، ولا لمذهب الاعتزال ـ الذي نشط في الريّ وكان له حضوره بعد الصاحب بن عبّاد ـ إضافة إلى الغنائم التي سيحصل عليها الغزنويّون من خلال هذه الهجمات.

وقد ذكر المؤرّخون وذكر السلطان محمود بنفسه أنّ السبب في هذه الحملة هو قمع التشيّع والاعتزال. وكان أهل السنّة حينذاك يتّهمون الشيعة بكونهم من القرامطة والباطنيّة، وهما في الحقيقة مرتبطان بالإسماعيليّة.

وقد نقل الخواجة نظام المُلك رسالةً للسلطان محمود أشار فيها إلى أنّه لم يأتِ بهدف احتلال عراق ( العجم )، بل جاء لاصلاح الفساد في أوضاع هذه المنطقة. وأشار السلطان محمود في رسالته هذه إلى التعارض بين الأتراك ـ الذين كانوا على مذاهب أهل السنة ـ وبين الديالمة الشيعة، فقال: ورجّحت هذا الأمر الهام على أمر غزو الهند، وتوجّهت إلى عراق ( العجم )، وسلّطت جيش الأتراك ـ وجميعهم من المسلمين النزهاء على المذهب الحنفيّ ـ على الديالمة والزنادقة والباطنية من أجل أن يستأصلوا شأفتهم، فقُتل بعضُهم بالسيف، وألقي بعضهم في السجون، وتشرّد بعضهم في البلاد العريضة. ثمّ إنّي نصبتُ الأمراء والعمّال على خراسان من أتباع المذهب الحنفيّ أو الشافعيّ، فهاتان الطائفتان عدوّتان للرافضة والباطنيّة، ومواليتان للأتراك (98).

ونقل ابن كثير في تاريخه أنّ السلطان الغزنويّ أرسل في سنة 420 هـ إلى الحاكم العبّاسيّ رسالة يُخبره فيها أنّه قتل طائفة من أهل الريّ من « الباطنية » و « الروافض » أبشع قتلة، وصَلَبهم، ونهب أموال رئيسهم، وكانت تُقدّر بألف ألف دينار (99).

وتبعاً لنقل ابن الأثير، فقد صلب السلطان محمود من أصحاب مجد الدولة ممّن أسماهم بالباطنيّة خلقاً كثيراً، ونفى المعتزلة إلى خراسان، وأحرق كتب الفلسفة ومذاهب الاعتزال والنجوم، وأخذ من الكتب ما سوى ذلك نحو مائة حمل (100).

وكان إقدام السلطان الغزنويّ المتعصِّب ذي الأُفق الضيّق على تدمير مكتبات الريّ ومحو آثارها، من جملة جرائمه الثقافيّة التي سجّلها له التاريخ.

ويمكن القول أنّ تلك الجريمة قد أدّت إلى تضييع عدد كبير من المؤلّفات الشيعيّة والفلسفيّة، واندثرت آثار بعضها نظراً لكونها نسخاً فريدة لا نظير لها. ومن أهم المكتبات التي كانت في الريّ: المكتبة الصاحبيّة للصاحب بن عبّاد، وكان ابن عبّاد قد ذكر أنّ كتب مكتبته كانت تعادل حمل أربعمائة بعير أو أكثر (101)، وقد أقدم السلطان الغزنويّ على إحراق الكتب الكلاميّة والفلسفيّة في هذه المكتبة الضخمة التي ذكر أبو الحسن البيهقيّ أنّه شاهد فهرس كتبها، فكان يقع في عشر مجلّدات.

وذكر مؤلّف كتاب « فضايح الروافض » وصفاً لما فعله السلطان محمود الغزنوي بشيعة الريّ، فقال: وحصل في عهد السلطان محمود الغازي من قتل وصَلب علماء الرفض ما سوّد وجوههم، وكان السلطان يأمر بكسر منابرهم ويمنعهم من الحديث في المجالس (102).

لكنّ السلطان الغزنويّ لم يحصد من جوره ومظالمه شيئاً، فلم يضعف نفوذ الشيعة في الريّ، نظراً لأعدادهم الكبيرة فيها ولامتلاكهم وجهةً ثقافيّة متميّزة وذات جاذبيّة كبيرة. ومثل هذا التواجد الأصيل لا يمكن استئصال جذوره بهجمة عسكريّة مؤقّتة، وقد ردّ عبدالجليل الرازي على كلام مؤلف « فضائح الروافض » في هذا الشأن. فقال: «... ولمّا عاد السلطان محمود، عاد لعلماء الشيعة أمرُهم وقاعدتهم ونفوذهم » (103).

ولم يُكتب للغزنويّين البقاء في الريّ طويلاً، فقد عاد علاء الدولة إلى بسط نفوذه على الريّ واصفهان، وكان قد فرّ من الريّ بعد هجوم السلطان محمود، وتمكّن علاء الدولة ـ من خلال الكرّ والفرّ والقبول بالحكومة العامة للغزنويّين ـ من إدامة حكومة البويهيّين الضعيفة لسنوات عديدة.

وفي العقدين الثالث والرابع من القرن الهجري الخامس، ظهرت دولة جديدة في الشرق، تمكّنت من اخضاع إيران إلى سيطرتها لمدّة طويلة، هي الدولة السلجوقيّة. حيث قَدِم طُغْرُل إلى الريّ سنة 434 هـ، وتمكّن في سنة 447 هـ من إسقاط بقايا حكومة آل بُوَيه في بغداد، فأنهى بذلك حكومتهم التي دامت مدّة مائة سنة وبضع سنوات (104).

شيعة الريّ خلال العصر السلجوقيّ

أشبَهَ ملوكُ السلاجقة وأمراؤهم، الغزنويّين والسامانيّين في الانحياز للمذهب السنّي الحنفيّ والخلافة العبّاسيّة، وفي مواجهة التشيّع ومحاربته.

وعلى الرغم من أن هذه المحاربة كانت تستهدف الإسماعيليّة والباطنيّة بصورة مباشرة، إلاّ أنّها طالت الشيعة الإماميّة أيضاً.

ومع ذلك، فقد ترسّخت جذور التشيّع في منطقة الجبال، وتكيّفت بسرعة مع الظروف الجديدة الحاكمة، فأمكن ذلك من الانتشار والازدهار حتّى خلال العصر السلجوقيّ.

ونلاحظ في هذا العصر أنّ أحد أهم مقوّمات نموّ التشيّع تتمثّل في نفوذ الشيعة الإماميّة في الهيكل الاداريّ للدولة السلجوقيّة، مستفيدين من غطاء التقيّة والمجوّزات الشرعيّة الأخرى، فساهم ذلك مساهمة جديّة في الدفاع عن الشيعة في مقابل القادة الأتراك.

يُضاف إلى ذلك أن نُقَباء العلويّين وزعماءهم احتلّوا مواقع اجتماعيّة مرموقة مكّنتهم من أن يصبحوا مَلاذاً يلوذ به أفراد الشيعة.

وكان من الآثار التي خلّفتها حكومة آل بُوَيه ـ التي حكمت طوال مائة سنة ـ تربيةُ جيلٍ من شباب الشيعة ثقافيّاً وإداريّاً، وانخراط عدد كبير من هؤلاء الشيعة في المناصب الإداريّة المهمّة. وكان وجود طبقة شيعيّة تجسّد الطبقة المثقّفة في المجتمع أمراً لا يمكن تجاهله حتّى في مرحلة تفاقم الظلم السلجوقيّ، فقد كانت الدولة والمجتمع بحاجة إلى هذه الطبقة. وكانت وجود ألقاب « القُمّي »، « التَّفْرِشيّ »، « الفَراهانيّ »، « الآويّ »، « الكاشانيّ »، « البرقيّ » لبعض الأفراد الموجودين في الدولة السلجوقيّة دلالة على حضور ونفوذ الشيعة في تلك الدولة.

وفي اعتقادنا أنّ الشيعة الإماميّة كان لها قصب السبق في هذا المجال على الفرقة الزيديّة، فقد كان الزيديّة دعاةً إلى الإمامة، وكانوا يسعون إلى السيطرة على الحكم بصورة مباشرة، أمّا الشيعة فكانوا ـ ضمن انتظارهم لظهور الإمام المهديّ عليه السّلام ـ يرتبطون بفقهائهم ويفزعون إليهم في حلّ مشكلاتهم الماليّة والقضائيّة، وكانوا يعمدون إلى حفظ تسلّطهم النسبيّ على الأمور من خلال النفوذ في الجهاز الحاكم، وصولاً إلى حفظ كيان المجتمع الشيعيّ والدفاع عن حقوق المظلومين.

ونلاحظ وجود نماذج لمثل هذا النفوذ في عصر الإمام الباقر عليه السّلام وما بعده، ونلاحظ الارتباط مع علماء الشيعة في العصور المختلفة؛ وكان الأمر خلال العصر السلجوقيّ على هذه الشاكلة أيضاً.

يقول مولّف كتاب « فضايح الروافض »: وفي عصر بركيارق والسلطان محمّد كان أبو الفضل البراوستانيّ وأبو سعد الهندوي القمّي يشغلان وظيفة الخزانة واستيفاء الحقوق. ويُضيف: ولم يكن للشيعة في عصر من العصور مثل هذه القوّة، فهم يتكلّمون بملء أفواههم ما يشاءون، إذ ليس هناك من يُخيفهم من الأمراء الأتراك، وأصحابُ المقامات كلّهم من الروافض، وفي الدواوين كلّهم منهم أيضاً، وقد تكرّر في عصرنا هذا ما كان في عهد الخليفة المقتدر (105).

ويرمي مؤلف كتاب الفضائح إلى القول بأنّ نفوذ الشيعة قد تزايد في أواخر العصر السلجوقيّ إلى درجةٍ كبيرة، قياساً إلى نفوذهم في عصر مَلِكشاه السلجوقيّ الذي كان يُضيّق ويُشدّد عليهم.}

ويقول المولّف المذكور: وإذا ما وُجد في عصر السلطان الراحل ملكشاه أميرٌ سنيّ، فإنّ الرفضة يَرْشُون علماء السنّة بمبالغ طائلة، ليشهدوا في صالحهم بأنّهم من أتباع المذهب السنّي أو الحنفيّ، وصرتَ ترى الحاجب والبوّاب والطبّاخ أغلبهم من الروافض الذين يجهرون بمذهبهم دونما خوف ولا تقيّة (106).

وكان هذا النفوذ الشيعيّ كبيراً إلى الحدّ الذي صار معه موظّفو الإدارة والمتصدّون للأمور التنفيذيّة في الدولة من الروافض. وبطبيعة الحال فإنّ استخدام هؤلاء ينبغي أن يكون من قِبل الكوادر العليا الإداريّة التي ينبغي ـ ضرورةً ـ أن تكون شيعيّة. وكان الشيعة في داخل الحكومة يتعاضدون بينهم ويساعد بعضهم البعض الآخر.

وينبغي أن لا نغفل عن أنّ هذه الحقائق إنّما تَصدُق غالباً على منطقة الريّ التي عاش فيها مؤلف كتاب « فضايح الروافض » ومؤلّف كتاب « النقض ».

وقد أكّد عبدالجليل الرازي مؤلّف كتاب « النقض » على أمر التسامح الذي تحلّى به موظّفو الشيعة مع مُخالفيهم من المذاهب الأخرى، وكذّب مزاعمَ مؤلف « فضايح الروافض » في أنّ بعض الشيعة كانوا يُجحفون بحقوق أهل السنّة.

وعلى أيّ حال، فإنّ الضغوط التي مُورِسَت في حقّ الشيعة في مطلع العصر السلجوقيّ من أجل إضغافهم لم تُخلِّف آثاراً عميقة مهمّة، ثمّ خفّت هذه الضغوط تدريجاً، وتبيّن للسلاجقة أنّ أمر الفرقة الإسماعيليّة يختلف عن الشيعة الإماميّة؛ وقد كان للشيعة أنفسِهم دور مهمّ في هذا الأمر، وساهموا في الوقوف في وجه الإسماعيليّة وفي المناظرات العلميّة مع علمائها، وفي كتابة المؤلّفات والردود في إبطال مذهبها.

وقد ساهم ذلك كلّه في إيجاد أجواء جديدة، أضحى الجهاز الحاكم ينظر خلالها إلى علماء الشيعة باحترام وإجلال، ونُشير في هذا الشأن إلى الاحترام الذي كان يُبديه نظام المُلك ـ مع ما عُرف عنه من التعصّب للمذهب السنّي ـ لبعض الشخصيّات الشيعيّة (107).

وقد سعى عبدالجليل الرازي في جمع الشواهد الدالّة على أنّ معاملة ملوك السلاجقة للشيعة كانت معاملة حسنة، مع أنّه تجاهل بعض الممارسات السيّئة لبعض ملوك السلاجقة إزاء الشيعة.

وذكر عبدالجليل الرازي ـ ردّاً على ما زعمه مؤلّف « فضائح الروافض » من أنّ السلطان ملكشاه السلجوقيّ والخواجه نظام المُلك قد أهانا عدداً من علماء الشيعة أسماهم بأسمائهم ـ أنّ السلطان السلجوقي المذكور والخواجة نظام الملك كانا يوقّران سادات الشيعة وعلماءهم، وتطرّق بالتفصيل إلى الوضع الذي كان عليه كلُّ من هؤلاء الأعلام ونوّه بأنّ الخواجة نظام المُلك كان يتقرّب إلى علماء الشيعة عرفاناً منه بفضلهم، وأنّه كان يسمع الحديث من بعضهم.

وعلى أيّ حال، فإنّ الضغوط التي مارسها بعض الملوك السلاجقة، وخاصّة في بداية حكمهم، لم تُضعِف الوجودَ الشيعيّ في منطقة الريّ؛ نظراً لترسّخ جذوره وانتشاره في تلك البلاد.

علويّو الريّ خلال العصر السلجوقيّ

وقد نوّهنا سابقاً بأنّ كثرة العلويّين في الريّ أعقبت انتشار التشيّع بنوعَيه: الإماميّ والزيديّ، في تلك المنطقة. وكان لهؤلاء العلويّين كيان مستقلّ منظّم يدعى بـ « النقابة »، ويرأس هذه النقابة أحد أعلام العلويّين بتعيينٍ من الحكّام أو إقرار منهم، وكان نقيب العلويّين يتصدّى لحلّ أمورهم وتولّي شؤونهم. وكانت النقابة تُسند عادةً إلى احدى الشخصيّات العلويّة المرموقة في المجال الاجتماعيّ (108).

وقد عاصر البيهقيُّ أحدَ كبار نقباء العلويّين في الريّ، هو السيّد شرف الدين محمّد، وتحدّث في كتابه ( لُباب الانساب ) عن نسب هذا النقيب (109)، فذكر أنّ أباه هو عزّ الدين أبو القاسم عليّ، وأنّ أمّ أبيه من أحفاد بنت نظام المُلك. وسبق أن أشرنا إلى أنّ نجل السيّد مرتضى القمّي قد تزوّج من إحدى بنات الملك نظام الدين، وأنّ أمّ السيّد شرف الدين هي بنت الملك السلجوقيّ ألب أرسلان (110).

وكان للسادات العلويّين مصاهرات مع الأُسر الحاكمة، وأضحى لهم ـ من خلال ذلك ـ نفوذ كبير في مجمل الأوضاع السياسية والإداريّة يومذاك.

وكان نجل السيّد شرف الدين ـ وهو أبو القاسم عزّالدين يحيى ـ قد أضحى نقيبَ النقباء في الريّ وقم وآمل، وقد أشارت المصادر التاريخيّة التي تعرّضت لهذه المرحلة الزمنيّة إلى جلالته وعظمته (111)، ثمّ قُتل عزّ الدين يحيى في الحملة التي قادها خوارزم شاه على منطقة الريّ.

وبعد مقتل عزّ الدين يحيى توجّه ولده ناصر الدين إلى بغداد، فأسند الخليفة العبّاسيّ « الناصر لدين الله» إليه وزارته.

ومن نقباء الريّ زيد ما نكدِيم بن محمّد، وقد أشار إليه البيهقي في كتابه (112).

وبغضّ النظر عن النقباء، فقد كان للأُسر العلويّة تشكيلات أشبه ببطون القبيلة الواحدة؛ فقد كان رئيس كلّ أُسرة يُعرف بلقب خاصّ، ويشمل هذا اللقب أفراد أسرة الرئيس فيُعرفون بذلك اللقب المعيّن. وتحدّثت عشرات الكتب المؤلّفة في أنساب العلويّين عن تلك الأُسر العلويّة، وتكلّمت بالتفصيل عن رؤسائها وشخصيّاتها البارزة. ونُشير فيما يلي إلى عدد من هذه الأسر:

السادة الخراماباديّون: ويُنسبون إلى « خراماباد » إحدى قرى الريّ، وتنتمي هذه الأسرة إلى محمّد بن عيسى بن أحمد الذي ينتهي نسبه إلى الحسين الأصغر الذي كان ساكناً في هذه القرية (113).

السادة الصدر زينبيّون: يُنسبون إلى محلّة تقع في ضواحي المدينة المنوّرة، ثمّ هاجروا إلى الريّ وحطّوا رحالهم فيها (114).

السادة كركورة: وهم أسرة مشهورة تُعزى إلى أحمد بن محمّد بن جعفر بن عبدالرحمن الشَّجَريّ (115).

والسادة اللِّحيانيوّن (116).

والسادة بنو ميسرة الحسنيّ (117).

والسادة بنو الوارث الحسنيّ (118): وهم أحفاد أحمد بن حمزة بن محمّد بن إسحاق بن الإمام جعفر الصادق عليه السّلام.

العلويّون الذين قُتلوا في الريّ

لاحَقَ حكّام الريّ، منذ القرن الثالث الهجريّ فصاعداً، العلويّين الذين عُرفوا بالتشيّع الزيدي، ولم يتورّعوا عن قتلهم وإراقة دمائهم. ومن العلويّين الذين قُتلوا في الريّ:

ـ محمّد بن الحسين بن عليّ بن محمّد بن الإمام الصادق عليه السّلام؛ قُتل في الريّ على يد مأموري المعتضد العبّاسيّ (119).

ـ جعفر بن محمّد بن جعفر، من أحفاد عمر بن عليّ عليه السّلام، قتله عبدالله بن عمر عامل عبدالله بن طاهر في منطقة « ستاردك » ودُفن هناك (120).

ـ يحيى بن عليّ بن عبدالرحمن بن قاسم، من وُلد جعفر بن أبي طالب، قتله أصحاب عبدالله بن عزيز في إحدى قرى الريّ، وقبره هناك معروف (121).

ـ محمّد بن عبدالله بن إسماعيل من وُلد جعفر بن أبي طالب أيضاً، قتله عبدالله بن عزيز في الريّ، وقبره هناك (122).

ـ محمّد بن عبدالله بن إسماعيل بن موسى بن جعفر عليه السّلام، قتله عبدالله بن عزيز، وقبره في وسط الطريق بين الريّ وقزوين (123).

ـ أحمد بن القاسم بن محمّد الرسّيّ، قُتل في نواحي الريّ، وكان قد قصدها تلبيةً لدعوة أهل « أبِيوَرْد » (124).

ـ عليّ بن موسى بن إسماعيل، من أحفاد الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام، وكان مقيماً في الريّ، فأُخذ في أيّام المعتزّ وحُبس فمات في الحبس (125).

ـ محمّد بن جعفر بن الحسن بن عمر بن عليّ بن الحسين، من أصحاب الحسن بن زيد، وكان قد ثار في الريّ لمناصرة الحسن سنة 251 هـ، فاعتقله عبدالله بن طاهر وحبسه في نيسابور، فمات فيها (126).

ومن الذين خرجوا في الريّ ولم يُقتلوا:

ـ عبدالله بن إسماعيل بن محمّد.

ـ أحمد بن عيسى بن عليّ، ينتهي نسبه إلى الإمام الحسين عليه السّلام.

ـ حسين بن أحمد بن محمد، المشهور بالكوكبيّ، من وُلد الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين عليه السّلام (127).

ولقد كان وجود قبر أحد أولاد الأئمّة عليهم السّلام في منطقةٍ ما سبباً من الأسباب التي تُفضي إلى تجمّع الشيعة في تلك المنطقة، وعلى الأخص إذا كان صاحب ذلك القبر قد استُشهد على يد الحكّام.

وقد أشار الحاكم النيسابوري إلى أحد السادة العلويّين في نيسابور، واسمه أبو يَعلى الزيديّ، ووصفه بأنّه كان « نجم أهل بيت النبوّة » في ذلك العصر، وأثنى عليه ثناءً بالغاً، وذكر بأنّه هاجر إلى الريّ سنة 337 هـ فاجتمع عليه أهلها وبايعوه، فامتنع عن الخروج، لكنّ حاكم الريّ ـ واسمه أبو عليّ ـ أمر به فاعتُقل، ثمّ أخرجه إلى بُخارى. وقد توفّي السيّد المذكور سنة 346 هـ ودُفن في قزوين (128).

وكان أهل الريّ يكنّون محبّةً واحتراماً كبيرين تجاه السادة العلويّين، وهو أمرٌ لا يُستثنى منه حتّى أهل السنّة منهم، ولهذا كانوا إذا خرج أحد العلويّين على الحاكم التفّوا حوله وتابعوه.

ونلاحظ أنّ محمّد بن القاسم لمّا ثار في خراسان في أواخر القرن الثاني من الهجرة واعتُقل فيها، صدر الأمر إلى حرّاسه أن يعمدوا إلى إخفاء أمره حين يمرّون به على الريّ؛ لكي لا يعلم به أحد من أهل الريّ، خوفاً من أن يعمدوا إلى تخليصه من أيدي أولئك الحرّاس (129).وينبغي الالتفات إلى أنّ منطقة الجبال كانت تُعدّ منطقة مناسبة للطوائف الثلاثة: الإماميّة، والإسماعيليّة، والزيديّة؛ وأنّ أغلب الثورات التي نشبت في هذه المنطقة خلال الفترة ما بين القرن الثالث والقرن الخامس للهجرة كانت بفعل رجال الزيدية؛ وأنّ أغلب الثورات خلال الفترة ما بين القرن الخامس إلى حملة المغول كانت من قِبل رجال الطائفة الإسماعيليّة. أمّا الطائفة الإماميّة فلم يُعهَد مَن رجالها ثورات خاصّة، وكان علماء الشيعة وفقهاؤهم يتحاشَون القيام بأعمال مسلحة ممّا تمخّض عنه امتداد الشيعة الإماميّة في الريّ وتعمّق نفوذهم فيها، ودلّل على المنطق العقلائيّ الذي انتهجه علماء الشيعة وفقهاؤهم في هذا الخصوص.

كتاب « الفهرست » لمنتجب الدين وصورة التشيّع في الريّ

يعتبر الشيخ مُنتجَب الدين عليّ بن بابَوَيْه الرازيّ آخر عالِم من علماء أسرة بابويه في الريّ ولد الشيخ منتجب الدين سنة 504 هـ وتوفّي أواخر القرن السادس أو أوائل القرن السابع الهجريّ. وقد أورد الرافعيّ ترجمة الشيخ منتجب الدين في كتابه « التدوين » (130)، لكنّه ادّعى أنّه عالم سنّيّ، بَيْد أنّ آثار ومؤلّفات هذا العالم الجليل ـ ومن بينها كتاب الفهرست ـ تدلّل ـ بما لا يترك مجالاً للشكّ ـ على أنّه عالم من علماء الشيعة، بل عَلَم فذّ من أعلامها الأفذاذ.

وكان الشيخ منتجب الدين قد عزم ـ بناءً على طلب من أحد نقباء الريّ، وهو أبو القاسم يحيى بن شرف الدين ـ على تأليف كتاب في ذِكر أسماء علماء الشيعة ومؤلّفيهم، إذ لم يؤلّف أحد ـ بعد الشيخ الطوسيّ ـ كتاباً في هذا المضمون (131).وقد جرى تأليف الكتاب المذكور في الريّ، وضمّ معلومات قيّمة عن أوضاع علماء الشيعة في القرنَين الخامس والسادس للهجرة.

وقد بذلنا وسعنا في بيان ما أمكننا استخراجه فيما يتصل بأوضاع علماء الشيعة والفِكر الشيعيّ، اعتماداً على المعلومات المقتضبة التي أوردها الشيخ منتجب الدين في كتابه سالف الذكر:

1 ـ قال الرافعيّ في معرض حديثه عن الشيخ منتجب الدين: ابن بابويه، نُسب إلى التشيّع، وكان آباؤه على المذهب المذكور. ويرجع أصلهم إلى « قُم »، بَيْد أنّي اعتقد أنّ الشيخ بعيد عن التشيّع، لتنقيبه عن فضائل الصحابة، وإصراره على رواية مناقبهم، ومبالغته في تبجيل الخلفاء الراشدين (132).

وجميع الآثار والمؤلّفات التي خلّفها الشيخ منتجب الدين حاكية عن كونه من الشيعة الإماميّة، ومن علمائهم البارزين. ويبقى السؤال المهمّ هو: إن الرافعيّ تتلمذ على الشيخ منتجب الدين ـ حيث صرّح الرافعيّ بأنّه تتلمذ عليه سنة 585 هـ ـ فكيف أخفى الشيخ عقائده عن الرافعيّ حتّى عدّه بعيداً عن التشيّع ؟!

الأمر الذي لا نستبعده هو أنّ الشيخ منتجب الدين كان يستفيد من غطاء التقيّة، أو أنّه كان يُبدي قدراً من التسامح، وهو أمر ذكرنا أن شيعة الريّ كانوا يتّسمون به.

وذكر الشيخ منتجب الدين في كتابه أنّ أبا القاسم جعفر بن عليّ ـ وهو من آل جعفر ـ كان يعيش في « دهستان » ويعمل بالتقية في فتاواه، وهكذا فعل ابنُه من بعده (133).

2 ـ تُطالعنا في كتاب الفهرست أسماء لعلماء من الشيعة هي أسماء فارسية قديمة، وفي ذلك إشارة ـ إلى حدّ ما ـ إلى تحوّل أولئك العلماء إلى المذهب الشيعيّ من سائر المذاهب والأديان، على الرغم من أنّ المسلمين يختارون في بعض الأحيان تلك الأسماء في تسمية أبنائهم. ومن تلك الأسماء: زرين كم بن يزداد بن منوچهر، وأمير خسرو فيروز بن شاهور الديلميّ (134).

3 ـ والأمر الآخر الذي انعكس في كتاب الفهرست، هو أسماء بعض الكتب التي ألّفها علماء الشيعة، حيث إنّ تلك الكتب تحكي المشكلات الفكريّة للشيعة في ذلك العصر. ومن المواضيع التي تناولتها هذه الكتب موضوع الإمامة ـ ومن البديهيّ أن تكون الآثار المؤلّفة فيه أكثر ـ والفقه والعلوم القرآنيّة. ونلاحظ أنّ بعض الكتب قد أُلّف بالفارسيّة، وفي ذلك دلالة على وجود طلبة ناطقين بالفارسيّة يدرسون الفقه الشيعي والمعارف الإسلاميّة؛ كما نُلاحظ وجود كتب في أنساب العلويّين، وهو بنفسه دليل على كثرة وجود السادة في الريّ وما يجاورها من المناطق.

4 ـ من الأمور التي وردت في كتابَي « الفهرست » و « النَّقض » قضية المواجهة بين الإماميّة والإسماعيليّة؛ فقد عُرف الإسماعيليّة في ذلك العصر بلقب « الملاحدة »، وكان من أهم مراكزه « قلعة ألَمُوت »؛ وكان أهل السنّة يتّهمون الشيعة بالارتباط بالإسماعيليّة عقائديّاً، وكان الشيعة ـ في المقابل ـ يتنصّلون من هذه التهمة التي تستتبع تزايد الضغط عليهم من قِبل الحكم السلجوقيّ.

وقد سعى عبدالجليل الرازيّ في كتابه « النقض » جاهداً في نفي هذه التهمة، فأشار إلى الجهاد الذي أبداه الوزراء الشيعة وبعض أمرائهم في طبرستان في مقابلة الإسماعيلية ( الملاحدة ) (135)، ثمّ أورد أسماء طائفة من علماء الشيعة الذين قُتلوا على يد الملاحدة (136)، وتطرّق إلى ذِكر رسالة مختصرة ألّفها في الردّ على الملاحدة وفي إبطال شبهاتهم (137)، ثمّ نوّه الشيخ منتجب الدين بكتابَي الشيخ خليل بن ظفر بن خليل الأسديّ اللَّذين ألّفهما في الردّ على الإسماعيلية والقرامطة على التوالي (138)، وأشار إلى الشيخ ناصر الدين الحمدانيّ ( رئيس الشيعة في قزوين ) الذي ألّف كتاباً وصفه بأنه « مناظرة جَرَت بينه وبين الملاحدة ».

وقد تطرّق عبدالجليل الرازي أيضاً إلى ذكر الشيخ الحمدانيّ فذكر أنّه ذهب إلى اصفهان خلال الفتنة التي نشبت في قزوين، فالتقى بالسلطان محمّد، ثمّ ناظر الملاحدة فأبطل حُججهم وفنّد آراءهم، فلقّبه السلطان محمّد بلقب ناصر الدين (139).

5 ـ أمّا العلاقة بين الشيعة والزيديّة، فإنّ ما يُستنبَط من كتاب « النَّقض » هو غياب المواجهات الحادّة بين هاتين الطائفتَين في منطقة الريّ. وعلى الرغم من أنّ هاتين الطائفتين كانتا تتواجهان في مناظرات علميّة، إلاّ أنّهما كانتا تتحاشيان المواجهة العلنيّة بينهما. وقد أشار الشيخ منتجب الدين في كتابه إلى كتاب ألّفه الشيخ خليل الأسديّ بعنوان « جوابات الزيديّة » (140)، بينما أثنى الشيخ عبدالجليل في كتابه على زيديّة الريّ وعلمائهم ومدارسهم (141).

وذكر الشيخ منتجب الدين قصّة أحد أئمّة الزيديّة ـ واسمه السيّد الثائر بالله بن المهديّ الثائر بالله الحسنيّ ـ وكان قد خرج في جيلان، ثمّ أنّه استبصر بعد ذلك وأصبح إماميّاً (142). وذكر في موضع آخر قصّة الواثق بالله بن أحمد بن الحسين الحسينيّ الذي كان في بداية أمره زيديّاً ثمّ استبصر على يد عبدالجليل الرازي (143).

والأمر المسلّم هو أنّ طائفة من شيعة الريّ ومنطقة قصران كانوا من الزيديّة، وأنّ طائفة أكبر في الريّ وما حولها كانوا من الإماميّة.

6 ـ وردت في كتاب الفهرست للشيخ منتجب الدين إشارات إلى الجهود الثقافيّة التي بذلها الشيعة في الريّ خلال تلك الفترة، وأشار الشيخ عبدالجليل الرازي في كتابه إلى ذلك أيضاً، فنوّها ببعض الأفراد على أنّهم من أصحاب الوعظ والتذكير، وبآخرين على أنّهم من أصحاب المناظرات (144)، ويقصدان بهم الذين كانوا يخوضون المناظرات والمحاججات مع مخالفيهم في مجالس خاصّة تُعقد لهذا الشأن. وقد أشارا ـ على سبيل المثال ـ إلى أبي سعيد عبدالجليل بن عيسى الرازي فوصفاه بأنّه متكلّم له مقامات ومناظرات مع المخالفين (145)، كما أشارا إلى الشيخ زين الدين أبي الحسن عليّ بن محمّد الرازي على أنّه متكلّم وأنّه كان استاذاً لعلماء طائفة الشيعة عصره، وبأنّ له مناظرات مشهورة مع المخالفين (146)، ويستفاد من التقرير الذي أورده الشيخ عبدالجليل الرازي في هذا الشأنّ أنّ المدارس يومذاك كانت تضمّ موضعاً خاصّاً للمناظرة (147).

وقد ردّ الشيخ عبدالجليل الرازي على انتقاد صاحب كتاب الفضائح بأنّ الشيعة يحضرون مجالس مخالفيهم، مُعلّلاً ذلك بأنّ الشيعة يسعون من خلال حضور مجالس المخالفين إلى فهم الأفكار التي يحملها العلماء الذين توافدوا على الريّ من منطقة خراسان (148)، وهو أمر يوضّح اهتمام الشيعة بمعرفة آراء أهل السنّة.

7 ـ ومن النشاطات الثقافيّة لشيعة الريّ، المدائح التي كانوا ينشدونها في مجالسهم في حقّ أهل البيت عليهم السّلام. وقد ذكر الشيخ منتجب الدين في كتابه عدداً من شيعة الريّ لقّبهم بالمدّاحين، ممّن كانوا ينشدون أشعاراً في الثناء على أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله وتعديد مناقبهم وفضائلهم (149)، فذكر السيّد تاج الدين أبا تراب، وقال عنه بأنّه أنشأ ألف بيت من الشعر في مدح أهل البيت (150)؛ وذكر الشيخ أبا الحسين عاصم العِجلي والشيخ زين الدين وقال بأنّهما كان يؤلّفان الأشعار في مدائح أهل البيت عليهم السّلام (151).

ويتبيّن من خلال ما ذكره الشيخ عبدالجليل في كتاب النقض أنّ منطقة الريّ شهدت في تلك الفترة منافسة شديدة بين المدّاحين الذين كانوا ينشدون الأشعار في مدح أهل البيت عليهم السّلام وبيان فضائلهم وبين مَن كانوا ينشدون الشعر في بيان فضائل الصحابة. وصرّح الشيخ عبدالجليل بأنّ ذِكر مناقب أهل البيت عليهم السّلام قد راج في جميع المدن الشيعيّة يومذاك (152).

ومن الشعراء الشيعة الذين اشتُهروا بمدح أهل البيت عليهم السّلام القَوامي الرازي الذي عاش في الري في القرن السادس الهجريّ، ويُعَدّ ديوانه نموذجاً من الأشعار التي قيلت في ذلك العصر في بيان مناقب أهل البيت عليهم السّلام (153).

8 ـ وقد اشتمل كتاب الفهرست للشيخ منتجب الدين على إشارات إلى الأوضاع التي كان عليها الشيعة في سائر البلاد يومذاك، على الرغم من كون هذه المعلومات والإشارات محدودة.

وأورد الشيخ منتجب الدين اسم الشيخ أبي طالب عليّ بن أحمد البزوفري الذي سكن منطقة الريّ (154) و « بزوفر » قرية تقع في منتصف الطريق بين واسط وبغداد.

وتطرّق الشيخ منتجب الدين إلى ذِكر علماء الشيعة في مدن حلب وزَنجان وخَوارزم وقاشان وورامين وساري (155).

وذكر رجالاً من الشيعة احتلّوا مناصب القضاء أو شغلوا بعض المناصب الإداريّة؛ فالشيخ كمال الدين أحمد الراوندي كان قاضي كاشان (156)، والشيخ محمّد بن حسين أصبح يشغل وظيفة المحتسب (157)، والشيخ فخر الدين محمّد بن علي الاستراباديّ أصبح قاضي الريّ (158).

ويُعدّ كتاب الفهرست للشيخ منتجب الدين أحد المصادر المعتمدة في التعرّف على الأسر الشيعيّة في الريّ ـ فضلاً عن آل بابويه ـ مثل: أسرة الكيسكي، وأسرة الحمدانيّ، وأسرة دعويدار، وأسرة الراوندي.. وغيرهم.

ومن الأسر التي ذكرها الشيخ منتجب الدين: عائلة الخُزاعي. وبنو خُزاعة من القبائل التي سكنت مكّة في الأزمنة الغابرة، شأنهم في ذلك شأن بني هاشم، ثمّ اشتهر أفراد هذه القبيلة بكونهم من الشيعة.

ومن علماء خُزاعة: الشيخ حسين بن علي بن محمّد بن أحمد الخزاعيّ المعروف بأبي الفتوح الرازيّ المفسّر الشهير للقرآن الكريم. ومن أجداد أبي الفتوح الرازي: الشيخ أحمد بن حسين بن أحمد الخزاعي الذي كان من تلامذة السيّد الرضيّ والسيّد المرتضى والشيخ الطوسيّ، وكانت له آثار في الحديث والفقه والأصول ذكرها الشيخ منتجب الدين في كتابه. وكان لجدّ أبي الفتوح: الشيخ محمد بن حسين الخزاعيّ مؤلّفات في فضائل الزهراء فاطمة عليها السّلام ومناقب أهل البيت عليهم السّلام. وكان لعمّه الشيخ عبدالرحمان بن أحمد بن حسين عدّة مؤلّفات.

ويتّضح بذلك أنّ هذه الأسرة الشيعيّة الأصيلة ذات الجذور العربيّة العريقة قد استوطنت نيشابور، ثمّ حطّت الرحال في الريّ.

محلاّت الشيعة في الريّ

يضمّ كتاب « النَّقض » للشيخ عبدالجليل الرازي معلومات فريدة من نوعها، تتحدّث عن الأوضاع المذهبيّة الحاكمة في الريّ في ذلك العصر. وقد سبق أن نقلنا عن هذا الكتاب أخباراً عن بعض الشخصيّات الشيعيّة في الريّ، وأخباراً عن النشاطات الثقافيّة لشيعة الريّ. وننقل الآن معلومات عن محلاّت الشيعة في الريّ نقلاً عن كتاب النقض، وعن المتن الذي ردّ عليه مؤلّف النقض، ونعني به كتاب « فضائح الروافض ». ومن البديهيّ أنّ هذه الأخبار التي ننقلها مختصّة بعصر مؤلّف كتاب النقض، أي في حدود منتصف القرن السادس الهجريّ.

أشار مؤلف « الفضائح » في كتابه إلى محلّتين مهمّتين من محلاّت الشيعة في منطقة الريّ، ونوّه تلويحاً بأنّ غالبية القاطنين في منطقة الريّ هم من الشيعة، وخاصّة في محلّتي « مصلحگاه » و « زاد مهران »، ثمّ ذكر المدن التي تسكنها غالبية شيعيّة، وهي مدن قم، وقاشان، وسبزوار، ونيشابور (159).

أمّا الشيخ عبدالجليل الرازيّ فقد تحدّث بالتفصيل عن محلاّت الشيعة في الريّ وعن المدن التي تسكنها غالبيّة شيعيّة، فذكر مناطق « فيلسان »، و « نمايش » و « زاد مهران » و « مصلحگان »، ومدن « در رشقان » و « آبَة » و « قاشان » و « قُم » و « قَزوين » و « مردانه » و « ورامين » و « سَبزوار » و « نَيشابور » و « جُرجان » و « دهستان » و « جربايقان » و « أسترآباد ». ثمّ أشار ـ في المقابل ـ إلى المناطق التي تسكنها غالبيّة سنية في الريّ، ثمّ إلى المدن التي يشكّل غالبيّتها أهل السنّة؛ فذكر مناطق « دركنده » و « پالان گران » و « باطان » و « درِشهرستان » و « قَزوين » و « هَمَدان » و « آمُل » و « طَبرستان » و « مزدقان » و « ساوَه » و « اصفاهان » و « آذربايجان » و « أبهَر » و « زَنجان » (160).

وقد تحدّث الشيخ عبدالجليل كراراً عن محلاّت الشيعة في الريّ، فذكر محلّة « زعفران جاي ».

ومن أهم مناطق الشيعة في الريّ منطقة « مصلحگاه »، ويشهد على ذلك الشعر الذي أورده الراونديّ في كتاب « راحة الصدور »، فقد ذكر الشاعر السنّيّ هذه المنطقة في عِداد المدن الشيعيّة الهامّة التي وجّه إليها الذمّ في شعره، والمدن المذكورة هي: قم، وكاشان، وآبة، وطبرش، وفراهان (161).

وقد استطاع أحد الباحثين (162)، من خلال الاعتماد على المعلومات التي وردت في كتاب النقض، من تعيين الحدود الجغرافيّة التقريبيّة لمحلاّت الشيعة وأهل السنّة ( من الأحناف والشافعيّة ) في منطقة الريّ.

وطبقاً لما ذكره ياقوت الحمويّ في ( معجم البلدان ) تحت عنوان « الري »، فإنّ هذه المنطقة كانت تشتمل على ثلاث محلاّت: محلّة الأحناف، ومحلّة الشافعيّة، ومحلّة الشيعة. وذكر ياقوت أنّ محلّة الشيعة تقع في منطقة الريّ القديمة، أمّا محلاّت أهل السنّة فتقع في منطقة الريّ الحديثة بعد فتحها على يد الأمويّين، ومن بعدهم على يد العبّاسيين. وذكر ياقوت أن محلّة الشيعة قد اكتسبت رونقاً وبهاء في عصر البويهيّين، وأنّ بيوتها قد أُعيد تعميرها وبناؤها في ذلك العصر (163).

ووفقاً للمعلومات المرتبطة بمحلاّت الشيعة، ونظراً للموضع الذي دُفن فيه السيّد عبدالعظيم الحسنيّ والسيّد حمزة والسيّد عبدالله، فإنّ محلّة الشيعة في الريّ تقع في الجانب الغربيّ، وتمتد في أرجاء الجانب الجنوبيّ، وتشمل جزءاً من الجنوب الشرقي لمنطقة الري (164)، وهي بلا شك أوسع من المنطقتين اللتين تقطنهما غالبيّة سنّيّة.

وذُكر أنّ محلاّت الشيعة في الريّ خلال القرن السادس الهجري كانت كما يلي: جزء من غربيّ « باطان »، و « رشقان »، و « عايش »، و « مصلحگاه »، و « دروازه آهنين »، و « دروازه جاروب بندان »، و « ديرينه قبّه »، وجزء من شمال وجنوب « روده »، و « زاد مهران »، و « زعفران جاى »، و « فخرآباد »، وجزء من شرقيّ « فيلسان »، و « كلاهدوزان »، و « كوى اصفهانيان »، و « كوى فيروزه »، و « ناهك »، و « مشهد أمير المؤمنين »، و « سرداب ».

أمّا المناطق السنيّة في الريّ فهي كما يلي:

جزء من شرقي « باطان »، و « پالان گران »، و « جيلاباد »، و « درِ شهرستان » و « در كنده »، ومركز منطقة « روده »، و « رويان »، و « سار بانان »، و « سراى ايالت »، و « سيزين »، و « مهدى آباد »، و « نصر آباد » ( قبل أن يجري إعمارها على يد فخر الدولة فتسمّى بعد ذلك بـ « فخر آباد » ) (165).

مدارس الشيعة في الريّ

ضمّت منطقة الريّ عدداً كبيراً من علماء الشيعة الأعلام، ذكر الشيخ منتجب الدين أسماء معظمهم في كتابه « الفهرست ». ونوّه الشيخ عبدالجليل الرازي في كتابه « النقض » بكثرة المتكلّمين والفقهاء الشيعة في الريّ، حتّى أنّ مدرسة واحدة في الريّ كان يحضر فيها أربعمائة متكلّم وفقيه شيعيّ (166).

وتبعاً لهذه الحقائق، فإنّ من البديهيّ أن نتوقع كثرة مدارس الشيعة في منطقة الريّ.

ولحسن الحظّ فإنّ المعلومات التي قدّمها الشيخ عبدالجليل في خصوص مدارس الشيعة في الريّ تُعدّ معلومات قيّمة، وتؤهّل لرسم ملامح واضحة للحركة الثقافيّة الشيعيّة في الريّ يومذاك.

وقد أشار الشيخ عبدالجليل إلى كثرة مدارس الشيعة في بلاد خراسان ومازندران، ومدن حلب وحرّان ( من بلاد الشام )، ومدن قم وكاشان وآبة، التي ضمّت عدداً كبيراً من الطلاّب والكتب، وخُصّص لنفقات إدراتها طائفة من الأوقاف. ثمّ تحدّث بالتفصيل عن مدارس الريّ، فأشار إلى مدارس ذكرها بأسمائها، وأشار إلى أنّ تلك المدارس بُنيت في عهد السلطان طغرل والسلطان ملك شاه، ونجمل هذه المدارس فيما يلي:

ـ المدرسة الكبرى للسيّد تاج الدين محمّد الكيسكيّ (167) التي تقع في منطقة كلاهدوزان. وذكر الشيخ عبدالجليل أنّ تاريخ تأسيس هذه المدرسة يعود إلى ما يقرب من تسعين سنة، وأنّ صلاة الجماعة تقام في المدرسة يوميّاً، وأنّ مجالس ختم القرآن فيها مستمرّة، وأنّ مجالس الوعظ تقام مرّة أو مرّتين كلّ أسبوع. وذكر أنّ المدرسة تضمّ محلاًّ خاصّاً للمناظرة التي تحصل بين العلماء والساة المقيمين في الريّ وبين الفقهاء والعلماء الغرباء الذين يَفِدون على الريّ.

ـ مدرسة شمس الإسلام حسكا بابَوَيْه، التي يشرف عليها الشيخ حسكا بابَويه. وتقع هذه المدرسة بالقرب من السَّراي الموجود في الريّ، وتُقام فيها صلاة الجماعة، ويُدرّس فيها قراءة القرآن وتعليمه للصغار، وفيها مجلس للوعظ والإفتاء.

ـ مدرسة للسادات الكيسكيّة تقع بين المدرستين السابقتين، وتدعى هذه المدرسة بـ « خانقاه ريان » ويسكن فيها عدد من العلماء.

ـ مدرسة قرب البوّابة الحديديّة « دروازه آهنين » تُنسب إلى السيّد الزاهد أبي الفتوح.

ـ مدرسة الفقيه علي الجاسبيّ (168) الواقعة في منطقة « كوى اصفهانيان »، قال عنها الخواجه أميرك أنّها مدرسة لا يوجد لها مثيل، وتضمّ مجلساً للوعظ ومجلساً لختم القرآن، وتقام فيها صلاة الجماعة بانتظام، ويَدرس فيها عدد كبير من السادة. وكان تأسيسها في عصر السلطان « ملك شاه ».

ـ مدرسة الخواجة عبدالجبار مفيد (169) يحضر فيها أربعمائة فقيه ومتكلّم. وكان تأسيسها في عصر السلطان ملك شاه وبركيارق. وذكر الشيخ منتجب الدين أنّ هذه المدرسة تُعرف الآن ( أي في عصر الشيخ منتجب الدين ) بتدريس العلوم وختم القرآن وبحضور أصحاب الصلاح والتقوى فيها، ببركة شرف الدين مرتضى كبير السادة والشيعة في الري يومذاك.

ـ مدرسة « كوى فيروز ».

ـ خانقاه أمير إقبالي، أُسّس في عهد كريم الغياثيّ.

ـ خانقاه علي عثمان، ويضمّ طائفة من السادة العلماء الزهّاد، وتقام في هذا الخانقاه ( التكية ) صلاة الجماعة وختم القرآن. أُسّس في عصر السلطان ملك شاه.

ـ مدرسة الخواجة إمام رشيد الرازي في « دروازه جاروب بندان »، تخرّج منها أكثر من مائتي عالم، ودرسوا فيها أصول الدين وأصول الفقه وعلم الشريعة، وأضحى كلّ منهم علاّمة دهره. أُسّست في عصر السلطان السيّد محمد ولا زالت معمورة ومسكونة يقصدها الطلاّب لدراسة العلم وختم القرآن، وفيها مكتبة تزدان بأنواع الكتب، ويقطن فيها طائفة من العلماء والصلحاء.

ـ مدرسة الشيخ حيدر المكّيّ في منطقة « در مصلحكاه »، أُسّست في عصر السلطان محمّد (170).

ثمّ أشار الشيخ عبدالجليل إلى أنّ هناك مدارس شيعيّة عديدة في الريّ يُدرَّس فيها القرآن وتُقام فيها صلاة الجماعة، لكنّه لم يتعرّض لذكرها، لأنّه إنّما أورد هذه المدارس التي أُسّست في عصر السلاجقة ردّاً على كلام لمؤلّف كتاب الفضائح زعم فيه أنّ الشيعة ليس لديهم مدرسة في الريّ، ولأنّ ذِكر جميع مدارس الريّ يستوجب الإطالة المملّة (171).

وتجدر الإشارة إلى أنّ عبدالجليل الرازي قد حاول تقديم صورة حسنة عن علاقة الشيعة بالحكّام السلاجقة، من أجل أن يتوصّل إلى تحسين تلك العلاقات، بَيْد أنّ القارئ ينبغي ألاّ يغفل عن حقيقة المضايقات والإجحاف الذي لحق بشيعة الريّ من بعض سلاطين السلاجقة المتعصّبين.

المناظرات المذهبيّة في الريّ

امتازت الفترة الواقعة بين القرنَين الرابع والسابع للهجرة بكونها فترة اتّسعت فيها رقعة المناظرات والاحتجاجات المذهبيّة بين المذاهب الفقهية والعقائديّة السنيّة، وامتازت بحدّة التعامل بين هذه المذاهب وصولاً إلى تكفير بعضها للبعض الآخر، وانتهاءً بالاصطدامات التي كانت تقع أحياناً بين أفراد هذه المذاهب.

ولم تكن منطقة الريّ بمنجىً من هذا، فقد كان ساكنوها ينتمون إلى مذاهب فقهيّة وعقائديّة متباينة. وقد ذكر المقدسيّ في القرن الرابع الهجري في شأن الريّ أنّ الغلبة كانت للحنابلة، إلاّ في مناطق القرى التي كان يسودها المذهب الزعفرانيّ، وهو مذهب يقول بالتوقّف في مسألة خلق القرآن. ونُقل عن الصاحب بن عبّاد أنّه قال: لقد وافقني أهلُ الريّ في كلّ شيء سوى مسألة خلق القرآن.

وفي الريّ طائفة كبيرة من الحنابلة لها قدرتُها ونفوذها، وإنّ عوامّ الناس يتّبعون في أمر القول بخلق القرآن رأيَ الفقهاء (172). وقد صرّح ابن عبّاد بوجود مجادلات وتعصّبات في الريّ في خصوص مسألة خلق القرآن (173).

والظاهر أنّ المذاهب الموجودة في الريّ مذاهب متعارضة باللحاظ الفقهيّ والعقائديّ بصورة تداخليّة، أي أن بعض الطوائف التي تنتسب فقهيّاً إلى المذهب الحنفيّ لها اتّجاهاتها العقائديّة الخاصّة التي تختلف فيها مع سائر الطوائف الحنفيّة، كما انّ بعض الطوائف الشافعيّة تنتمي عقائديّاً إلى اتّجاهات مختلفة ومتعارضة. لكنّ أهميّة المسائل الفقهيّة أدّت إلى انضواء هذه التقسيمات العقائديّة تحت عنوان واحد باللحاظ الفقهيّ.

وقد ذكر عبدالجليل الرازيّ في شأن الفرق العقائديّة المنتمية إلى المذهب الحنفيّ والمذهب الشافعيّ مطالب معينة يبدو أنّها تنطبق على منطقة أو بعض المدن الإيرانيّة الأخرى، فقد أشار إلى ثلاث فرق مهمّة، هي: الحنفيّة والشافعيّة والشيعيّة، ثمّ قال: كما إنّ فرق النجّاريّة والمعتزلة والباذنجانية والكرّاميّة والأبي إسحاقيّة وغيرها تُعدّ ضمن مذهب أبي حنيفة بسبب انتمائها فقهيّاً إلى أبي حنيفة وطريقته في فروع المذهب، فإنّ فرق المجبّرة والأشاعرة والمشبّهة والكُلاّبيّة والجَهميّة والمُجسِّمة والحنابلة والمالكيّة وغيرها تُعدّ ضمن مذهب الشافعي لعملها بفقهه على خلافٍ فيه بينهم (174).

والجانب التداخليّ لهذه الفرقة يتّضح من العبارة الأخيرة التي تَعدّ الحنابلة والمالكيّة ضمن المذهب الشافعيّ، بسبب أنّ الحنابلة إنّما سُمّوا حنابلة لأخذهم في العقائد بقول أحمد بن حنبل، وهو القول بالتشبيه والتجسيم.

والحنفيّة في بعض المدن تنتمي عقائدياً إلى عقائد المعتزلة، كما أنّ الشافعيّة في مدن أخرى ينتمون في العقائد إلى المعتزلة. وكان الحنفيّة في الريّ يحملون عقائد المعتزلة، وهو أمر يبدو أنّه نَجَم عن أنّ المعتزلة والزيديّة يعدّون أبا حنيفة في عداد أصحابهم. وعلى أيّ حال، فإنّ منطقة الريّ تُحتسب ـ في التقسيمات المذهبيّة ـ كمنطقة حنفيّة وشافعيّة. وقد دُعيت الفرقة النجّاريّة بهذا الاسم لاتّباع بعض الأحناف عقائدَ الحسين بن محمّد النجّار المعتزلي (175). وقد تمخّض النزاع بين الأحناف والشافعيّة في منطقة الريّ عن انفصال مناطق سكنى أتْباعهما في الريّ؛ وكان الأحناف يقتربون من الشيعة أحياناً في مقابل الشافعيّة، وكان الشافعيّة ـ من الجانب الآخر يقتربون من الشيعة أحياناً أخرى نظراً لاشتراكهما في إظهار المودّة لأهل البيت عليهم السّلام.

والأمرّ المسلّم هو أنّ النزاع بين الأحناف والشافعيّة لم يكن أقلّ من النزاع بين أهل السنّة والشيعة. ويبدو أنّ أحد الأسباب التي أدّت إلى انتشار التشيّع في الريّ عائد إلى النزاعات المستمّرة بين الأحناف والشافعيّة.

وكان الشيعة في الريّ يتردّدون على مجالس مخالفيهم ومحافلهم العلميّة، يقول عبدالجليل الرازي: وقد قيل إنّ شيّعة الريّ كانوا إذا قَدِم عليهم أحدُ وعّاظ خراسان، أحبّوا أن يتعرّفوا على مذهبه في الأصول، أهو على مذهب المجبّرة أم لا ؟ وأن يعرفوا مدى اعتقاده بمودّة أمير المؤمنين عليه السّلام وآله، وأن يعرفوا ـ إذا كان القادم حنفيّاً ـ هل هو من الكرّاميّة، أم من المعتزلة، أم من النجّاريّة (176).

وصرّح الشيخ عبدالجليل أيضاً بأنّ الشافعيّة والأحناف كانوا يحضرون مجالس الشيعة، وهي المجالس التي كانت تقام أيّام الاثنين، وكان حضورهم بأعداد غفيرة تصل إلى خمسمائة نفر، وأنّ هؤلاء كانوا من مختلف الأحناف: فمنهم العالم وقارئ المناقب والتاجر وغيرهم، وكانوا يستمعون إلى أقوال الشيعة، بل كان بعضهم يُدوّن ما يسمعه في تلك المجالس (177).

وكان بعض الأحناف والشافعيّة يُقيمون مراسم العزاء في يوم عاشوراء (178)، وهو ما يمكن أن يكون نموذجاً للعلاقة القائمة لدى الطائفتين تجاه أهل البيت عليهم السّلام، وهو بنفسه حلقة وصل بين هاتين الطائفتين وبين الشيعة.

وذُكر أنّ العلماء والملوك الأحناف والشافعيّة كانوا يقصدون مدينة قم لزيارة حرم السيّدة المعصومة عليها السّلام، وكانوا يزورون مراقد العلويين في منطقة الريّ (179).

واقترنت النزاعات الدائرة في الريّ بين الأحناف والشافعيّة بحوادث كثيرة يمكن ملاحظة آثارها في المصادر التاريخيّة.

وقد ذكر الشيخ عبدالجليل أنّ تلك الصراعات الفكريّة في المسائل العقائديّة كانت تتّسع أحياناً بحيث كان السلطان السلجوقيّ يدخل فيها كنصير لهذا الطرف أو ذاك (180).

وتركّز الصراع بين هاتين الطائفتين مدّة من الزمن في قضيّة خلق القرآن، فقد عدّ المَقدِسيّ ( في القرن الرابع ) هذه القضية المحورَ الأساس للخلافات الفكريّة في الريّ يومذاك (181).

يُضاف إلى ذلك أنّ نزاعاً آخر استمرّ مدّة مديدة بين المجبّرة الشافعيّة وأتباع النزعة العقليّة الأحناف.

وكان لكلّ فرقة من الفرق الموجودة في الريّ مسجد جامع خاصّ؛ ولم يكن الأحناف يصلّون على الأطلاق في جامع « روده » ولا يقتدون بإمام الأشاعرة. والأشاعرة كانوا متّفقين على اجتناب الصلاة في مسجد الأحناف. وكان علماء كلّ طائفة من هاتين الطائفتين يُفتون بعدم جواز اقتداء أتْباعِهم في صلاة الجماعة بإمام الطائفة الأخرى ولا بإمام الشيعة (182).

وأدّت هذه الاختلافات بين الفرق السنّيّة ـ مضافاً إلى الأسباب السابقة ـ إلى انتشار التشيّع في منطقة الريّ.

وقد صرّح القزويني ( في القرن السابع الهجريّ ) ـ في معرض كلامه عن النزاعات بين الأحناف والشافعيّة ـ بأنّ أهل السنّة في الريّ كانوا شافعيّة وحنفيّة، وأنّ الشافعيّة كانوا أقلّ عدداً من أصحاب أبي حنيفة، وأنّ العصبيّة كانت قويّة لديهم بحيث إذا نشب بينهم وبين الأحناف صراع فإنّ الغلبة كانت في صالحهم على الرغم من قلّة عددهم قياساً إلى الأحناف (183).

ويبدو أنّ القزوينيّ كان مبالغاً في كلامه عن تفوّق الشافعيّة، إذ نلاحظ أنّ الشافعيّة انقرضوا في الريّ بعد فترة وجيزة فلم يبقَ منهم أثر.

أمّا ياقوت الحَمَويّ فقد تحدّث عن أوضاع الريّ بتفصيل أكبر، فذكر أنّ أهل الريّ ينقسمون إلى ثلاث طوائف: أقليّة شافعيّة، وأكثريّة حنفيّة، وشيعة يشكّلون القسم الأعظم من سكّان الريّ (184).

ثمّ يقول ياقوت الحمويّ في تحليله لهذا الوضع: إنّ التعصّب بين الشيعة وأهل السنّة قد أدّى إلى وقوف الشافعيّة والأحناف معاً في وجه الشيعة، فحصل بينهم قتال أدّى إلى مقتل كلّ مَن عُرف بالتشيّع، وأنّ الشافعيّة والأحناف لمّا استأصلوا الشيعة عادوا إلى التنازع والقتال فيما بينهم، وانتهت النتيجة لصالح الشافعيّة على الرغم من قلّة عددهم.

وكان أهالي القُرى ـ وهم من الأحناف ـ يَقدِمون المدنَ مسلّحين من أجل مناصرة إخوانهم في المذهب الشافعيّ، لكنّهم لم يُغنوا عنهم شيئاً. وقد جرى في هذا القتال تدمير محلات الشيعة والأحناف، أمّا المحلاّت التي يقطنها الشافعيّة ـ وهي أصغر المحلاّت في الريّ ـ فقد بقيت سالمة. ولم يبق من الشيعة مَن يمكنه التجاهر بمذهبه، وكانوا يعيشون في سراديب مُظلمة، ولولا ذلك لاستُؤصلوا أيضاً (185).

وقد ازداد الوجود الشيعيّ في الريّ استحكاماً، أمّا الأحناف فقد استمرّ وجودهم في بعض القرى لفترة، وأمّا الشافعيّة فقد انمحت آثارهم في الريّ.

وقد ألّف الشيخ عماد الدين حسن الطبريّ كتاب ( أسرار الإمامة ) في الريّ سنة 698 هـ بالفارسيّة بناءً على طلب من أهل الريّ (186).

وذكر المستوفي ( ت في حدود 750 هـ ) في حديثه عن الدمار الذي لحق بمدينة الريّ بأنّ أهل الريّ كان تقع بينهم نزاعات ومخاصمات شديدة، وأنّ أكثر من مائة ألف شخص قُتلوا على اثر تلك النزاعات، وأنّ الدمار لحق بجميع مناطق المدينة، وذكر أن مدينة الريّ تعرّضت للدمار الشامل في فترة الحكم المغوليّ، ثمّ بُنيت فيها بعض الأبنية في عهد غازان خان (187).

وصرّح المستوفي في كتابه بأنّ أهل الريّ ـ سوى منطقة قوهه (188) وبعض المناطق القليلة الأخرى ـ هم من الشيعة الاثني عشريّة، أمّا منطقة قوهه فأهلها من الأحناف.

وقد تعرّضت منطقة الريّ إلى دمار كبير إثر الحملة المغوليّة التي تسبّبت في إيقاع مقتلة عظيمة بأهلها راح ضحيّتها سبعمائة ألف نسمة، ولم تَستَعِد الريّ ـ وإلى هذه الأواخر ـ ازدهارها الذي كانت عليه إبّانَ العصرَين البويهيّ والسلجوقيّ.

التشيّع في نواحي الريّ

أدّت الارتباطات بين مدن المنطقة الجبليّة إلى انتشار التشيّع في أرجاء تلك المنطقة، بحيث تأثّرت نفس منطقة الريّ بمدينة قمّ بلحاظ النزوع للتشيّع. وقد أدّت هجرة أسرة بابَوَيْه من قم إلى الريّ إلى رسوخ تشيّع قمّ في منطقة الريّ. ويمكن الإشارة في هذا المجال إلى أبي محمد جعفر بن أحمد بن عليّ القمّي الذي سكن في الريّ، وهو عالم كبير في عداد علماء الشيعة ومؤلّفيهم.

وأدّى انتشار التشيّع في الريّ إلى اعتناق أهالي المناطق المجاورة للتشيّع بمرور الوقت، فلم يبقَ ـ إلى عصر المستوفي ـ على مذهب أهل السنّة من سكّان القرى إلاّ عدد يسير فقط.

وكانت الريّ ـ قبل أن توجد مدينة طهران ـ مركزاً للنواحي المختلفة التي تقع إلى شمال الريّ وشرقها.

وبعد القرن السابع للهجرة، ومع الدمار الذي لحق بالريّ، اكتسبت بعض نواحي الريّ أهميّة أكبر. ونُشير فيما يلي إلى الوضع المذهبيّ لنواحي الريّ:

تُعتبر مدينة « وَرامِين » من المدن الهامّة التابعة للريّ، وقد ذكر المستوفي أنّ هذه المدينة كانت في السابق قرية، ثمّ أضحت قصبة (189).

وأشار السمعاني ( ت 562 هـ ) إلى ورامين على أنّها إحدى قرى الريّ، وذكر أنّ فيها رئيساً متموّلاً يُنفق أموالاً كبيرة في إعمار الحرمَين الشريفَين المكّي والمدنيّ، وأنّ ابنه المدعو حسين الورامينيّ قد حجّ البيت مرّات كثيرة، وأنّه يحبّ أمور الخير وإتياء الصدقات، لكنّه يغلو في تشيّعه (190).

وتشير المعلومات التي أوردها الشيخ عبدالجليل الرازي عن ورامين إلى أن أهل ورامين كانوا، في القرن السادس، من الشيعة الاثني عشريّة، على الرغم من وجود بعض الأحناف والشافعيّة فيها. وقال: إنّ ورامين قرية لا تقلّ عن المدن في آثار الشريعة وأنوار الإسلام الظاهرة فيها، من العبادات والطاعات وملازمة أعمال الخير والإحسان، وأنّ كلّ ذلك ببركة رضيّ الدين أبي سعد وأولاده، حيث بنى الشيخ المذكور مسجداً جامعاً في ورامين وبنى المدرسة الرضويّة والمدرسة الفتحيّة، وأوقف عليها أوقافاً، وعيّن فيها مدرّسين علماء لتدريس الدين. وذكر الشيخ عبدالجليل أنّ أهل مدينة ورامين يقيمون كلّ سنة في شهر رمضان مأدبة إفطار كبيرة يدعون إليها جميع المسلمين على اختلاف طوائفهم دونما تعصّب ولا تفرقة (191).

وقد أشار إلى شيعة ورامين، فذكرهم في مصافّ شيعة آبَة وساري وقم وكاشان (192)؛ وتطرّق إلى ذِكر المسجد الجامع في ورامين فوصفه بأنّه المسجد الجامع للشيعة (193).

وذكر المستوفي ( في القرن الثامن الهجريّ ) أنّ أهل ورامين هم من الشيعة الاثني عشريّة (194).

وتحدّث ياقوت الحمويّ ( في القرن السابع الهجريّ ) عن ورامين، فقرنها بمدينة ورام ـ وهي مدينة قرب الريّ ـ التي قال عن أهلها بأنّهم من الشيعة (195).

وأورد الشيخ منتجب الدين في كتابه طائفة من علماء ورامين، منهم: الشيخ أسد الدين حسن بن أبي الحسن بن محمّد الورامينيّ؛ والشيخ صفاء الدين حسن بن عليّ بن حسين ابن علويه الورامينيّ؛ والأديب رشيد الدين حسين بن أبي الحسين الورامينيّ؛ والشيخ رشيد الدين عبّاس بن عليّ بن علويه الورامينيّ؛ وعبدالملك بن محمّد بن عبدالملك الورامينيّ وآخرون غيرهم.

وذهب الشيخ القاضي نور الله إلى أنّ تشيّع ورامين يرجع إلى عصور قديمة، ثمّ أورد معلومات عن تشيّع ورامين في عصره (196).

ومن المناطق المشهورة التابعة للريّ منطقة « قوهد »، التي ينتسب إليها طائفة من علماء الشيعة. وتشمل هذه المنطقة « قوهد العُليا » و « قوهد السُّفلى »، وكانت هاتان المنطقتان من المناطق العامرة، وقد أُسس فيهما خانقاه ( تكية ) للصوفيّة في سنة 617 هـ (197).

والظاهر أنّ احدى هاتين المنطقتين كانت ذات غالبية شيعيّة، وأنّ الثانية كانت ذات غالبيّة سنّية؛ فقد كتب المستوفي ( في القرن الثامن ) يقول: وأهل الريّ وأكثر الولايات الأخرى هم من الشيعة الاثني عشريّة، عدا قرية « قوهد » وبعض المناطق الأخرى، فقد كان أهلها من الأحناف (198).

ويبدو أنّ منطقة « قوهد العليا » كانت منطقة شيعيّة، فقد جاء في فهرست الشيخ منتجب الدين أنّ الشيخ نجيب الدين زيدان بن أبي دُلَف الكُلَينيّ ـ الذي وصفه بالعالم العارف ـ كان يسكن في منطقة قوهد العليا، وأنّ السيّد كمال الدين عبدالعظيم بن محمّد بن عبدالعظيم الحسنيّ الأبهَريّ كان يسكن في قوهد العليا أيضاً، وأنّ الشيخ عفيف الدين إبراهيم بن خليل القوهديّ كان يسكن خوارزم (199).

ومن توابع الريّ: منطقة « دورَيْست » ذكرها ياقوت الحمويّ في ( معجم البلدان ) وقال بإنّ عبدالله بن جعفر بن محمّد بن موسى بن جعفر الدوريستي يُنسب إليها. وهذا العالم الجليل أحد فقهاء الشيعة الإماميّة، ويرجع نسبه إلى حُذيفة بن اليمان. قَدِم إلى بغداد سنة 566 هـ، ثمّ عاد إلى دوريست. وتوفيّ بعد سنة 600 هـ بفترة وجيزة (200).

وذكر الشيخ منتجب الدين هذا العالم وقال بأنّه يروي عن أسلافه مشايخ دوريست الذين كانوا فقهاء شيعة.

وأسرة الدوريستي من أُسَر الريّ المشهورة، ينحدر منها جعفر بن محمّد الدوريستي ( 380 ـ 473 هـ )، وهو من تلامذة الشيخ المفيد والسيّد المرتضى. وكان نظام المُلك يقصده لسماع الحديث منه (201). وابنه عبدالله بن جعفر الذي ذكره ياقوت الحمويّ.

ومن علماء دوريست الشيعة: محمّد بن أحمد بن العبّاس بن فاخر الدوريستيّ (202).

ومن توابع الريّ: منطقة « كُلَين » التي يُنسب إليها الشيخ محمّد بن يعقوب الكُلَيني أحد أبرز علماء الشيعة، مؤلّف كتاب « الكافي »، ذكره النجاشيّ في رجاله وقال عنه بأنّه شيخ الشيعة في الريّ. توفّي الكلينيّ في بغداد سنة 329 هـ.

وتقع قرية كُلَين جنوب غربيّ الريّ، وتبعد عن الريّ حوالي 38 كيلومتراً. وكانت هذه القرية من القرى الشيعيّة منذ قديم الزمان.

ومن علماء كُلين الشيعة: علاّن الكلينيّ، وهو خال الشيخ الكلينيّ مؤلّف الكافي.

التسامح الشيعي وأثره في حياة شيعة الريّ

ينبغي أن نشير إلى أمرٍ مهم كان له نصيب وافر في المحافظة على كيان الشيعة في منطقة الريّ، وهو روح التسامح التي تحلّى بها الشيعة في تعاملهم مع باقي المذاهب ومع الحكّام السنّة المتعصّبين. وعلينا أن نعرف أن الشيعة قد دأبوا ـ كلّما عاشوا في مجتمعٍ ما إلى جوار أهل السنّة الذين يختلفون عنهم في الثقافة العقائديّة ـ على الالتزام بنوعٍ من المُسالمة وعدم إثارة نقاط الخلاف الحسّاسة التي من شأنها تعكير صفو ذلك المجتمع، وأنّ الشيعة دأبوا ـ كلّما عاشوا في مجتمع خاصّ لا يضمّ معهم غيرهم ـ على الابتعاد عن تلك السياسة. ويمكن القول على نحوٍ ما أنّ النزعتَين الأصوليّة والإخباريّة لدى الشيعة كانتا حصيلة هذين النوعَين من التعامل.

وكانت الشرائط الحاكمة في منطقة الريّ من النوع الأوّل؛ فقد كان الشيعة يعيشون في مجتمع ذي غالبيّة سنّيّة، ولذلك كان شيعة الريّ يلتزمون بالتسامح، وكانت التقيّة تستوجب في بعض الأحيان زيادة التسامح في التعامل.

ومن أفضل الشواهد في هذا المجال هو كتاب « النّقْض » لعبد الجليل الرازيّ، وهو كتاب يطفح بالشواهد الواضحة على الروحيّة الشيعيّة الأصوليّة في مسائلهم العقائديّة. وقد تحدّث الرازي في كتابه كراراً عن حُسن نظر الشيعة إلى الصحابة وإلى أزواج رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأنكر مزاعم أعداء الشيعة الذين كانوا يجهدون في رمي الشيعة بالتُّهم. وذكر عبدالجليل الرازي ـ دعماً لكلامه ـ أنّه ألّف في سنة 533 هـ كتاباً في تنزيه عائشة، وكان ذلك في عصر الأمير عبّاس الغازي، وكان تأليف الكتاب بإشارة من مُقتدى الشيعة آنذاك السيّد سعيد فخر الدين بن شمس الدين الحسينيّ وقاضي القضاة سعيد عماد الدين الحسن الاستراباديّ، ثمّ أضاف الرازي أنّ في وسع مَن يشاء أن يقرأ كتابه المذكور ليتعرّف على عقيدة الشيعة في أزواج النبيّ صلّى الله عليه وآله (203).

ويمكن ملاحظة هذا التسامح لعبد الجليل الرازي في تعامله مع ملوك السلاجقة، فقد كان كلّما تطرّق في كتابه إلى ذِكر واحد منهم، أتبع اسمه بعبارة « رحمة الله عليه » أو « سقاه الله برحمته ».

وذكر الرازي بأنّ « الخواجة حسن » ـ وهو والد أبي تراب الدوريستي ـ أحد علماء الشيعة الأعلام يومذاك، كان يتردّد على الخواجة نظام المُلك، وأشار إلى أنّ الخواجة حسن أنشد في مدح الخواجة نظام المُلك قصيدة غرّاء؛ ثمّ أورد في كتابه النقض نصَّ تلك القصيدة.

وتجدر الإشارة إلى العلاقات الأُسريّة التي قامت بين نظام الملك وبين أحد السادة الهاشميين بالريّ؛ فقد تزوّج أحد هؤلاء السادة الأعلام ـ وهو السيّد مرتضى القمّي ـ بنت الخواجة نظام الملك (204).

في حين أصرّ مؤلف كتاب الفضائح على تصوير الشيعة بأنّهم متعصّبون في تعاملهم مع الخلفاء والصحابة وأهل السنّة، فسعى عبدالجليل الرازي في بيان نماذج من تسامح الشيعة وتحلّيهم بروح الانصاف مع مخالفيهم، فنقل في كتابه ـ ضمن ما نقل ـ حادثة حصلت مع مجد المُلك الوزير الشيعي في العهد السلجوقيّ، الذي قُتل سنة 492 هـ إثر مؤامرة اتُّهم فيها بتحريك الإسماعيليين الباطنيّين على قتل أمراء الدولة. (205)

فقد نَقل أنّه سمع من رئيس الشيعة وكبير السادة السيد سعيد فخر الدين شمس الإسلام الحسن رحمة الله عليه أنّه قال: صحبتُ أبي يوماً إلى مجلس مجد الدولة، فجاءه تاجران غريبان، أحدهما من حلب والآخر من بلاد ما وراء النهر، وكان التاجر الحلبيّ شيعيّاً واسمه عليّ، أما التاجر الآخر فكان سنّيّاً وكان اسمه عمر، وكان لكلاهما دَينٌ في ذمّة السلطان، فأمر مجد الدولة أن يُعطى التاجر السنّي عمر دَينه دنانير ذهبيّة من الخزانة، وأن يُعطى التاجر الحلبيّ حوالةً يقبضها آجلاً، فتعجّب أحد الخدم من ذلك وقال: أيّها السلطان، أتُعطي عُمرَ نقداً وعليّاً نسيئة ؟! فأجاب: أريد أن يعلم الناس أنْ لا تعصّب في المُلك والحُكم، وأنْ ليس من العجب أن أُحبّ عليّاً وأحرمه؛ فاستحسن الحاضرون قوله (206).

وقد أشار ابن الأثير في تاريخه إلى تشيّع مجد الدولة، وذكر بأنّه كان يُثني على الصحابة ولا يُجيز لأحد أن يذكرهم عنده بسوء (207).

وتوجد شواهد كثيرة في ديوان بدر الدين القوامي الرازي ( الذي عاش في القرن السادس الهجري ) على مثل هذا التسامح في التعامل، فقتد حذّر القوامي الرازي بشدة من التعصّب بين الشيعة والسنّة، ودعا إلى ترك العصبيّات الطائفيّة.

ونوّه في قصائده بأنّ الشيعة والسنّة ينتمون إلى دين واحد، وأن نبيّهم واحد، وأنّ عليهم التأسيّ ـ في نبذ العصبيّة ـ بالمهاجرين والأنصار (208).

وعلى الرغم من أنّ القوامي الرازي من الشيعة الاثني عشريّة، وأنّه يصرّح بالقول بنصّ رسول الله صلّى الله عليه وآله على أمير المؤمنين عليه السّلام بالخلافة والإمامة، وأنّه يفضّل أمير المؤمنين عليّاً عليه السّلام على جميع الصحابة، لكنّه كان يدعو في أشعاره إلى التآخي بين المسلمين، وإلى نبذ الأحقاد والخلافات، وإلى التمسّك بمودّة أهل البيت عليهم السّلام (209).

ويمكن القول بأنّ أحد الأسباب التي ساعدت في بقاء الشيعة في الريّ ـ على الرغم من تعصّب الحكّام السلاجقة ـ وجود روح التسامح لدى علماء الشيعة وفقهائهم وحكّامهم.

الشيعة في جزيرة العرب

الجزيرة العربيّة من المناطق التي كان الوجود الشيعي عريقاً فيها منذ القرون الهجريّة الاولى، فقد عاش أئمّة أهل البيت عليه السّلام في المدينة المنوّرة في القرنَين الأوّل والثاني الهجريّين، وهو بنفسه دليل على حضور الشيعة الإماميّة في تلك المناطق.

ومن نماذج الحضور الشيعي في المدينة: ثورة الزيديّة في سنة 145 هـ، وقد انتهت تلك الثورة بسفك دم محمّد النفس الزكيّة وطائفة كبيرة من أتباعه.

وفي سنة 169 هـ ثار الحسين بن عليّ المعروف بـ « شهيد فَخّ » في مكّة، فقُمعت ثورته بوحشيّة وقُتل الحسين وقُتل معه أصحابه.

ومع تزايد ضعف الدولة العبّاسية تزايد عدد الثورات الشيعية ـ وخاصّة ثورات الزيديّة ـ في الجزيرة العربيّة، ممّا أدّى إلى نموّ ملحوظ في حجم الوجود الشيعيّ في بلاد الحجاز في أواخر القرن الثالث وبداية القرن الرابع للهجرة.

وقد أيدّ الخوارزميّ الأديب المشهور في القرن الرابع أمر وجود الشيعة في بلاد الحجاز وفي الحرمَين: مكّة والمدينة (210).

وذكر المَقدِسيّ الذي عاش في القرن الرابع للهجرة أن أغلب قضاة اليمن وأطراف مكّة والصحارى كانوا من الشيعة والمعتزلة (211). وكتب ابن خلدون في تاريخه أنّ الرافضة كانت لهم دولة في المدينة في القرن الرابع للهجرة (212).

وقد كانت منطقة مكّة والمدينة تابعة لحُكم الفاطميين الذين أسّسوا دولتهم في مصر، وظلّت تحت نفوذهم مدّة من الزمن، وكان الخطباء في الحرمَين يخطبون باسم الفاطميّين (213)

وكان للزيديّة في تلك الفترة نفوذ واسع يزيد على نفوذ الفرق الأخرى، ولذلك كان معظم الثورات المسلّحة التي تتفجّر في مناطق الحجاز وسواها من مناطق الجزيرة العربيّة لها جذور زيديّة. وقد أبدى ابن حزم الظاهري تذمرّه من وجود الشيعة في المدينة في القرن الرابع الهجريّ (214).

وقد بقي التواجد الشيعيّ في منطقة الحرمَين في صورة طائفة ذات نزعة زيديّة، وكان السادات الحسينيّون يقودون تلك الطائفة. وذُكر أنّ بعض القبائل الشيعيّة تعيش في بلاد الحجاز في المناطق الجبليّة، كما يتواجد الشيعة في المدينة المنوّرة أيضاً (215).

ويُستفاد من بعض الأخبار أنّ مكّة كانت مليئة بالشيعة في القرن العاشر الهجريّ (216).

وذكر ابن حجر الهيثمي في مقدّمة كتابه « الصواعق المحرقة » أنّ عدداً كبيراً من الشيعة والروافض يعيشون في مكّة في سنة 905 هـ، وأن ذلك هو الذي حدا به إلى تأليف كتابه المذكور (217).

ويعيش حاليّاً في جزيرة العرب، في المنطقة الخاضعة لسيطرة آل سعود طائفة من الشيعة تتوزّع على مناطق ثلاث، هي:

1ـ المدينة المنوّرة: ويعيش فيها عدد كبير من الشيعة يتواجدون في منطقة تبعد عن مركز المدينة بأربعة فراسخ تقريباً، وقد هاجر عدد منهم إلى المدينة خلال العقود الأخيرة، ويُعرف هؤلاء الشيعة بـ « النَّخاولة »، ويُقدَّر عددهم بعشرات الآلاف. وقد أشار إلى هؤلاء الشيعة رفعت باشا في أوائل القرن الرابع عشر للهجرة (218).

كما يوجد في مكّة عدد من الشيعة الإماميّة يقدّر عددهم بالآلاف.

2 ـ منطقة الأحساء: فقد انتشر التشيّع في هذه المنطقة خلال القرن الثامن الهجريّ، بحيث شكّل الشيعة فيها نصف عدد السكّان. ويُذكر بأنّ الشيعة تواجدوا أيضاً في مدينة « الهُفوف »، وبلغ عددهم فيها ما يقرب من رُبع عدد السكّان، وكانوا يتواجدون في محلّة تدعى بمحلّة « نعاثل »، ولهم فيها مسجد كبير. كما تتواجد أعداد أخرى من الشيعة في باقي محلاّت هذه المدينة (219).

وقد درس عدد كبير من الطلاّب الأحسائيين في المراكز العلميّة الشيعيّة، وخاصّة في مدينة النجف الأشرف، فبرز منهم علماء أجلاّء. ويوجد في الوقت الحاضر عدد كبير من الطلبة الأحسائيّين يدرسون العلوم الدينيّة في مدينة قم المقدّسة.

3ـ منطقة القطيف: وهي المنطقة الشيعيّة الثالثة، ويُقدّر عدد سكّانها في العصر الحاضر بما يقرب من مليون نسمة، أكثرهم من الشيعة. وللتشيّع جذور عريقة في هذه المنطقة، فقد ذكر ابن بطوطة في القرن الثامن أنّ سكّان القطيف من الروافض، وأنّهم يجهرَون بعقيدتهم دونما تقيّة، وأنّ مؤذنهم يؤذن بالشهادة الثالثة فيقول « أشهد أنّ عليّاً وليّ الله »، وأنّه يؤذّن بـ « حَيَّ علي خير العمل »، ثمّ يختم أذانه بقول: « محمّد وعليّ خير البشر، ومَن خالفهما فقد كفر » (220).

ونُقل أنّ الشيعة في منطقة القطيف يشكّلون 65 في المائة من عدد السكّان (221).

ومن المتيقّن أنّ هناك أعداداً أخرى من الشيعة في كثير من مناطق بلاد الحجاز تعرّضت للإبادة والتصفية خلال الحملات الوحشيّة التي قام بها الوهّابيّون ضدّ الشيعة، أو أُجبروا على اللجوء إلى التقيّة والتستّر على عقائدهم، ووفقاً للإحصائيّات الرسميّة المُعلنة فإنّ في بلاد الحجاز 250 ألف نسمة من الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة، يشكّلون ما يقرب من خمسة في المائة من مجموع عدد السكّان (222).

الشيعة في اليمن

تعتبر اليمن أحد المراكز الأصليّة للشيعة الزيديّة، وهذه البلاد من المناطق القليلة التي حكمها أفراد يمتازون بخلفيّة علميّة، حيث يُعتبر ما يزيد على نصف هؤلاء الحكّام في عداد العلماء أصحاب المؤلّفات.

وكان الزيديّة قد تمكنوا من حكم اليمن في سنة 284 هـ، وتناوبوا على حكمها منذ ذلك الوقت إلى أواخر القرن الهجريّ الرابع عشر. وكان نفوذ الزيديّة محدوداً في المناطق الجنوبيّة لليمن إلى ما قبل القرن الهجريّ الحادي عشر، ثمّ امتدّ نفوذهم بعد ذلك إلى المناطق الشماليّة أيضاً. ويمكن مراجعة تاريخ السلسلة الطويلة لأئمّة الزيديّة الذين حكموا في اليمن في المصادر التاريخيّة المختصّة (223).

وقد ورد في الكتب التاريخيّة القديمة إشارات إلى أنّ العلويّين حكموا في منطقة « صَعدة » في اليمن، وأنّهم كانوا من أعدل الناس وأكثرهم إنصافاً (224).

وذكر السمعانيّ في القرن السادس مدين%C) في اليمن تُدعى « شبام »، وقال إنّ سكّانها من الروافض (225).

وذكر أبو الفداء منطقة في شمال « ثَغر » تدعى منطقة « جندة »، وقال بأنّ غالبيّة سكّانها هم من الشيعة (226). وأشار ابن بطّوطة في كتابه إلى منطقة تدعى « زيلع »، من مناطق اليمن، وأورد أن أكثر أهلها هم من الروافض (227).

الشيعة في البحرين

من بين الدول الواقعة في غرب الجزيرة العربيّة، التي تقطنها أكثريّة شيعيّة: دولة البحرين، وتعود جذور محبّة أهل البيت عليهم السّلام في تلك البلاد إلى القرن الرابع الهجريّ، حيث تغلّب القرامطة ـ وهم ذوو نزعة إسماعيليّة متطرّفة ـ على البحرين، واستمرّ حكمهم فيها مدّة طويلة. وبمرور الزمن تحوّل هذا الاتّجاه الإسماعيليّ المتطرّف إلى اتّجاه شيعيّ إماميّ. وعلى أيّ حال فقد ذكر ابن بطّوطة الذي عاش في القرن الهجريّ الثامن أنّ سكّان البحرين هم من الرافضة.

وظهر في البحرين في القرن الهجريّ العاشر فصاعداً علماء مشهورون، من أشهرهم: السيّد هاشم البحرانيّ مؤلّف « تفسير البرهان » ( في القرن الحادي عشر الهجريّ )، والشيخ يوسف البحرانيّ مؤلّف « الحدائق الناظرة »، والأسرة الشيعيّة المعروفة « آل عُصفور » التي أنجبت العديد من العلماء الأجلاّء.

وتطرّق القاضي نور الله التستريّ في القرن الحادي عشر للهجرة إلى ذِكر بلاد البحرين، وأشار إلى تشيّع أهلها.

وقد انتشر التشيّع في بلاد البحرين وشاع بين أهلها، حتّى صار أحدهم إذا قيل له « بحرانيّ » كأنّما قيل له « شيعيّ » (228).

ويشكّل الشيعة غالبيّة السكّان في البحرين في العصر الحاضر، لكنّهم محرومون من الوصول إلى مراكز الحكم لأسباب تتعلّق بأوضاعهم الاقتصاديّة وابتعادهم عن مراكز المدن، ولأسباب سياسيّة أملاها الاستعمار.

ومن أفضل وأهم المناطق الشيعيّة في البحرين منطقة « جد حَفص » ومنطقة « سنابس »، ويشكّل الشيعة الغالبيّة في المناطق الريفيّة. ووفقاً لإحصائيّة رسميّة ( لا يمكن الركون إليها بطبيعة الحال ) فإنّ الشيعة في البحرين يشكّلون نسبة تقرب من 72 في المائة من عدد السكّان (229).

الشيعة في قطر، والإمارات، والكويت وعُمان

من المناطق التي يكثر فيها التواجد الشيعيّ في شبه الجزيرة العربية مناطق الإمارات وقطر والكويت وعُمان. وترجع أصول هؤلاء الشيعة في المناطق المذكورة إلى أصول عربيّة، وإيرانيّة وهنديّة وباكستانيّة. ويمتاز بلد قَطَر بأنّه أحد المناطق التي يتواجد فيها الأخباريّون الشيعة.

وقُدّرت أعداد الشيعة في الامارات العربية المتحّدة وفقاً لاحصائيّة رسميّة في حدود 6/6 في المائة من مجموع عدد السكّان، وتبعاً لذلك كان عدد الشيعة في سنة 1979 م يُقارب 60 ألف نفر (230).

ومن المناطق التي يتواجد فيها الشيعة دولة الكويت، حيث يُعتبر سكّانها مزيجاً من السكّان المحليّين والمهاجرين الذين هاجرو إلى الكويت من إيران وغيرها. وتبعاً للإحصائيّات الرسميّة المُعلنة، فإنّ أكثر من 40 في المائة ( وجاء في بعض المصادر: أكثر من 50 في المائة ) من سكّان الكويت ينتمون إلى المذهب الشيعيّ. أمّا في دولة عُمان فإنّ الشيعة يتواجدون في أقليّة لا تتعدّى حدود ألف نسمة، على الرغم من أنّ مجموع عدد السكّان يقارب 800 ألف نسمة. ويعيش شيعة عمّان في مسقط وفي مدن المنطقة الساحليّة المعروفة بـ « باطنة ». وترجع جذور بعض هؤلاء الشيعة إلى أصول هنديّة، ولذلك فإنّهم يُعرفون باسم « خُوجه » أو « حيدر آبادي »، كما ترجع أصول البعض الآخر إلى البحرين وإلى المناطق الشماليّة في الخليج، وتعود جذور الباقين إلى أصول إيرانيّة.

ويحتلّ أفراد من الشيعة من ذوي الأصول الهنديّة بعض المراكز الهامّة في البلاد، وقد أسّس الشيعة الذين هاجروا مؤخّراً إلى عُمان قادمين من باكستان وغيرها، أسّسوا مسجداً وحسينيّة لهم ليُقيموا فيهما صلاتهم وشعائرهم.

ومن فقهاء الشيعة القدماء المعروفين: ابن عقيل العُمانيّ الذي ينتسب إلى هذه الديار.

الشيعة في العراق

كان العراق المركز الأصليّ للشيعة في العالم الإسلاميّ طوال العشرة الأولى في تاريخ الإسلام، وظلّ ولا يزال يُعدّ المركز الأصليّ حتّى بعد تأسيس الدولة الصفويّة في إيران.

ولو شاء الباحث أن يتحدّث عن الشيعة في العراق بتواجدهم الواسع، لتطلّب ذلك منه تأليف كتاب في عدّة مجلّدات.

وتعود بدايات التشيّع في العراق إلى ما قبل هجرة الإمام عليّ عليه السّلام إلى الكوفة، أيّ إلى زمن هجرة قبيلة هَمْدان وبني النَّخَع من جنوب جزيرة العرب إلى العراق. وكان هؤلاء قد عرفوا أمير المؤمنين عليه السّلام في السنوات الأخيرة من عمر النبيّ صلّى الله عليه وآله، وأسلموا على يده حين بعثه النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى بلاد اليمن.

وكان لشيعة العراق مساهمات هامة في صياغة التاريخ الإسلاميّ، فقد جاءوا سنة 35 هـ إلى المدينة للاحتجاج على عثمان، وطالبوه بالعودة إلى سنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله والكفّ عن سياسة تفضيل بني أميّة وتحكيمهم في رقاب المسلمين، وكان لحركتهم تلك الأثر الكبير في إعداد الأرضيّة لحكومة الإمام عليّ عليه السّلام.

ومن أهم رجال هؤلاء الشيعة: مالك الأشتر النَّخعيّ، وكُميل بن زياد وأصحابهما الذين اشتركوا في جيش أمير المؤمنين عليه السّلام لقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، ونال بعضهم الشهادة في ساحات الجهاد والقتال.

وتعدّ قبيلة هَمْدان والنَّخع وبني عبدالقيس وكثيرٌ آخر من القبائل العربيّة من اوائل الشيعة، وكان لسياسة أمير المؤمنين عليه السّلام في العراق الأثر الكبير في انتماء هذه القبائل إلى صفّه وإيمانها بعدالة موقفه، فقد رأوا رأيَ العين مساواته في العطاء واقتفاءه سيرة رسول الله صلّى الله عليه وآله، بعد أن عانَوا الأمرّين قبله من التفرقة في العطاء ومصادرة الحقوق والانحراف عن خطّ الرسالة. وقد بُحث أمر تشيّع الموالي بالتفصيل في كتاب آخر (231).

وعلى أيّ حال فقد انتشر التشيّع في العراق واتّسع بمجيء أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام إلى الكوفة واتّخاذه إيّاها عاصمة لحكمه. وقد تنعّم أهل العراق في ظلّ حكم أمير المؤمنين عليه السّلام ما يقرب من خمس سنوات، وكان خلال ذلك يخطب فيهم ويعظهم، فأثمر ذلك في انتشار الأفكار الإسلاميّة الأصيلة على أيدي أتباع أمير المؤمنين عليه السّلام وشيعته.

وعبّر أمير المؤمنين عليه السّلام عن حبّه للكوفة في عدّة مناسبات، فوصفها بأنّها « تربة تُحبّنا ونُحبّها » (232).

وقد ترسّخت جذور التشيّع في قلوب شيعة العراق، إلى درجة عجز معها الحجّاج بن يوسف الثقفي ـ بالرغم من قسوته الشديدة ـ عن صرف الناس عن موالاة الإمام عليّ عليه السّلام. ولا يزال أهل الكوفة بعد مرور القرون الطويلة لا يوجد فيهم من يتردّد في ترجيح الإمام عليّ عليه السّلام على غيره، أو يتردّد في رفض خلافة عثمان، وهي حقيقة أقرّ بها المؤرّخون (233).

وذكّر هشام بن عبدالملك واليَه على العراق ( أي الحجّاج ) في رسالةٍ بعثها إليه، بحقيقة أنّ أهل الكوفة يدينون بالولاء لأهل البيت، ويدينون لهم بالطاعة (234).

وحذّر المنصور العبّاسي ـ وهو الثاني من حكّام بني العبّاس ـ السفّاحَ من أن يجعل الكوفة مقرّاً لحكومته، لأنّها كانت مركزاً لشيعة الإمام عليّ عليه السّلام (235).

وبلغ من موالاة أهل الكوفة لأمير المؤمنين عليه السّلام أنّ البعض كان يتندّر بذلك، فيقول: مَن أحبّ أن يُستشهَد فليترحّم على عثمان في محلّة دار البطيّخ بالكوفة (236).

وظلّت الكوفة منشأ للثورات العلويّة الزيديّة التي كانت تشتعل فيها بين الحين والحين، فتستقطب الناس حولها، وتسبّب المشكلات الصعبة للحكومات العبّاسيّة المتعاقبة.

ومن الجدير بالتأمّل أنّ العراق كان مركزاً للحكم العبّاسيّ الذي يُعدّ من المدافعين عن مذهب أهل السنة، لكنّ الشيعة ظلّوا ـ على الرغم من ذلك كلّه ـ يشكّلون غالبيّة السكّان، وهو أمر يتبيّن منه بوضوح أفضليّة التشيع وأرجحيّته هناك في مقابل المذاهب والاتّجاهات الأخرى.

وينبغي الالتفات إلى أنّ البصرة قد اختارت المذهب العثمانيّ نظراً لدورها في الانحياز لأصحاب الجمل، ونتيجة للضربات الموجعة التي تلقّتها من أهل الكوفة ومن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله (237).

وكان من آثار هذه المواجهة أنّ المنازعات الأدبيّة بين أهل هاتين المدينتين ظلّت قائمة مدّة طويلة، ثمّ اتّسع التشيّع ـ من جديد ـ بين أهل البصرة، فأضحت أحدَ أهمّ مراكز التشيّع في العراق في عصرنا الحاضر.

وخلال القرنين الهجريّين الرابع والخامس كان الشيعة هم الغالبيّة الساحقة لسكّان بغداد، بَيْد أنّ الشيعة وأهل السنّة كانوا يصطدمون ببعضهم نتيجة التعصّب المذهبيّ، وكانت تحصل بينهم مواجهات دمويّة، فكان بعض حكّام بغداد العبّاسيّين يحرّضون الحنابلة على مهاجمة الشيعة القاطنين في محلّة الكرخ، وكان ذلك يتسبّب في تحمّل الشيعة خسائر كبيرة (238).

وكتب المقدسيّ يقول عن بغداد في القرن الرابع الهجريّ بأنّ أغلب سكّانها كان من الحنابلة والشيعة (239).

وذُكر أنّ الشيعة في بغداد كانوا يُقيمون شعائرهم علناً في القرن الرابع فصاعداً ، ويقيمون مراسم العزاء والحزن في المحرّم على الإمام الحسين عليه السّلام، ويحتفلون بعيد الغدير (240).

وكان لمجيء الدولة البويهيّة الشيعيّة في بغداد ووجود علماء أجلاّء من أمثال الشيخ المفيد، والشريف الرضيّ، الشريف المرتضى، ومن بعدهم الشيخ الطوسيّ.. الأثر الكبير في انتشار التشيّع في العراق (241).

ومن أهم المحلاّت التي سكنها الشيعة في بغداد خلال القرن الرابع الهجريّ وما بعده محلّة الكرخ و « باب الطاق ».

ونقل ياقوت الحمويّ ( في نهاية القرن السادس ) أنّ ساكني محلّة « باب البصرة » في بغداد ـ وهي تقع بين الكرخ والقبلة ـ كلّهم من السنّة الحنابلة، وأنّ ساكني غرب محلة الكرخ وجنوبها هم من أهل السنّة أيضاً، أما ساكنو محلّة الكرخ فهُم قاطبةً من الشيعة (242).

وينبغي الإشارة إلى الدور الذي تقوم به العتبات المقدّسة عامّة، ومدينة النجف وكربلاء خاصّة، في هجرة الشيعة من سائر البلاد إلى هذه العتبات، لِما لها من موقع في قلوب الشيعة ومحبّي أهل البيت عليهم السّلام، وهو أمرٌ له دوره في رواج التشيّع وازدهاره.

وكان الشيخ الطوسيّ رحمة الله عليه قد وضع أُسس الحوزة العلميّة في مدينة النجف الأشرف، فاجتذبت الحوزة طلبة العلوم الدينيّة في سائر البلاد الإسلاميّة. وكان لازدهار علم الكلام، والحديث، والفقه الشيعيّ ـ متمثّلاً في مؤلّفات الشيخ الطوسيّ، من أمثال: « النهاية » و « المبسوط » ـ تأثير كبير في اتّساع وازدهار العلوم الإسلاميّة الشيعيّة في سائر البلاد (243)، حتّى قبل قيام الحُجّاج الخراسانيين بنقل الكتب الهامّة من أمثال « التمسّك بحبل آل الرسول » تأليف ابن أبي عقيل، إلى ديارهم، الأمر الذي أثمر في انتشار الفقه الشيعيّ هناك.

وبعد عصر الشيخ الطوسيّ كان لعائلة آل طاووس الحسنيّة في الحلة دور هامّ في نشر التشيّع في العراق، وقد تسنّم رجال هذه العائلة من السادة الحسينيّن منصب نقابة العلويّين بعد سقوط دولة بني العبّاس إلى عصر الإيلخاني.

ومن أهم المدن الشيعيّة في العراق ـ بعد مدينتي النجف وكربلاء ـ مدينة الحلّة، وقد كانت مركزاً علميّاً هامّاً للشيعة لعدّة قرون، وتخرّج منها مئات من العلماء الأجلاّء، منهم: المحقّق الحلّي والعلاّمة الحلّي وأسرة آل نما العلمية، إضافة إلى أسرة آل طاووس.

وقد أشار ابن بطّوطة ( في القرن الثامن الهجريّ ) إلى مدينة الحلّة، وصرّح بأنّ عامّة أهلها من الشيعة الإماميّة (244)، كما أشار إلى بئر ملاّحة قُرب الكوفة ـ وكانت على وشك الأندثار آنذاك ـ فدعا أهلها بالروافض (245)، وذكر كذلك مدينة كربلاء وقال: إنّ أهلها قاطبة من الشيعة الإماميّة (246).

وفي ذلك العصر أعلن السلطان محمّد خُدابنده انتماءه إلى المذهب الشيعيّ (247)، وكان له جهود دائبة في نشر التشيّع.

وينبغي أن نُشير إلى أنّ اضمحلال الدولة العبّاسيّة المتعصّبة اقترن برواج التسامح المذهبيّ وتقليل الضغط على الشيعة، ممّا مهّد لازدهار التشيّع وانتشاره في ربوع العراق، إلى الحدّ الذي عجزت معه الدولة العثمانيّة ـ التي سيطرت على آسيا الصغرى والبلاد العربية ومصر ـ عن وضع حدّ لانتشار التشيّع أو تقليله على الرغم من القدرة التي امتلكتها هذه الدولة الفتيّة وعدائها للدولة الصفويّة الشيعيّة، فبقي الشيعة يشكّلون الأكثريّة في العراق.

وقد انتمى كثير من القبائل العربيّة خلال القرنَين الفائتَين إلى المذهب الشيعيّ، ومن هذه القبائل قبيلة خزاعل ( تشيّعت قبل 150 سنة )؛ وقبيلة زبيد ( تشيّعت قبل 60 سنة )، وقبيلة كعب ( تشيعّت قبل 100 سنة )، وقبيلة ربيعة ( تشيّعت قبل 70 سنة ).

ووفقاً للإحصائيّات التي نشرتها الدولة البريطانيّة سنة 1919 م، كان مجموع شيعة العراق مليوناً واحداً و 492 ألف نسمة، يُقابلهم 992 ألف نسمة من أهل السنّة والأكراد، و 86 ألف من اليهود، و 87 ألف من النصارى، و 42 ألف من الطوائف الأخرى (248).

ويلزم أن نذكر أنّ مدينة السليمانيّة لم يُحتسب عدد سكّانها في الإحصاء المذكور، وكان عددهم يقرب من 72 ألف نسمة.

ووفقاً لهذا الإحصاء كانت النسب المئويّة للسكّان على الترتيب التالي:

الشيعة العرب

العدد: 000/344/2

لنسبة المئويّة: 4/51

السنّة العرب

العدد: 000/90

لنسبة المئويّة: 7/19

السنّة الأكراد

العدد: 000/840

لنسبة المئويّة: 4/18

الشيعة الايرانيّون

العدد: 000/52

لنسبة المئويّة: 2/1

السنّة الأتراك

العدد: 000/50

لنسبة المئويّة: 1/1

الشيعة الأتراك

العدد: 000/42

لنسبة المئويّة: 9/0

الشيعة الأكراد

العدد: 000/30

لنسبة المئويّة: 6/0

المسيحيّون

العدد: 000/149

لنسبة المئويّة: 1/3

اليهود

العدد: 000/117

لنسبة المئويّة: 6/2

اليزيديّون والسَّبَك

العدد: 000/33

لنسبة المئويّة: 8/0

الصابئة

العدد: 000/7

لنسبة المئويّة: 2/0 (249)

وتُشير هذه الإحصائيّة إلى أنّ أكثريّة العرب العراقيّين هم من الشيعة، خلافاً لما يُشاع من أنّ شيعة العراق غالبيّتهم من الإيرانيّين، وهي اشاعة جهد خصوم الشيعة على الدوام في نشرها والتأكيد عليها (250).

وتُشير بعض التقارير إلى أنّ محافظات كربلاء، والديوانيّة، والحلّة، والعمارة، والكوت يقطنها الشيعة؛ وأنّ محافظتَي السليمانيّة وأربيل يقطنهما السنّة من أتباع المذهب الشافعيّ؛ أمّا محافظة الموصل فيغلب على سكّانها الانتماء للمذهب الشافعيّ والحنبليّ، وأمّا محافظة كركوك فغالب سكّانها من أتباع المذهب الشافعيّ.

ويقطن محافظة ديالى أكثريّة شيعيّة، ويسكنها أيضاً طائفة من السنّة من أتباع المذهب الحنفيّ؛ كما يقطن العاصمة بغداد ومحافظة البصرة أكثريّة شيعيّة، وينتمي أهل السنّة فيهما إلى المذاهب السنيّة الأربعة.

ويسكن منطقة الدِّلَيم أكثريّة سنيّة، ويوجد فيها طائفة شيعيّة قليلة، وينتمي السنّة في هذه المنطقة إلى المذهبَين الحنفيّ والشافعيّ.

وتنتمي القبائل التي تقطن على ضفاف دجلة والفرات في وسط العراق وجنوبه إلى المذهب الشيعيّ (251)، وتُشير إحصائيّات رسميّة أخرى إلى أنّ النسبة المئويّة للشيعة في العراق تقرب من 60 في المائة (252).

ونظراً للفتاوى التي أصدرها علماء الشيع في مقاومة الاحتلال الانجليزي للعراق، وللمقاومة الفذّة التي أبداها الشيعة في ثورة العشرين وما بعدها في الوقوف في وجه الغزو الانجليزيّ، فقد بقي الشيعة في العراق في منأى عن المناصب الهامّة في الدولة، وظلّوا يُعامَلون كمواطنين من الدرجة الثانية.

التشيّع في تركيا

تعود جذور التشيع في تركيا إلى التشيّع في منطقة الشام، فقد اتّسع التشيع في بلاد الشام في عصر الدولة الحمدانيّة، والمرداسية والفاطميّة حتّى بلغ منطقة الأناضول. وقد تسبّبت الخلافات الداخليّة لدى الشيعة خلال القرنين الخامس والسادس في تفرّقهم في هذه البلاد، لكنّ الغالب على التشيّع فيها الارتباط بشكل ما بالمذهب الإسماعيليّ.

وتعود جذور الدروز الموجودين في لبنان حاليّاً إلى الفرقة الإسماعيلية، ويُعرف هؤلاء بالنهج الباطنيّ، كما انّ الفرقة النصيريّة التي أسّسها محمّد بن نصير ـ وكان من أصحاب الإمام العسكريّ عليه السّلام، ثمّ رُمي بالغلوّ ـ مارست نشاطات في سوريا، ثمّ اصطدمت بالدروز فهاجرت إلى شمال سوريا، ويعيش أفرادها في عصرنا الحاضر في سوريا وتركيا، وهناك فرق مشابهة أخرى مثل العلويّين الذين يبلغ عددهم ما يقرب من عشرين مليون نسمة.

ومن المسلّم أنّ هؤلاء كان لهم انتشار واسع خلال العصر العثمانيّ، وكانت طائفة كبيرة منهم في آسيا الصغرى من أتباع الشيخ صفيّ.

ومن هؤلاء الشيعة طائفة تدعى بـ « قَزَلْباش » استطاعت ان تعمل لايصال الصفويّين إلى الحكم.

ومع بداية الاشتباكات التي نشبت بين الدولتين العثمانيّة والصفويّة تعرّض الشيعة في آسيا الصغرى إلى ضغوط شديدة، وقُتل عدد كبير منهم على يد السلاطين العثمانيين بسبب تمرّدهم عليهم، كما قُتل آخرون منهم كإجراءٍ احترازيّ خوفاً من ثورتهم، ويعثر الباحث على مجموعة من الوثائق تنتمي إلى تلك الفترة وردت فيها فتاوى تُبيح قتل الشيعة واستئصالهم! (253)

وحين يُلاحظ الباحث انتشار التشيّع في آسيا الصغرى في تلك الفترة من الزمن، فإنّه يدرك أنّه لولا التعصّب الطائفيّ الذي مارسته الدولة العثمانية لانتشر التشيّع في جميع أرجاء آسيا الصغرى، على الرغم من أنّ الشيعة في تلك المناطق لم يكونوا شيعة إماميّين بالمعنى الحقيقيّ الصحيح.

الوضع الحاليّ للشيعة في تركيا

يوجد في تركيا في العصر الحاضر طائفتان من الشيعة: إحداهما ـ الشيعة الإماميّة الذين يلتزمون بواجباتهم الدينيّة، شأنهم في ذلك شأن إخوانهم في إيران والعراق وسائر البلاد الأخرى. والطائفة الثانية ـ العلويّون الذين يتّبعون نهجاً خاصّاً في التصوّف، وينتمي هؤلاء إلى المذهب الإماميّ، لكنّهم يقصّرون في العمل ببعض واجباتهم وتكاليفهم.

ويتواجد الشيعة الإماميّة في شرق تركيا، أيّ في محافظة « قارص »، وينتمون إلى الأتراك الآذريّين، وتتماثل ثقافة هؤلاء الشيعة مع ثقافة ومنهج اخوانهم في إيران.

ومن المدن الشيعيّة المهمّة في هذه المحافظة مدينة « ايفْدِر »، وهي مدينة يقطنها ثمانية آلاف نسمة، ينتمي ثُلثا عددهم إلى المذهب الشيعيّ الإماميّ، بينما ينتمي الثُلث الباقي إلى المذهب السنيّ، ومنها مدينة « تُزْلوجا » وجميع سكّانها من الشيعة، ويقدّر عددهم بـ 000/15 نسمة.

ويُقدّر عدد سكّان مدينة قارص ـ وهي مركز المحافظة ـ بسبعين ألف نسمة، ينتمي ثلُثهم إلى المذهب الشيعيّ الإمامي، في حين يُعد الثلث الآخر من العلويين، وينتمي الثلث الأخير إلى المذهب السنيّ.

ويعيش في مدينة « تاشلى جرى » ـ وتقع في محافظة « آغرى ـ ما يقرب من أربعة آلاف نسمة من الشيعة، ويوجد أعداد كبيرة من الشيعة في مدينة « اسطنبول » الواقعة في غرب تركيا، وأغلبهم من المهاجرين، ولهم مساجدهم التي يقرب عددها من عشرة مساجد أُسّست مؤخّراً، ولهم نشاطاتهم المتميّزة. ويعيش في مدينة « أنقرة » أكثر من 300 عائلة شيعية، ولهم فيها مسجدان.

أمّا في مدينة « إزمير » فهناك ما يقرب من 1500 عائلة شيعيّة، ولهم فيها مسجدان أيضاً.

ويعيش في مدينة صغيرة تدعى « ترگوتلو » ـ تقع في محافظة مانيسا ـ 600 عائلة شيعيّة يمارس أفرادها شعائرهم في مسجد خاصّ بهم، وهذه المدينة عمّاليّة يقطنها الشيعة المهاجرون الذين قدموا من المناطق الأخرى، كما يتواجد فيها أعداد كبيرة من العلويّين. ويقطن مدينة « بورسا » 150 عائلة شيعيّة، وقد شرع هؤلاء الشيعة في بناء مسجد لهم يصلّون فيه ويقيمون فيه شعائرهم.

ويُصدر الشيعة الإماميّة في تركيا مجلّة شهرية تدعى « عاشوراء »، وقاموا حديثاً باصدار مجلّة اسبوعيّة اسمها « عَلَمدار ».

وفضلاً عن الشيعة الإمامية الملتزمين بواجباتهم الشرعيّة، فهناك في تركيا أكثر من 20 مليون نسمة من العلويين الذين كانوا ينتمون إلى المذهب الشيعي الإماميّ، ثمّ تأثروا بشكل من اشكال التصوف، فأضحوا يقصّرون في القيام بواجباتهم الشرعيّة.

وقد خضع هؤلاء العلويّون لضغوط شديدة خلال فترة الحكم العثمانيّ، ثمّ فسحت لهم الدولة العلمانية الحاليّة المجال لتسنّم المناصب الحكوميّة، فاحتلّ بعضهم مراكز جيّدة في الدولة والجيش.

وقد بدأت خلال العقد الأخير حركة جيّدة في عودة هؤلاء العلويّين إلى أحضان التشيع، فتشيّعت في مدينة « چوروم » ـ التي تقرب نسبة العلويّين فيها من ستّين في المائة ـ حوالي ثلاثمائة عائلة، وبُني فيها مسجد أهل البيت عليهم السّلام. ويجدر بالذكر أنّ مجلّة « عاشوراء » تصدر في هذه المنطقة، بيد أنّ الحساسيّة الخاصّة التي أبدتها الدولة مؤخّراً تجاه العلويّين تمخّضت عن فرض قيود جديدة عليهم.

ويُقدَّر عدد العلويّين في تركيا بعشرين مليون نسمة، منهم ما يقرب من 6 ملايين نفر من الأكراد، وما يقرب من مليون واحد ونصف المليون من النصيريّة التي يقطن أفرادها في الغالب قرب الحدود السوريّة. وينتمي أكثر العلويين الأتراك إلى الفرق الصوفيّة البكتاشيّة، بينما ينتمي الباقون إلى فرق ومذاهب أخرى.

التشيّع في آذربيجان وآسيا الوسطى

يُقدّر عدد أتباع المذهب الشيعيّ الاثني عشري في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق بأربعة ملايين نسمة، يعيش معظمهم ( حوالي سبعين في المائة منهم على وجه التقريب ) في آذربيجان، بينما يتوزّع الآخرون في دول آسيا الوسطى.

ويعيش في منطقة كورنو ـ بدخشان الواقعة في دولة طاجيكستان ـ ما يقرب من مائة ألف نسمة من الشيعة الإسماعيليّة، وهم طائفة قويّة تتمسّك بعقيدتها (254).

وتُقدّر نسبة الشيعة في بلاد جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق بعشرة في المائة من مجموع المسلمين؛ وينتمي أغلب المسلمين في تلك البلاد إلى المذهب الحنفيّ، وذُكر أنّ جماعات من الشيعة تعيش في بلاد القفقاز، وأنّ جماعات أخرى من الشيعة تنوزّع في المناطق الكرديّة (255).

ويعيش الشيعة في هذه البلاد جنباً إلى جنب أهل السنّة في جوّ لا تكدّره العصبيّة والخصومة، ولم يسبق في جمهورية روسية ولا في احدى جمهوريّات الاتحاد السوفيتي السابق أن حصل نزاع شديد بين الشيعة والسنّة (256).

وذُكر أن معظم الأكراد في هذه الجمهوريّات هم من الشيعة، وأنّ أغلب الشيعة فيها هم من الفرقة الاثني عشريّة. ويُقدّر عدد الشيعة في جمهورية آذربيجان بما يقارب 000/800/3 نسمة، ويشكّلون سبعين في المائة من مجموع عدد السكّان.

وتوجد جماعات شيعيّة صغيرة في المناطق التي يقطنها أقوام « ثاتها » و « لزكيها »، وتتواجد في نواحي « مسفين جما » و « دو قوزباره »، ويرجع تاريخ تشيّع هذه الجماعات إلى عدّة قرون (257).

وورد أنّ من النادر أن يعثر الباحث على أحد من الشيعة ضمن المجموعات الصوفيّة في بلاد الاتحاد السوفيتي (258).

ومن الجدير بالذكر أنّ هذا الأمر يصدق أيضاً على العراق، إذ ورد أنّ جميع مراكز الصوفيّة في العراق تتعلّق بأهل السنّة دون الشيعة، وأنّ الفضل في هذا الأمر راجع إلى الجهود الكبيرة التي بذلها علماء الشيعة في أواخر العصر الصفويّ وما بعده في محاربة التصوّف.

ويوجد في منطقة « كوروش » و « مسفين » جماعة تدعى بـ « دراگين ها » ينتمي بعض أفرادها إلى المذهب الشيعيّ، ويرجع تاريخ تشيّع هؤلاء الأفراد إلى عدّة قرون (259).

وفي حقيقة الأمر إنّ التشيّع في جمهورية آذربيجان وآسيا الوسطى وليدُ العلائق التي ربطت بين الشعب الإيرانيّ وساكني هذه البلاد منذ عصر الدولة الصفويّة فصاعداً، وهناك ـ على سبيل المثال ـ جماعة تدعى بـ « اينگپلويها » أسلمت وتشيّعت خلال العصر الصفوي ولا تزال محافظة على هويّتها الشيعيّة إلى يومنا هذا (260).

وفي آذربيجان قبائل تنتمي إلى المذهب الشيعيّ، هي قبائل شاهسونها وطاليشها وپادارها وقزلباشها وقره باغها وقاجارها (261) يضاف إلى ذلك أنّ الإيرانيين الذين يعيشون في مناطق آسيا الوسطى هم بأجمعهم من الشيعة (262).

ومن آثار التشيّع في آذربيجان: مرقد السيّد إبراهيم ابن الإمام محمّد الباقر عليه السّلام، الذي تُوفّي سنة 120 هـ ودُفن في مدينة گنجة ( كروف آباد )، حيث يعتبر هذا المرقد مزاراً يؤمّه الشيعة من أرجاء آذربيجان (263).

الشيعة في بلاد الشام

خضعت بلاد الشام قبل الفتوحات الإسلاميّة لسيطرة امبراطوريّة الروم الشرقيّة وعاصمتها يومذاك « القسطنطينيّة »، ثمّ بلغت طلائع الفتح الإسلاميّ مدينة دمشق سنة 13 للهجرة، وانتشرت في سائر مناطق بلاد الشام. ويُطلق مصطلح « بلاد الشام » على الرقعة الجغرافيّة التي تضمّ دول سوريا، الأردن، لبنان وفلسطين الحاليّة. وبعد دخول المسلمين بلاد الشام، انطلقوا منها إلى شمال أفريقية.

وقد تأثّر أهل الشام يومذاك بعقائد وسيرة بني أميّة، مُنذ أن عيّن عمر يزيد بن أبي سفيان والياً على الشام، وتبعه أخوه معاوية، فأضحى العداء لأمير المؤمنين عليه السّلام جزءاً من عقائدهم الدينيّة، ودام ذلك إلى فترة اضمحلال وسقوط الدولة الأمويّة.

وأعقب العبّاسيون الأمويين في الحُكم، وكانوا قد كسبوا تأييد عامّة الناس من خلال شعاراتهم المُوهِمة التي رفعوها ودعوا الناس فيها إلى « الرضا من آل محمّد صلّى الله عليه وآله »، لكنّهم لمّا استتبّت لهم أمور الحكم تنكّروا لأهل البيت عليهم السّلام وحاربوهم وقتلوهم، واقتضت سياستهم عدم تصحيح الانحراف العقائدي الذي خلّفه أسلافهم الأمويّون في بلاد الشام.

واستمر هذا الوضع إلى سنة 333 هـ، أي إلى عصر سيف الدولة الحمدانيّ، حيث بدأ التشيّع بالانتشار في بلاد الشام. ثمّ أقام الفاطميّون دولتهم في مصر، وخضعت لهم بلاد الشام أيضاً، فساعد ذلك في تهيئة الأرضيّة لانتشار التشيّع وموالاة أهل البيت عليهم السّلام.

أورد السيوطيّ أنّ جعفر بن فلاح حاكم دمشق من قِبل الفاطميّين أمر أن يؤذَّن في مساجد دمشق بجملة « حيّ على خير العمل »، وذكر أنّ الرفض ـ على حدّ تعبيره ـ انتشر في مصر، وفي شرق الشام وغربها، حتّى عُطِّلت صلاة التراويح (264)، والمعروف أنّ هذه الصلاة وُضعت من قِبل عمر، وأنّه قال عنها حين شاهد الناس يعملون بها: بِدعة ونعمت البدعة (265)!

وذكر الذهبيّ أنّ أهل دمشق الذين كانوا من النواصب، قد أضحوا من الروافض في زمن الدولة الفاطميّة (266).

وقد ذكر المقدسيّ ـ العالم الجغرافيّ في القرن الرابع الهجريّ ـ في أمر شيوع التشيّع في هذه البلاد أنّ أهالي طبرية، ونصف أهل نابلُس والقدس، وأغلب أهل عمان هم من الشيعة. كما ذكر أنّ عدداً كبيراً من أهالي تلك المناطق يرفضون مذهب أهل السنّة، وأنّ أولئك الأهالي يدينون ـ غالباً ـ بالمذهب الفاطميّ (267).

ومن مدن الشام المشهورة مدينة حِمص، وقد انتشر التشيّع في هذه المدينة في القرن الرابع الهجريّ على يد الدولة الحمدانيّة، وذكر المقريزيّ بأنّ أهل حمص كانوا يؤذّنون في سنة 347 هـ بجملة « حَيّ على خير العمل » (268)، وذكر الذهبيّ بأنهم كانوا يؤذنون بها أيضاً في مطلع القرن الخامس الهجريّ، وأنّ والي دمشق كان يومذاك من الشيعة (269).

وورد أنّ أهل حمص هدّدوا ياقوت الحمويّ ( صاحب مُعجم البلدان ) وكان مُتّهماً بالنصَّب (270)، ففرّ من مدينتهم، وقال في كتابه بأنّ أهل حمص الذين اشتهروا بالنصب قد غدوا اليوم من غُلاة الشيعة (271).

ويجدر بالذكر أنّ التواجد الشيعيّ في مدينة حمص كان له جذوره وتاريخه، وأنّ الشيعة وُجِدوا في حمص حتّى قبل مجيء الدولة الحمدانيّة، وقد اشتهر من هؤلاء الشيعة رجال، من بينهم الشاعر الشيعيّ المعروف ديك الجنّ ( ت 235 هـ ) (272).

ومن بين علماء الشيعة: أحمد بن علي بن معقل الحمصيّ ( ت 662 هـ ) ويعدّ وجود مثل هذا العالم المعروف من الأدلّة على التواجد الشيعيّ في مدينة حمص خلال القرن السابع الهجريّ.

ويلزمنا أن نذكر بأنّ الدولة الأيّوبيّة قد بذلت كلّ ما في وسعها في قمع الشيعة واستئصالهم من بلاد الشام، وقد ذكر الخفاجيّ بأنّ مساعي الأيوبيّين في استئصال الشيعة وآثارهم طالت حتّى المكتبات والمخطوطات (273).

وتبع العثمانيّون أسلافهم الأيّوبيّين في محاربة الشيعة ونصب العداء لهم، عداءً منهم للدولة الصفويّة، فآل أمر الشيعة في بلاد الشام إلى الضعف، بعد أن ازدهر التشيّع في الفترة الواقعة ما بين القرنَين الرابع والسابع، وتناقصت أعداد الشيعة في بلاد الشام ـ ومن ضمنها مدينة حلب ـ لكنّ الحضور الشيعيّ في هذه البلاد ظلّ مستمراً.

وقد أشار الخوارزميّ ( الأديب الشيعيّ المشهور في القرن الرابع ) إلى تناقص الشيعة في خراسان في عصره، لكنّه نوّه بتزايد أعدادهم ـ في المقابل ـ في بلاد الحجاز، والحرمين الشريفين، والشام، والعراق، وجزين، والجبل (274)، كما أشار عبدالجليل القزوينيّ الرازي ـ من علماء القرن السادس ـ إلى وجود الشيعة في بعض مناطق بلاد الشام (275)، وذكر المقريزي بأنّ المذهب الرافضي انتشر في زمن الفاطميين في غرب بلاد الشام، وديار بكر، والكوفة، والبصرة، وبغداد، وجميع العراق، وبلاد خراسان، وما وراء النهر، والحجاز، واليمن، والبحرين (276).

وقد تحدّث الرحّالة المعروف ابن جبير ( ت 614 هـ ) عن تشيّع دمشق، ووصف زيارته لها في رحلته التي استمرت من سنة 578 هـ إلى سنة 581 هـ، وتحدّث على الخصوص عن مشاهد أهل البيت عليهم السّلام والأوقاف التي خصّص الشيعة عائداتها لتأمين مستلزمات تلك المشاهد الشريفة، وصرّح بأنّ الشيعة في بلاد الشام أكثر من أهل السنّة (277).

وذكر الكراجكيّ العالم الشيعي في القرن الخامس الهجريّ بأنّ أهل مدينة رملة في فلسطين من الشيعة (278).

وذكر ناصر خسرو الداعية الإسماعيلي ( ت 481 هـ ) أنّ أهل مدينة طرابلس قاطبة هم من الشيعة، وأنّ الشيعة بنوا مساجد جميلة في المناطق المختلفة (279).

وأورد في معرض كلامه عن مدينة طبرية ـ وهي من مدن بلاد الشام ـ أن أحداً لا يستطيع زيارة قبر أبي هريرة الواقع في ضواحي المدينة، نظراً لأنّ ساكني تلك المناطق هم من الشيعة (280).

وتطرّق ابن بطوطة ـ الذي عاش في القرن الثامن الهجريّ ـ إلى ذكر مدينة معرّة التي يُنسب إليها أبو العلاء المعرّيّ، وقال بأنّ طائفة من الرافضة يقطنون فيها (281).

وكان للشيعة تواجدٌ ملحوظ في مدينة دمشق خلال القرن العاشر الهجريّ، حيث ذكر القاضي نور الله أنّ المسافرين الشيعة الذين يقصدون بيت الله الحرام لأداء فريضة الحجّ، كانوا إذا مرّوا على بلاد الشام حَطّوا رحالهم في محلّة خراب ـ من محلاّت الشام ـ نظراً لكَون أهل تلك المحلّة قاطبة من المؤمنين ذوي الاعتقاد الخالص (282).

الشيعة في حلب

ومن المدن السوريّة المهمّة مدينة حلب، وللتشيّع فيها عراقة وتاريخ قديم، وكان لها دور مهمّ في نشر التشيّع في مناطق سورية المختلفة. ومدينة حلب من المدن التي شاركت في صياغة الوقائع السياسيّة خلال التاريخ الإسلاميّ، وأضحت ـ لمرّات ـ مركزاً للحكم. ويبدأ تاريخ التشيع في حلب مع ظهور الدولة الحمدانيّة الشيعيّة، على الرغم من أنه يُحتمل قويّاً أن جذور التشيّع امتدّت إلى ما قبل الدولة الحمدانيّة أيضاً (283).

وقد بدأت دولة آل حمدان في شمال سورية سنة 333 هـ، حيث دخل سيف الدولة الحمدانيّ مدينة حلب فجعلها مركزاً لحكمه الذي امتدّ إلى أوائل القرن الخامس الهجريّ، أي إلى سنة 406 هـ التي سيطرت فيها الدولة الفاطميّة على دمشق، ثمّ سيطر بنو مرداس على مدينة حلب سنة 414هـ فأنهوا بذلك حكم بني حمدان (284).

وكان للدولة الحمدانيّة الدور الكبير في ازدهار الثقافة الإسلاميّة في حلب، من خلال نبذهم للتعصّب المذهبيّ وتشجيعهم للعلم والفِكر ـ وبخاصّة من قبل سيف الدولة ـ وللتضحيات والمواقف المشرّفة التي كانت للحمدانيّين في تصدّيهم للروم.

أمّا دول بني مرداس ( 414 ـ 472 هـ ) التي سيطرت في القرن الخامس على مناطق مهمّة في بلاد الشام، فقد كانت روّجت لمذهب التشيّع إلى حدٍّ ما بحيث نقل ابن بغلان المتطبب بأنّ الفقهاء في حلب كانوا يُفتون وفق مذهب الإماميّة (285).

ومن أشهر فقهاء حلب الشيعة: سالار الديلميّ وأبو الصلاح الحلبيّ مؤلف « تقريب المعارف » و« الكافي في الفقه ».

وأنشد المولى الروميّ ( عاش في القرن السابع الهجريّ ) في أهل حلب ( ما تعريبه ):

اجتمع أهل حلب يوم عاشوراء بأجمعهم عند باب أنطاكية إلى الليل، اجتمعوا نساءً ورجالاً، ليُقيموا مأتم أهل البيت يوم عاشوراء. فالشيعة يئنون وينوحون ويذرفون الدموع سِخاناً لأجل مصاب كربلاء (286).

وبعد مجيّ الدولة الأيّوبيّة ونتيجةً للعداء الذي كان صلاح الدين الأيّوبيّ يكنّه للشيعة، فقد اضطُرّ الشيعة في تلك الديار إلى التستّر والعمل بالتقيّة؛ حفظاً على أرواحهم وحقناً لدمائهم، فانحسر ازدهار التشيّع نتيجة لذلك (287).

وعلى الرغم من هذا كلّه، فقد بقيت مدينة حلب مركزاً تخرّج منه عدد كبير من علماء الشيعة، منهم مؤلف كتاب « حلب والتشيّع » (288)، ولا يزال الشيعة في عصرنا الحاضر يسكنون في بعض أطراف مدينة حلب.

الشيعة في لبنان

أمّا لبنان فقد اشتهر بأنّه أحد مراكز التشيّع طوال التاريخ الإسلاميّ، وقد عُدّ أبو ذر الغفاريّ الذي أبعده عثمان إلى الربذة في جنوب لبنان أحد عوامل انتشار التشيّع في تلك البلاد (289).

وقد ازدهر التشيّع في لبنان في نفس الفترة التي شهدت ازدهاره في الشام، بفارق أنّ التشيّع في لبنان بلغ انتشاره ذروةً صار معها القسم الأعظم من سكّان لبنان ـ وإلى يومنا هذا ـ يدينون بالتشيّع.

ونُقل عن أبي شامة رأيه أنّ الرفض ازداد في أيّام الفاطميين فأفسد عقائد أهل الجبل الساكنين في ثغور الشام (290). وفي الحقيقة فإنّ الحكومات الشيعيّة المختلفة في الشام ـ ومن بينها الدولة الفاطميّة ـ كان لها إسهام كبير في ترويج التشيّع في لبنان.

ومن المدن اللبنانيّة العريقة في التشيّع مدينة « كرك نوح »، وقد ذكر صاحب « معجم الأدباء » أحد الأدباء في لبنان، فسمّاه: « أحمد بن طارق بن سنان أبو الرضا الكركيّ الرافضيّ المتوفّى سنة 592 هـ » (291). وورد أنّ أحد علماء كرك قدم إلى دمشق سنة 842 هـ بطلبٍ من السلطان، لكنّه تعرّض ـ بسبب انتمائه الشيعيّ ـ إلى هجوم عوام أهل السنة، فقُتل وقُتل معه ابنه وخمسمائة نفر من أتباعه. كما ورد أنّ طائفة من مشايخ كرك اعتُقِلوا بأمر من حكّام دمشق، ثمّ قُتلوا (292).

ومن جملة علماء جبل عامل الذين قدموا إلى إيران، وكان لهم سهم وافر في نشر التشيّع فيها: المحقّق الكركيّ. وقد ذكر مؤلّف كتاب « أمل الآمل » أسماء ثلاثين عالماً شيعياً من كرك. ويلزمنا أن نذكر أنّ قبر جعفر الطيّار عليه السّلام يقع في هذه المدينة (293).

وأغلب ساكني جنوب لبنان في عصرنا الحاضر هم من الشيعة الذين لجأوا إلى هذه المنطقة فراراً من الجور الذي تعرّضوا له خلال فترات حكم الأيّوبيّين والعثمانيّين. ويعيش هؤلاء الشيعة في مناطق جبليّة وقرويّة، وكانوا مُجبرين سابقاً على البقاء في هذه القرى وعدم الخروج منها. وتبلغ نسبة السكّان الشيعة في جبل عامل حوالي 80 في المائة، أمّا في باقي المناطق فتتنزّل هذه النسبة إلى ما بين 50 و 60 في المائة من عدد السكّان.

ويتواجد الشيعة في العاصمة بيروت بأعداد كبيرة، خلافاً للسابق، كما تعدّ منطقة البقاع أيضاً أحد المراكز الأصليّة للشيعة (294).

ووفقاً للإحصائيّات الرسميّة المعلنة، فإنّ عدد نفوس لبنان يُقدّر بـ « 000/ 475 / 3 شخص »، يتوزّعون على الطوائف المذهبيّة المختلفة على النحو التالي (295) :

 

http://www.imamreza.net/images/maghalat/shia-aalam.gif
 

 

والطائفة الدرزيّة من الفرق الإسماعيليّة، وتُنسب إلى محمّد بن إسماعيل الدرزيّ الذي كان من الدعاة الفاطميّين، وكان له تعلّق زائد بالحاكم بأمر الله الحاكم الإسماعيليّ في مصر.

وقد تمكّن الشيعة في العقود الأخيرة بهمّة علمائهم ـ كالسيّد شرف الدين والسيّد موسى الصدر ـ ومن خلال منهجة عملهم، من تسنّم بعض المسؤوليّات المهمّة، والمشاركة في صياغة التحوّلات الجارية في لبنان.

أمّا في سورية، فإنّ عدد الشيعة وفقاً للأرقام الرسميّة المعلنة في حدود خمسين ألف نفر، وهذا الرقم لا يشمل ـ بطبيعة الحال ـ العلويّين الحاكمين في سورية حاليّاً.

أمّا عدد الشيعة في الأردن، فيبلغ عشرة آلاف نفر وفقاً للأرقام الرسميّة المعلنة سنة 1949 م ( 1328 هـ )، أي ما يقابل واحد من ثلاثين من مجموع عدد السكّان، وثُلث عدد المسيحيين هناك، لكنّ المصادر غير الرسميّة تذكر أرقاماً للشيعة تفوق هذه الأرقام المعلنة (296).

التشيّع في شمال أفريقية

التشيّع في البلاد الأفريقيّة له تاريخ عريق، على الرغم من أنّ المناطق الأفريقيّة التي تواجد فيها التشيّع قديماً أصبحت لا تحمل في عصرنا الحاضر ـ تبعاً للضغوط التي تعرّض لها الشيعة طوال الفترات المنصرمة ـ إلاّ تقاليد وعادات شيعيّة فقط.

وكانت بلاد مصر مركزاً لحكومة الفاطميّين، وكان لها ازدهار كبير في فنون العلم على مدى قرون ثلاثة، لا يَزال « الجامع الأزهر » من آثارها الماثلة إلى يومنا هذا، وقد سعى الخواجة نظام المُلك في تقليد المدارس العلميّة المصريّة، فأسّس المدارس النظاميّة في إيران والعراق.

بيد أنّ الحكومات الشيعيّة ( الفاطميّة، البويهيّة، الحمدانيّة ) كانت حكومات ذات سياسات منفتحة بعيدة عن التعصّب المذهبيّ، فإنّها لم تحدّ من نشاطات أهل السنّة، بينما نجد بعض الحكومات السنّيّة المتعصّبة التي أعقبت الفاطميين ( كالدولة الأيّوبيّة ) قد مارست ضدّ الشيعة أشدّ الضغوط، حتّى بلغ بها الحدّ في ذلك إلى استئصال الشيعة ومحوهم في بعض مناطق البلاد.

ويوجد في بلاد المغرب مدينة تدعى « كثامة »، سكن فيها أبو عبدالله الشيعيّ ( أحد دعاة الإسماعيليّة ) وعمل على جعلها قاعدة لنشر التشيّع في بلاد المغرب. ويُستفاد من عبارة ابن حوقل أن التشيّع في تلك المدينة له جذور متقدّمة تسبق تواجد أبي عبدالله الشيعيّ (297) كما ورد أنّ مدينة « سوس » المغربيّة كان فيها وجود للشيعة (298).

وقد ازدهر التشيّع في مصر بعد مجيء الدولة الفاطميّة، حتّى نقل السيوطيّ أنّ الفاطميّين كانوا يخطبون بـ « اللهمّ صلِّ على محمّد المصطفى، وعليّ المرتضى، وفاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطَي الرسول » وذكر الاسنوي المصريّ في مقدّمة كتاب « مهمّات الفقه » بأنّ العلماء الرافضة حلّوا محلّ العلماء الشافعيّين بعد مجيء الدولة الفاطميّة.

وجاء في كتاب « الطالع السعيد » أنّ أهالي قرية « أرمنت » المصريّة كانوا من الشيعة، ثمّ تناقص عدد الشيعة بمرور الوقت (299) كما جاء في الكتاب المذكور أنّ مدينة « أسفون » المصريّة كانت تضمّ أعداداً من الشيعة، ثمّ تناقص عدد الشيعة فيها (300).

وذكر المقدسيّ في القرن الرابع الهجريّ أنّ أهالي قصبة « فسطاط » وقصبة « صندفا » ينتمون إلى المذهب الشيعيّ (301).

وقال ابن حوقل: إنّ من أولاد القبط: غيلان أبو مروان رئيس الغيلانيّة، وهم فرقة من فرق الشيعة (302).

وعلى أيّة حال، فقد تعرّض الشيعة إلى قمع وملاحقة شديدين بعد ظهور صلاح الدين الأيوّبيّ، وذكر ابن الأثير في وقائع سنة 584 هـ أنّ عدداً من الشيعة يُقدَّرون باثني عشر رجلاً ثاروا في القاهرة ونادوا « يا عليّ يا عليّ »، إلاّ أنّ أحداً لم يُغثهم (303).

وورد أنّ مدينة « نفطة » الواقعة في بلاد المغرب، بين الجزائر وتونس هي المدينة الوحيدة في تلك الديار التي ينتمي جميع أهليها إلى المذهب الشيعيّ، وذُكر أنّها تُدعى بـ « الكوفة الصغيرة » (304).

وذكرت بعض المصادر أنّ طائفة من أهل شيراز ـ وهم من الشيعة ـ هاجروا إلى بلاد أفريقية (305).

ومن الجدير بالتأمّل أنّ من الآثار التي خلّفها التشيّع في البلاد الأفريقية انتشار حبّ أهل البيت عليهم السّلام ومودّتهم، وهي ظاهرة مكثّفة في بلاد السودان على الخصوص، حيث ذكر أحمد بن أبي الضياف في كتاب « الإتحاف » أنّ أهالي أفريقية لهم محبّة زائدة لعليّ وآله، يشترك في ذلك عالمهم وجاهلهم، حتّى إنّ نساءهم إذا ضربهنّ الطلق نادَين برفيع الصوت « يا محمّد يا عليّ ». وكان الشاذلي ـ وهو من قادة المذهب الصوفيّ في تلك الديار ـ قد أوصى أصحابه أن يستغيثوا عند الشدائد وينادوا « يا محمّد يا عليّ » (306).

ومن أفريقية انتشر التشيّع إلى بلاد الأندلس، حيث ذكر القاضي نور الله أنّ في بلاد الأندلس منطقة تُدعى بـ « جزيرة الرفضة »؛ لأنّ سكّان سواحل تلك الجزيرة قاطبةً هم من الشيعة الإماميّة (307).

وجاء في بعض التقارير التي نُشرت حديثاً أنّ هناك طائفة من الشيعة الإماميّة في مدينة « غرناطة »، يُعدّون من السكّان الأصليّين في تلك الديار (308)، وهو خبر جدير بالتأمّل حقّاً.

التشيّع في شرق أفريقية

التشيّع في شرق أفريقية مدين لهجرة الشيعة الهنود الذين يُعرفون بـ « الخوجة »، وينتمون إلى الطائفة الإماميّة الاثني عشريّة، حيث هاجر هؤلاء الشيعة الهنود قبل ما يقرب من قرن ونصف القرن إلى شرق أفريقية، وشكّلوا بجهودهم ومساعيهم الحثيثة مجتمعات مستقلّة ومنظّمة في تلك البلاد.

الشيعة في تنزانيا

ومن أهم مراكز الوجود الشيعيّ في شرق أفريقية دولة تنزانيا، وتُعتبر العاصمة « دار السلام » المركز الأساس للخوجة، الذي يتكفّل بتنظيم علاقاتهم وارتباطاتهم مع بعضهم البعض.

وقد شُكّلت هذه الجمعيّة في دار السلام سنة 1945م لهذه الغاية، ثمّ هاجر أحد علماء الشيعة إلى هناك، فبدأ بالتدريج نشاطات في الدعوة للتشيّع بين سكّان البلاد الأصليّين.

ويوجد في تنزانيا ما يقرب من 12 ألف نفر من الشيعة الإماميّة من أصل هنديّ، يعيش نصفهم في دار السلام، ويتوزّع الآخرون في مدن « تانكا »، « أروشا »، « موشى »، « موانزا »، « بكوبا »، « ليندى »، « سونكيا »، و « زنجبار ».

هذا وقد سافر أحد علماء الشيعة سنة 1959م إلى تنزانيا، وأسّس سنة 1965م مؤسسة بلال الإسلاميّة التي تقوم بنشاطات دينيّة وترفيهيّة في الدول الأفريقيّة.

ويوجد في تنزانيا عدد كبير من المساجد والحسينيّات، كما يوجد فيها مدرسة دينيّة يُدرَّس فيها: نهج البلاغة، شرائع الإسلام وبعض الدروس الأخرى، وتضمّ حالياً 65 طالباً.

كما تُصدر موسّسة بلال مجلّة شهريّة باللغة السواحليّة شهراً وبالانجليزية شهراً بصورة متعاقبة، وقد قامت المؤسسة المذكورة بنشر ما يقرب من 80 كتاباً، إضافة إلى عدد من الكرّاسات، ويرتبط بالمؤسسة المذكورة ما يقرب من 25 ألف نفر يعيشون في أمريكا وأوروبا وأفريقية. وأدّت هذه الكرّاسات إلى تشكّل مجتمع شيعيّ صغير في منطقة « گويان » الواقعة في أمريكا الجنوبيّة. وللمؤسسة المذكورة فروع في سائر الدول يقرب عددها من 16 فرعاً؛ وقد أدّت نشاطات هذه المؤسسة إلى تشيّع ما يزيد على 20 ألف نفر من سكّان تنزانيا الأصليّين.

الشيعة في الصومال

وكان يقطن في الصومال قبل ذلك ما يقرب من 1200 نفر من الخوجة، أُجبِروا ـ إثْر وقوع مذابح قبليّة ـ على الهجرة إلى كينيا وتنزانيا.

الشيعة في كينيا

يوجد في كينيا ما يقرب من ستة آلاف نفر من الشيعة الإماميّة، لهم مساجدهم وحسينيّاتهم. وقد هاجر عالم لبنانيّ إلى كينيا فأسّس في العاصمة « نايروبي » ومدينة « نكورو » مدرستين لتدريس العلوم الدينيّة، تقومان بتدريس عدد كبير من الطلبة في الوقت الحاضر. ويُقدّر عدد السكّان الأصليّين الكينيّين الذين انتموا إلى المذهب الشيعيّ خلال السنوات الأخيرة بعشرة آلاف نفر.

الشيعة في أُوغندا

كان في أوغندا قبل سنة 1972م عدّة آلاف من الخوجة، قام عيدي أمين بإخراجهم من أوغندا، فهاجروا إلى أمريكا وأوروبا وأسّسوا مجتمعات شيعيّة في تلك البلاد. وقد عاد عدد محدود من هؤلاء الخوجة إلى اوغندا واستعادوا مسجدهم وحسينيّتهم في العاصمة « كامبالا ».

الشيعة في بروندي وروواندا

يعيش في بروندي عدد من الخوجة الشيعة يُقدّر عددهم بـ « 600 نفر »، لهم نشاطات محدودة، ولهم مسجد وحسينيّة. وكان لمؤسسة بلال نشاطات في بروندي، تشيّع على أثرها عدد من سكّان بروندي الأصليّين، يقرب عددهم من ( 2000 ) نفر. كما يعيش في دولة روواندا طائفة قليلة من الخوجة.

الشيعة في زائير

يعيش في زائير طائفة من الخوجة يتمركزون في مدينة « كيسانكاني »؛ وقد أُجبر هؤلاء بعد المذابح الأخيرة في هذه المدينة على الهجرة إلى « كنشاسا ».

وقد أدّت النشاطات التي بذلها أحد العلماء الشيعة خلال السنوات العشر الأخيرة إلى تشيّع حدود مائة نفر من سكّان زائير الأصليّين، كما تشيّع في شرق زائير إثر نشاطات مؤسسة بلال ما يقرب من 12 ألف نفر.

الشيعة في موزامبيق

يوجد في موزامبيق طائفة من الخوجة يقدّر عددها بخمسمائة نفر، وقد أدّى النشاط التبليغيّ إلى تشيّع عدد من السكّان الأصليّين، أضحى عددهم يفوق عدد الخوجة.

الشيعة في مدغشقر

يعيش في مدعشقر ما يقرب من ( 4000 ) نفر من الشيعة ذوي الأصول الهنديّة، يتواجدون في 12 مدينة. وقد قام أحد مبلّغي مؤسسة بلال بنشاطات تبليغيّة بين سكّان مدغشقر الأصليّين، أثمرت في انتشار التشيّع بينهم.

الشيعة في موريس

يتواجد في موريس حوالي 300 نفر من الخوجة، كما يعيش في ايونين ـ الخاضعة للسلطة الفرنسيّة ـ حدود 200 نفر من الخوجة لهم مسجد وحسينيّة خاصّة (309).

الشيعة العرب

العدد: 000/344/2

لنسبة المئويّة: 4/51

السنّة العرب

العدد: 000/90

لنسبة المئويّة: 7/19

السنّة الأكراد

العدد: 000/840

لنسبة المئويّة: 4/18

الشيعة الايرانيّون

العدد: 000/52

لنسبة المئويّة: 2/1

السنّة الأتراك

العدد: 000/50

لنسبة المئويّة: 1/1

الشيعة الأتراك

العدد: 000/42

لنسبة المئويّة: 9/0

الشيعة الأكراد

العدد: 000/30

لنسبة المئويّة: 6/0

المسيحيّون

العدد: 000/149

لنسبة المئويّة: 1/3

اليهود

العدد: 000/117

لنسبة المئويّة: 6/2

اليزيديّون والسَّبَك

العدد: 000/33

لنسبة المئويّة: 8/0

الصابئة

العدد: 000/7

لنسبة المئويّة: 2/0 (40)

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: imamreza