إدارة الأزمات.... العراق نموذجاً

الحلقة الثانية

 

 

عبد الاله البـلداوي

 

المدخل:

(1) تعريفات الأزمة:

- الأزمة مصطلح قديم ترجع أصوله التاريخية إلى الطب الإغريقي – نقطة تحول بمعنى أنها لحظة قرار حاسمة في حياة المريض – وهي تُطلق للدلالة على حدوث تغيير جوهري ومفاجئ في جسم الإنسان، ففي القرن السادس عشر شاع استخدام هذا المصطلح في المعاجم الطبية، وتم اقتباسه في القرن السابع عشر للدلالة على ارتفاع درجة التوتر في العلاقات بين الدولة والكنيسة، وبحلول القرن التاسع عشر تواتر استخدامها للدلالة على ظهور مشكلات خطيرة أو لحظات تحوّل فاصلة في تطور العلاقات السياسية والإقتصادية والإجتماعية.

- وفي العام 1937 عرّفت دائرة معارف العلوم الإجتماعية الأزمة بأنها: حدوث خلل خطير ومفاجئ في العلاقة بين العرض والطلب في السلع والخدمات ورؤوس الأموال.

- ولقد استعمل المصطلح بعد ذلك في مختلف فروع العلوم الإنسانية وبات يعني مجموعة الظروف والأحداث المفاجئة التي تنطوي على تهديد واضح للوضع الراهن المستقر في طبيعة الأشياء، وهي النقطة الحرجة، واللحظة الحاسمة التي يتحدَّد عندها مصير تطور ما، إما إلى الأفضل، أو إلى الأسوأ - مثل الحياة أو الموت، الحرب أو السلم- لإيجاد حل لمشكلة ما أو انفجارها.

- الأزمة: هي نقطة تحول مصيرية في مجرى حدث ما، تتميَّز بتحسّن ملحوظ أو بتأخر حاد، وترتبط بتجاذبات قديمة لا بد أن تزول لتحلّ محلها ارتباطات جديدة، وتورث تغيرات كمّية ونوعية في هذا الحدث.

- كما عرّف ألستار بوخان (Alastair Buchan) الأزمة في كتابه إدارة الأزمات: بأنها تحدٍّ ظاهر أو ردّ فعل بين طرفين أو عدة أطراف، حاول كل منهم تحويل مجرى الأحداث لصالحه.

- أما كورال بل(Coral Bill) فإنها تعرّفها في كتابها إتفاقيات الأزمة – A study in Diplomatic Management, the Conventions of Crisis : بأنها ارتفاع الصراعات إلى مستوى يهدد بتغيير طبيعة العلاقات الدولية بين الدول.

- ويشير روبرب نورث ( Robert North ) إلى أن الأزمة الدولية: هي عبارة عن تصعيد حاد للفعل ورد الفعل، أي هي عملية انشقاق تحدث تغييرات في مستوى الفعالية بين الدول، وتؤدي إلى إذكاء درجة التهديد والإكراه، ويشير نورث إلى أن الأزمات غالبًا ما تسبق الحروب، ولكن لا تؤدي كلها إلى الحروب إذ تسوّى سلميًا أو تجمّد أو تهدأ، على أنه يمكن دراستها على اعتبارها إشتراك دولتين أو أكثر في المواجهة نفسها.

- كما يعرّفها جون سبانير ( John Spanir) بأنها: موقف تطالب فيه دولة ما بتغيير الوضع القائم، وهو الأمر الذي تقاومه دول أخرى، ما يخلق درجة عالية من إحتمال اندلاع الحرب.

- وفقاً لذلك فإن الأزمة: هي موقف مفاجئ تتجه فيه العلاقات بين طرفين أو أكثر نحو المواجهة بشكل تصعيدي نتيجة لتعارض قائم بينها في المصالح والأهداف، أو نتيجة لإقدام أحد الأطراف على القيام بتحدي عمل يعدّه الطرف الآخر المدافع، يمثل تهديدًا لمصالحه وقيمه الحيوية، ما يستلزم تحركًا مضادًا وسريعًا للحفاظ على تلك المصالح، مستخدمًا في ذلك مختلف وسائل الضغط وبمستوياتها المختلفة، سواء أكانت سياسية أو اقتصادية أو حتى عسكرية.

- كما تعرّف الأزمة: بأنها تهديداً خطراً أو غير متوقع لأهداف وقيم ومعتقدات وممتلكات الأفراد والمنظمات والدول والتي تحد من عملية اتخاذ القرار .

- أما إدارة الأزمات فتعرف بأنها: هي فن إدارة السيطرة من خلال رفع كفاءة وقدرة نظام صنع القرارات سواء على المستوى الجماعي أو الفردي للتغلب على مقومات الآلية البيروقراطية الثقيلة التي قد تعجز عن مواجهة الأحداث والمتغيرات المتلاحقة والمفاجأة وإخراج المنظمة من حالة الترهل والاسترخاء التي هي عليها.

- فيعرف الباحث البريطاني ويليامز إدارة الأزمات: بأنها سلسلة الإجراءات الهادفة إلى السيطرة على الأزمات، والحد من تفاقمها حتى لا ينفلت زمامها مؤدية بذلك إلى نشوب الحرب، وبذلك تكون الإدارة الرشيدة للأزمة هي تلك التي تضمن الحفاظ على المصالح الحيوية للدولة وحمايتها.

- في حين يرى الخبير الإداري الدكتور ماجد شدود أن إدارة الأزمات: يجب أن تنطلق من إدارة الأزمة القائمة ذاتها وتتحرك في إطار الاستراتيجية العامة للدولة، وهذا يتطلب تحديد الأهداف الرئيسة والانتقائية للدولة خلال الأزمة والتحليل الاستراتيجي المستمر للأزمة وتطوراتها والعوامل المؤثرة فيها، ووضع البدائل والاحتمالات المختلفة وتحديد مسارها المستقبلي من خلال التنبؤ والاختيار الاستراتيجي للفرص السانحة وتحاشي أمر المخاطر التي تحملها الأزمة أو التقليل منها حيث يتطلب ذلك معلومات وافرة ومعطيات مناسبة وإدارة رشيدة.

- ويمكن تعريفها: هو كيفية التغلب على الأزمة بالأدوات العلمية الحديثة والإدارية المختلفة، وتجنب سلبياتها والاستفادة من إيجابياتها.

(2) مفهوم الأزمة:

أن مفهوم الأزمة وخصائصها تعني اللحظة الحرجة والحاسمة التي تتعلق بمصير الكيان الإداري الذي أصيب به مشكلة ما ووُجدت بذلك صعوبة حادة أمام صاحب القرار نظراً لقلة البيانات عن الأزمة .

إدارة الأزمات مسألة قائمة بحد ذاتها منذ القدم، وكانت مظهرًا من مظاهر التعامل الإنساني مع المواقف الطارئة أو الحرجة التي واجهها الإنسان بعد أن جوبه بتحدي الطبيعة أو غيره من البشر، ولم تكن تعرف آنئذٍ بإسم إدارة الأزمات وإنما عرفت تسميات أخرى مثل براعة القيادة، أو حسن الإدارة، وكانت هذه الممارسة هي المحك الحقيقي لقدرة الإنسان على مواجهة الأزمات والتعامل مع المواقف الحرجة بما تفجره من طاقات إبداعية، وتستفزّ قدراته على الإبتكار .

فالمفهوم البسيط لإدارة الشيء، هو التعامل معه للوصول إلى افضل النتائج الممكنة، بما يحقق مصالح القائم بالإدارة، ومن هنا فإن إدارة الأزمة تعني التعامل مع عناصر موقف الأزمة باستخدام مزيج من أدوات المساومة الضاغطة والتوفيقية بما يحقق أهداف الدولة ويحافظ على مصالحها الوطنية، وهي أيضًا عبارة عن محاولة لتطبيق مجموعة من الإجراءات والقواعد والأسس المبتكرة، تتجاوز الأشكال التنظيمية المألوفة وأساليب الإدارة الروتينية المتعارف عليها، وذلك بهدف السيطرة على الأزمة والتحكّم فيها وتوجيهها وفقًا لمصلحة الدولة .

وقد أصبح موضوع إدارة الأزمات على رأس الموضوعات الحيوية في العالم منذ العام 1962 والأزمة الكوبية، وتكمن أهمية هذا الحدث في تصريح وزير الدفاع الأميركي روبرت مكنمارا بقوله لن يدور الحديث بعد الآن عن الإدارة الإستراتيجية وإنما ينبغي أن نتحدث عن إدارة الأزمات.

اذاً إدارة الأزمات تعني: العمل على تجنب تحوّل النزاع إلى صراع شامل، بتكلفة مقبولة، لا تتضمن التضحية بمصلحة أو قيمة جوهرية .

(3) عوامل نشوب الأزمة:

أسباب نشوء الأزمات كثيرة منها الفقر والتخلف والجهل والعوز والفتنة والأمراض والتعليم المحدود وندرة الموارد وتدهور البيئة والكوارث الطبيعية والنمو السكاني والتطرف والجريمة المنظمة والبطالة كل هذه الأمور تشكل أرضاً خصبة لنشوء الأزمات، كما تمثل بذرة النزاعات وعدم الاستقرار في كثير من الأحيان.

كما ان سوء الفهم والإدراك أو سوء التقدير والتقييم أو الرغبة في الابتزاز واستعراض القوة وتعارض المصالح وأن لكل أزمة أداء وسلوك ومن خلالهما يمكن معرفة عناصر شدتها وقوتها والمصدر المنفذ لها وكيفية التعامل معها لمواجهة الأزمة.

كما أن لكل شيء سبباً فإن هناك عوامل تتسبب في وجود الأزمة، فهي لا تنشأ مجزأة، وليست وليدة اللحظة، ولكنها نتاج تفاعل أسباب وعوامل نشأت قبل ظهور الأزمة، وتتعدد الأسباب التي تؤدي إلى نشوب الأزمة، كما أن الأزمات تنشب من أجل الموارد كالمياه والغذاء والمراعي والصراع من أجل التوسع السكاني، وأزمات الانفجار السكاني، وأزمات النظام الرأسمالي والصراع الأيديولوجي والاجتماعي، والصراع على الأسواق ومصادر المواد الأولية، والصراع السياسي على السلطة بين الأحزاب المختلفة كذلك الصراع على الهيبة والنفوذ بالإضافة إلى الأسباب الاجتماعية والاقتصادية للصراع.

مراحل نشوء الأزمة:

ان الازمة تمر بسلسلة مراحل تبدأ بـ:

- مرحلة الانذار المبكر .

- مرحلة النشوء والتبلور.

- مرحلة النمو والصعود والانتشار.

- مرحلة الانفجار .

- مرحلة التثبيت أو رسوخ الازمة.

-المرحلة الاخيرة وهي مرحلة ايجاد الحلول.

و ان ادارة الازمات الناجحة يجب ان تبدأ بوقت مبكر جداً وان تضع هدف الوقاية خير من العلاج في اولويات مهامها، والافادة من الدروس والعبر المستنبطة من هذه الازمة وتداعياتها.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: burathanews