تشريح التطرف الأيديولوجي

 

السيد يسين

 

التطرف الأيديولوجي، مثله في ذلك مثل العولمة، ظاهرة تملأ الدنيا وتشغل الناس! ومشكلته أنه لا يتعلق فقط باتجاهات فكرية منحرفة أو رؤى للعالم متخلفة وبدائية فقط، ولكنه يتحول في مجال الممارسة، على مستوى الأفراد والجماعات وبعض الدول، إلى إرهاب صريح. وهذا الإرهاب لا يوجه ضرباته فقط للخصوم الفكريين أو السياسيين، ولكنه يصوب سهامه المسمومة إلى المدنيين بصورة عشوائية، مما يؤدى إلى سقوط مئات القتلى والجرحى.

ومن ثم يمكن القول إنه لكي نفهم الإرهاب وطبيعته وأسبابه، لابد لنا في البداية أن نحلل وندرس بعمق ظاهرة التطرف الأيديولوجي، من حيث تعريفه ومصادره ونتائجه وطرق مواجهته.

وهناك في الفكر العلمي العالمي دراسات متعددة عن التطرف الأيديولوجي والإرهاب، بحيث يحار الباحث أي دراسة يعتمد عليها إن أراد أن يقدم تعريفاً للتطرف الأيديولوجي وأبعاده المتعددة بغير أن يغوص في خضم النظريات العلمية المتعمقة بلغتها الصعبة، التي ليس من السهل على القارئ العادي أن يلم بها ويفهمها.

وقد لفتت نظري دراسة شاملة لعالم النفس "كيفين دور هايم" من جامعة "ناتال" بجنوب أفريقيا، خصصها لسياسات العلم في مجال التنظير للمعرفة السلطوية، واستعرض فيها بشكل متعمق نظريات أربع تسود في ميدان البحث عن العلاقة بين الأسلوب المعرفي والمضمون الأيديولوجي. وهى "السلطوية، ونظرية التطرف، ونظرية السياق، ونظرية تعددية القيم". وقد حاولت هذه النظريات جميعاً –والتي لا يتسع المجال لاستعراضها– أن تحل مشكلة التعميم النظري العالمي والسياقات التاريخية السياسية. والسؤال المطروح هنا: هل يمكن التعميم على السلوك المتطرف، بغض النظر عن اختلاف المراحل التاريخية، وتباين المجتمعات والثقافات؟

لكل هذه الاعتبارات العملية نقنع بالاعتماد على بعض الدراسات التي تناولت موضوع التطرف بأسلوب منهجي ومبسط في الوقت نفسه، وعلى رأسها دراسة "بارتولي وكولمان" المنشورة في سبتمبر 2003.

التطرف ظاهرة معقدة، رغم أنه من الصعب تلمس تعقيدها. والتطرف–ببساطة– هو أنشطة (معتقدات، واتجاهات، ومشاعر، وأفعال، واستراتيجيات) يتبناها شخص أو جماعة بطريقة تبعده عن الأوضاع السائدة بين الناس. وهى في مواقف الصراع تعلن عن نفسها باعتبارها شكلاً عنيفاً من أشكال الانغماس في الصراع. ومع ذلك يمكن القول إن إطلاق صفة التطرف على الأنشطة والناس والجماعات، وكذلك تعريف الأوضاع العادية في أي موقف، هي مسألة ذاتية من ناحية، وسياسية من ناحية أخرى.

وعلى هذا الأساس يرى "بارتولي وكولمان" في دراستهما المذكورة أنه لابد من وضع الاعتبارات التالية في أي مناقشة للتطرف. فنفس الفعل المتطرف الذي يراه البعض عادلاً وأخلاقياً مثل "الحرب في سبيل الحرية"، قد تراه أطراف أخرى باعتباره غير أخلاقي بل فعلاً إرهابياً مضاداً للمجتمع. ويتم ذلك وفقاً لقيم وسياسات وأخلاقيات كل طرف، وطبيعة علاقاته بالفاعل.

وبالإضافة إلى ذلك فإن إحساس المرء بأخلاقية ولا أخلاقية الفعل المتطرف (مثل حرب العصابات التي قادها نيلسون مانديلا ضد الاستعمار الاستيطاني للبيض في جنوب أفريقيا) قد يتغير مع تغير الظروف (مثل نوعية القيادة، والرأي العام العالمي، والأزمات والسياقات التاريخية). وعلى ذلك يمكن القول إن السياق المعاصر والتاريخي للأفعال المتطرفة تشكل نظرتنا إليها.

والاختلافات في القوة مهمة ونحن بصدد تعريف التطرف، ذلك في المواقف التي تستخدم فيها القوة جماعات نصيبها من القوة ضئيل، في مواجهة أنشطة مشابهة يقوم بها أفراد أو جماعات تدافع عن بقاء الوضع الراهن على ما هو عليه. وبالإضافة إلى ذلك يمكن القول إن الأفعال المتطرفة من الأرجح أن تلجأ لاستخدامها فئات الشعب المهمشة، التي ترى أن وسائل الصراع السلمية لنيل حقوقها مسدودة أمامها.

ومع ذلك يمكن القول إن الجماعات والطبقات السائدة التي قد تساندها الدولة، عادة ما تلجأ إلى أفعال متطرفة لقمع خصومها السياسيين.

وعادة ما تتمثل الأفعال المتطرفة في وسائل عنيفة، رغم أن الجماعات المتطرفة قد تختلف في تفضيلها لتكتيكات عنيفة أو غير عنيفة، وكذلك بالنسبة للأهداف التي ستتوجه لمهاجمتها.

وفى الوقت نفسه فإن الجماعات التي لا تمتلك فائضاً من القوة، من الأرجح أن تلجأ لأشكال مباشرة للعنف (مثل التفجير الانتحاري)، في حين أن الجماعات المسيطرة عادة ما تلجأ إلى أشكال العنف المؤسسية (مثل استخدام التعذيب، أو المعاملة الأمنية الوحشية مع الخصوم السياسيين).

- ورغم أن بعض الجماعات المتطرفة غالباً ما يظن أنها متماسكة ولا تحدث خلافات بين أعضائها، فالواقع يقرر أن هذه الجماعات غالباً ما تسودها الخلافات، سواء حول أهدافها أو وسائلها لتحقيق هذه الأهداف، أو حتى بالنسبة لرؤيتها للعالم.

- وأخيراً يمكن القول إن المشكلة الرئيسية بالنسبة للتطرف وخصوصاً في الصراعات الممتدة، لا تتمثل في عنف الأنشطة التي تقوم بها الجماعات المتطرفة ولكنها في الاتجاهات المتطرفة التي تتمثل في جمودها وثباتها وعدم تسامحها مع الغير، وبالتالي عدم قابليتها للتغير. وهناك ستة مصادر للتطرف، لعل أولها هو الحرمان أي سيادة الفقر والافتقار إلى الخدمات الصحية والغذاء السليم والتعليم والعمل، وكلها تتضافر كمبررات للعنف. فإذا أضفنا إلى ذلك إنكار الحاجات الإنسانية الأساسية (كالحاجة إلى الأمن والكرامة والاعتراف بهوية الجماعات المختلفة، وتعويق المشاركة السياسية، والخبرات غير المحدودة التي تتعلق بإهانة الناس، والفجوة بين ما يعتقد الناس أنهم يستحقونه وما يمكن لهم الحصول عليه...)، كل هذه العوامل أو بعضها يمكن أن تمثل خميرة للتطرف، خصوصاً حين تسد المسالك المشروعة للتعبير عن احتياجات الناس.

والنقطة الثانية أن العنف يبنى بالتدريج من قبل قادة سياسيين يعتمدون على ظروف الناس الصعبة من خلال الترغيب (إعطاء منح مالية لمساعدة المتطرفين أو أسرهم) أو الوعود التي تعطى للمتطرفين أنهم –حتى لو ماتوا أثناء الأعمال الإرهابية– فسيكونون شهداء ولهم الجنة. وهؤلاء القادة يبررون التطرف باعتباره وسيلة فعالة للسيطرة على السلطة. ومن ناحية أخرى فإن الجماعات والطبقات الاجتماعية المسيطرة غالباً ما تغذي التطرف من خلال أساليبها القمعية في التعامل مع الجماعات المتطرفة. والتطرف في منظور ثالث يمثل مخرجاً انفعالياً لمشاعر قاسية، تتعلق بالقهر وعدم الأمان وامتهان الكرامة والضياع. والأفراد الذين يشعرون بهذه المشاعر غالباً ما يجنحون للتطرف والإرهاب.

غير أن بعض النظريات الأخرى ترى في التطرف استراتيجية عقلانية في صراع القوى بين أنصار السلطة ومعارضيها.

ومن ناحية أخرى فالتطرف قد ينبع من تبني أيديولوجيات أخروية (تتعلق بنهاية العالم كما تحدده مجموعة متكاملة من الميثولوجيا)، وقد يتأثر الشباب بهذه الأساطير، من خلال المدارس أو برامج الإعلام أو الزملاء أو الأسرة ذاتها.

وأخيراً هناك نظريات ترى في التطرف ظاهرة مرضية تدفع لطريقة في الحياة تحبذ العنف لكي تعطي الشخص أو الجماعة إحساساً بالحياة، ويتم ذلك أحياناً من خلال تدمير الحياة نفسها، كما يحدث في التفجيرات الانتحارية.

وأياً كان الأمر، فهناك حاجة لمواصلة البحث لتحليل ظاهرة التطرف ونتائجه.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-19-4-2007