إمبراطورية المصالح:قراءة في صناعة القرار  الطريق إلى التغيير!

 

أكرم عطا الله

 

نخطئ كثيراً في التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، نخطئ كثيراً في قراءتها، وفهمها وتحليل شخصيتها، وبالتالي التعاطي معها ثم نسأل أنفسنا عن سبب الانحياز الأمريكي ضدنا، فالقراءة الخاطئة تقود إلى فهم خاطئ، ومن ثم إلى نتائج عكسية تفرزها في العادة رؤية سلبية لظاهرة كان يجب أن تخضع للتشريح والتحليل والعرض، والتوقف أحياناً كثيرة على محاولة لفهم هذا "العملاق" كما يصفه الكاتب الأمريكي "جاك بيتي".

فبعضنا يقرأ أمريكا من جوانب سياسية سطحية، تعتقد أن العمل السياسي هو الشكل الطبيعي للتعامل معها، كما أي دولة أخرى، فالاقتراب السياسي والالتزام بموقفها والتحالف معها، يمكن من التغيير تجاهنا نحو التوازن في رؤيتها السياسية للقضايا والحقوق العربية.

وآخر يقدم قراءته من جوانب أخلاقية، ويعمل باتجاه دفع الأمور إلى مواقف قد تخجل، الولايات المتحدة من اتخاذها تجاهنا، هذا بالرغم من عدد الحالات التي تكرر فيها استخدام الممثل الأمريكي لحق الفيتو في مجلس الأمن لصالح إسرائيل، وفي مواقف تخجل من اتخاذها بعض الجماعات الإسرائيلية.

وثالث ينحى باتجاه الجانب العاطفي، فصور الاحتلال والدم والأطفال قد تؤثر رويداً على الضمير الأمريكي فجأة على أمل أن يصحو باتجاه موقف أكثر إنسانية، وأن إنسانية المسؤولين الأمريكيين ستدفع الولايات المتحدة للوقوف في وجه الإجرام الإسرائيلي واستمرار خرق إسرائيل للقانون الدولي واحتلالها للأراضي العربية، مع أن المراقب لتاريخ الولايات المتحدة خلال نصف القرن الماضي، يدرك أن هذا الجانب لا يمكن أن يؤثر في توجهات السياسة الأمريكية.

وقد عبر عن ذلك صراحة أحد خبراء الشرق الأوسط في إدارة كلينتون في أحد اللقاءات غير الرسمية مع بسام أبو شريف مستشار الرئيس عرفات في صيف 98 حين قال له بوب: "أنتم سذج... تأكد يا بسام أن الرأي العام الأمريكي يعلم أن قضيتكم عادلة... فإذا بقيتم تظنون أن عدالة قضيتكم وقرارات الشرعية الدولية، والعدالة الإلهية ستنصفكم فأنتم مخطئون".

واتجاه رابع يعطي للجانب الشخصي الأهمية الأكبر، حيث يعتقد أنه من خلال بناء علاقات صداقة مع المسؤولين الأمريكيين من الممكن التأثير على قراراتهم ومواقفهم، وتدفعهم للتعاطف معنا، وأن لوبي من هذا النوع يقوم على العلاقات الشخصية، قد يكون أقصر الطرق لدفع القرار الرسمي الأمريكي نحو التوازن.

وفي هذا خطأ أيضاً يشير إلى جهل في فهم الطبيعة الأمريكية، ويمكن أخذ تجربة "جورج شولتز" وزير الخارجية الأمريكي في حكومة "ريجان" كمثال على ذلك، حين أصبح وزيراً بعد خروج ألكسندر هيج، أيامها كان جورج شولتز عضواً في مجلس إدارة شركة "كونسوليدت العربية للمقاولات" الذي يرأسه المليونير الفلسطيني "حسيب صباغ" وهو صاحب أكبر نصيب في الشركة.

بعد عدة أسابيع كان حسيب صباغ يرتب لزيارة أمريكا، وخطر له وهو يرتب برنامج سفره أن يطلب مقابلة صديقه وزميله السابق في مجلس إدارة شركته "جورج شولتز" فبعث إليه برسالة شخصية، وفي اليوم التالي تلقى حسيب صباغ رداً من سكرتيرة الوزير شولتز تحيطه علماً بأن الأوضاع تغيرت: صداقته الشخصية مع شولتز متوقفة طالما هو في منصبه، والمرجو منه ألا يتصل مباشرة بالوزير أو بمكتبه ولا يطلب مواعيد معه لأن مجال نشاطه مما لا يشمله اهتمام الوزير حالياً، وإذا كان لديه ما يقوله فإنه يستطيع أن يبعث به إلى مكتب وزير الخارجية كما يفعل أي مواطن في أي بلد في العالم.

البعض يحاول أن يقدم قراءة صحيحة للولايات المتحدة، قراءة "المصالح ورأس المال" لكن تلك القراءة لا تجد ترجمة لها حين يصبح التعاطي مع الولايات المتحدة أمراً سياسياً يومياً.

كان يتوجب أن ندرس أمريكا بعمق، خاصة وأن حاجتنا تتطلب أن نقوم بذلك بشكل يجعلنا أقدر على التأثير على القرار الأمريكي ليس بالشكل المبالغ فيه، لكن أفضل من هذه الحالة التي يظهر فيها ثلاثة مواقف أمريكية متناقضة تماماً تجاه الفلسطينيين خلال شهر واحد، وأكثرها إيجابية لا يرقى إلى مستوى مجاملتنا، وتلك المواقف المتناقضة تجعلنا أكثر تشتتاً في فهمها من جديد، ومن ثم إلى إنتاج سياسة أكثر بعداً عن المواقع تجاهها.

ليس هناك مبالغة في القول إن العواصم العربية تمتلك من الإمكانيات ما يمكنها من التأثير على السياسة الأمريكية، ففي السعودية وحدها أكثر من 200 شركة أمريكية، تعمل في مجالات البناء، والنفط، والدفاع، مرتبطة بعقود تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، ولكن الرؤية الخاطئة جعلت العرب غير قادرين على تقييم ومعرفة أهمية أوراق القوة الحقيقية التي يمتلكون، وفي أحيان كثيرة تحولت إلى أوراق ضعف ضد السياسة العربية.

كان يتوجب أن ندرس طبيعة أمريكا، كيف يصنع القرار وكيف تطبخ السياسة في واشنطن، وعلى أي أسس تتخذ السياسة الأمريكية، وأين موقع رأس المال من رؤوس صانعي القرار في أروقة المؤسسات الأمريكية الهامة، وهل يصنع القرار الأمريكي في البيت الأبيض ومجلس النواب والكونغرس حقاً؟ أم هناك مؤسسات أخرى مجهولة تطال أيديها ما لم تصله المؤسسات الرسمية؟ وإذا كان كذلك أي المؤسسات تلك؟ وكيف يمكن الوصول إليها؟ وما هي أقرب الطرق؟

تساؤلات كثيرة قد تطول لأن هناك ما هو جدير بالمعرفة، ليس من أجل المعرفة فقط، بل كي تشكل مفتاحاً لتحرك سليم لبلورة سياسية تعطي الكثير من العمل الشاق غير القادر على تحقيق نتائج فعلية وتوفر الكثير أيضاً من المال والوقت والجهد.

الحاجة إلى معرفة الولايات المتحدة ليست ترفاً فكرياً يمارسه كاتب من أجل المعرفة بل هي حاجة ضرورة للعديد من الأسباب التي تجعل من دراستها أمراً هاماً وهي:

أولاً:

لأن الولايات المتحدة تمتد بمصالحها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ومن شمال العالم حتى جنوبه، ويفرض حضورها نفسه على كل عواصم العالم فهي موجودة في كل الدول تقريباً، إما بشكل قوات عسكرية مثل منطقة "الخليج العربي"، أو كأنظمة سياسية تابعة تحرك سياستها وفق ما تقرره واشنطن، أو كأجهزة مخابرات في العديد من الدول، أو كشركات تمتد خيوطها حتى نيويورك.

ثانياً:

لأن الولايات المتحدة لم تعد جزءاً من القرار الدولي، بل أصبحت السياسة الدولية تصنع في البيت الأبيض والكونغرس فيلاحظ القارئ كيف تعمل الأطراف العربية جاهدة والطرف الفلسطيني بشكل خاص للتحضير لاجتماعات الأمم المتحدة ومجلس الأمن من لجان وملفات ووفود وخبراء ومستشارين وغير ذلك، لكن القرارات الصادرة والتوصيات عادة لا تتم لصالح الطرف الفلسطيني أو العربي، ولم يتخذ قرار دولي في الأمم المتحدة أو مجلس الأمن يلزم إسرائيل بالكف عن عدوانها، فيما لا تبذل إسرائيل جهوداً خارقة لتكون لها كل تلك الحماية في المؤسسات الدولية.

ثالثاً:

لأن الولايات المتحدة حالة فريدة من نوعها من حيث النظام السياسي، فهي لم تتشكل كدولة مثل كل الدول، مجموعة ولايات، الكثير منها كان عبارة عن شركات منذ القرن السابع عشر، تحولت الشركة إلى ولاية ووضعت لها قوانينها التي لا تختلف كثيراً عن قوانين الشركة، ثم اتحدت تلك الولايات لتشكل نظام شق لنفسه تجربة جديدة ليعبر عن مصالح الولايات مجتمعة أو الشركات، وسنعرض ذلك لاحقاً.

وهي نظام إدارة وليست نظام "حكومة الولايات المتحدة" إذ لا يلعب الوزراء دوراً في صناعة القرار، وليس هناك اجتماع وزاري يضم الوزراء، بل لقاء عمل قصير مع كل وزير على حدة حين الضرورة، أما القرار السياسي فيقوم به آخرون، مثل مستشار الرئيس للأمن القومي، ورئيس وكالة المخابرات المركزية ووزير الخارجية (ساندي بيرجر، جورج تينت، مادلين أولبرايت) طاقم الرئيس السابق بيل كلينتون (كوندو ليزارايس، جورج تينت، كولن باول) طاقم الرئيس الحالي بوش، وفوق هؤلاء جماعات الضغط الخفية ورؤساء الشركات.

رابعاً:

لأن العصر الحالي هو عصر الإمبراطورية الأمريكية، فهي تقود العالم إذ تبدو واشنطن العاصمة الدولية، فيما نيويورك عاصمة العالم الاقتصادية، فخلال نصف القرن الماضي شاركها الاتحاد السوفيتي في قيادة الكون، خلال أربعة عقود من الحرب الباردة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد شكلت موسكو وواشنطن قطبين متنافسين، قسمتا العالم إلى نصفين، لكن في العقد الأخير انفردت الولايات المتحدة بالزعامة ويبدو أنها مرشحة لعقود قادمة لدور زعيم العالم.

خامساً:

لأن حركة أمواج المحيط الأمريكي تهز أشرعة كل الدول، فهي الدولة المستقلة الوحيدة في قرارها حالياً، ويمكن ملاحظة تبعية بريطانية للسياسة الأمريكية، أو أزمة الاقتصاد الروسي وحاجته للدعم الخارجي، أو السقف العسكري للكثير من الدول هي في حاجة للحماية الأمريكية، أو الدعم السياسي.

سادساً:

لأن الولايات المتحدة أصبحت مركز الإنتاج العالمي من السلاح حتى الهامبورغر، والإنتاج الإعلامي (حجم تدفق المعلومات ونصيب هوليود في وسائل البث، ونظريات الحداثة (صامويل هتنجتون وفرانسيس فوكا ياما) وغير ذلك، وما يتبعها من ثقافات تفرزها الحالة الإنتاجية، بما يؤدي إلى فرض النموذج الأمريكي وتأثيراته على ثقافات وحضارات الشعوب المتوارثة بعضها لآلاف السنين، ويتم ذلك في وقت أسرع مما يعتقد البعض، لأن العالم أصبح قرية كونية من الصعب أن تعزل الدول نفسها في محاولة لمقاومة تيار العولمة الجارف.

سابعاً:

لأن الولايات المتحدة هي المالك الوحيد دون شريك لمفتاح الحل في الشرق الأوسط، وهذا السبب يملي خصوصية فلسطينية لقراءة أمريكا، بالإضافة إلى الأسباب السابقة، ونظراً لطبيعة العلاقة المعقدة بينها وبين إسرائيل والتي تبدو عصية على الفهم أحياناً كثيرة، إذ تشير بعض الآراء إلى سيطرة إسرائيل واللوبي اليهودي على القرار الأمريكي، وهي مبالغة خاطئة تماماً، نتيجتها الوحيدة الاستسلام وتبرير العجز والتوقف عن الكفاح ضد إسرائيل، وقد راجت تحليلات من هذا القبيل خلال العقود الماضية، وخصوصاً بعد أن سجلت إسرائيل انتصارات في حروبها على بعض الدول العربية، فيما قبل البعض الآخر النتيجة، وهذا أسهل الطرق لتبرير الهزيمة والعجز.

في إطار محاولة فهم الولايات المتحدة سنعرض ثلاث قراءات تشمل النظام الأمريكي، وصناعة القرار في الولايات المتحدة، وكيف تعمل المصالح الأمريكية في داخل الولايات وخارجها، وتقدم هذه القراءات صورة للنموذج الأمريكي وهي:

كتاب العملاق

محرره الكاتب الأمريكي جاك بيتي وقد شارك في وصفه ثلاثين مؤلفاً قام بعضهم على كتابة أكثر من فصل، وقصدهم أن يكون نظرة في العمق على نشأة الدولة والقوة الأمريكية ويمثل كاشف للتجربة الأمريكية، وقد قام بعرضه الكاتب محمد حسنين هيكل.

في مقدمته لعرض الكتاب يقدم محمد حسنين هيكل عشر ملاحظات يعتبرها مفاتيح لفهم الولايات المتحدة منها:

الأول:

تأسست أمريكا على العنف والقسوة، وطرد الهنود الحمر الذين كان عددهم عندما قامت الولايات المتحدة في القرن السابع عشر خمسين مليوناً، ولم يعد باقياً منهم غير مليونين أو ثلاثة، ومن خلال القوة والإبادة، كان على الضمير الأمريكي أن يجد مسوغات معنوية ونفسية، تبرر له جوانب العنف والقسوة. في مغامرته تجاه المواطنين الأصليين، فظهرت نظرية المنفعة وخلاصتها:

ـ الله لم يخلق الأرض وما عليها عبثاً وإنما خلقها لبشر سواهم على مثاله.

ـ إذا كان ذلك فإن البشر هؤلاء البشر مكلفون بما ينفع الأرض.

ـ إذا كان نفع الأرض هو هدف البشر فإن الأقدر منهم على النفع هو الأحق بالقيام به.

ـ إذا كانت الأرض موجودة بحوزة الهنود الحمر منذ نشأة الحياة ولم يقوموا بحقها فإن مشيئة الله تتحقق بأن يحل محلهم من هو أقدر منهم.

فظهرت أخلاقيات وقوانين وقواعد نظرية المنفعة الأمريكية ومشى فقهها من بداياته إلى نهاياته على أساس أنه إذا كان هناك ما هو نافع مطلوباً، فإن ما هو نافع مشروع مهما كانت وسائله وكذلك يجب أن يستقر القانون وتصاغ مواده.

وهنا يقول هيكل يمكن فهم ما يراه العرب، وينسبونه أحياناً إلى بلادة في شعور الرأي العام الغربي تجاه فلسطين، التي يبدو سكانها في الرأي الأمريكي أشبه بالهنود الحمر، وأتى المستوطن اليهودي ليعمر الأرض، ويلاحظ في هذا الإطار الحديث لنا حين تقرر أمريكا "ما هو نافع" ونافع لمن، بالتأكيد للمصلحة الأمريكية فإن كل الوسائل متاحة ومشروعة يقررها القانون، ماذا يعني قتل ملايين من العراق أو أفغانستان أو آلاف في فلسطين بالنسبة لأمريكا؟

الثاني:

 لم يُعد الأمريكان اختراع الأشياء ولا أرهقوا أنفسهم من بداية الأمر، بالفلسفات والأدب والموسيقى وإلى قاطرة البخار والعدسات، فكل شيء موجود في السوق الأوروبي، ومعروض للبيع (والحديث هنا عن القرنين السابع عشر والثامن عشر).

وهنا يمكن فهم تعود الأمريكان على طلب الأشياء مادية ومعنوية من حقوق الثروات الطبيعية إلى حقوق السيادة الوطنية بلا عناء، مقابل ثمن نقدي يدفع ثم يتم شحن البضاعة.

ـ ما جرى في صفقة الرئيس الصربي السابق (سلوبودان ميلو سوفيتش وكانت الصفقة بيعاً وشراء، تسليماً وتسلماً قيمتها بليون دولار).

ـ شراء السلام بين مصر وإسرائيل مقابل مبلغ من المال يدفع لمصر وإسرائيل بشكل دائم تم الاتفاق عليه في كامب ديفيد الأولى عام 1978 بمبلغ خمسة مليارات دولار تقسم بنسبة أكثر من 3 لإسرائيل وأقل من 2 لمصر ولمدة 20 سنة قابلة للتجديد حتى يستقر السلام ويترسخ.

ـ محاولة شراء صفقة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بمبلغ 35-40 مليارد دولار عرضها الرئيس كلينتون على الرئيس عرفات.

ـ هذا جزء من العقل الأمريكي، فلم تتشكل الولايات المتحدة دفعة واحدة، بل خاض جورج واشنطن معركة الاستقلال، وبعدها اتحدت بعض الولايات ثم حرب أهلية، وفي إطار ذلك كان الوطن الأمريكي نفسه يتشكل بصفقات تجارية وليس بالفتح العسكري.

ـ جزيرة مانهاتن وعليها نيويورك، وجرى شراؤها مرتين من زعيم هندي أحمر باعها لشركة هولندية، وبعدها بعشرات السنين باعتها الشركة الهولندية إلى الولاية الأمريكية.

ـ ولاية كاليفورنيا، صفقة بالبيع والشراء من أسبانيا.

ـ ولاية لويزيانا، صفقة مع فرنسا.

الثالث:

دولة معزولة طبيعياً، المحيط الأطلسي شرقاً والهادئ غرباً، فلم يتم تهديدها سابقاً ولم تشارك في الحربين العالميتين الأولى والثانية نتاج تهديد أمني، كما دخلت جميع الدول منذ الأزل حروبها، بل بغير نظرية أمن، وكانت تلك أول إمبراطورية في التاريخ لديها "نظرية مصالح"، وليس نظرية أمن، ذلك أنه في غياب التهديد لا يوجد مطلب أمني، فلم تهدد عاصمتها مثل بقية العواصم بل دخلت الحروب وفق حسابات هادئة تجرى تقديراتها من بعيد، تدقق وتختار لحظتها المناسبة وحين تكون الضرائب أقل والفوائد أكثر.

الرابع:

إن نظرية المصالح لابد وأن تجد في ممارسة الصراعات وسائل أخرى، ولا تحتاج إلى الصمود، ولا تنتظر التضحية، ولا تلاقي الشهادة، ومعنى ذلك أن عليها أن تمارس صراعاتها أو حروبها بوسائل مبتكرة، أهمها أن تكون المعارك عن بعد، وأن يحقق النصر بغير دم أمريكي، لأن الدم الأمريكي قد يسيل، وهنا فسوف يكون السؤال باستمرار: أي مصلحة؟ ثم مصلحة من؟ وأين النتيجة في النهاية؟

وهكذا ظهرت ومورست استراتيجية "مصالح أمريكية" راحت ترسم خططها وتجرى خطواتها خطوة بعد خطوة.

ثم ينتقل هيكل لعرض مشاهد من كتاب العملاق الذي أعدته نخبة أمريكية وتلك المشاهد تغوص بشكل أعمق في تحليل نفسي دقيق للتجربة الأمريكية، وقد اخترنا بعض هذه المشاهد:

يقول كاتب هذا الفصل (وهو المؤلف الأمريكي): "إن من يريد أن يفهم أمريكا عليه أن يدرس بعناية فكرة المساهمة المحدودة"، ثم يضيف: "إن بداية الولايات المتحدة الحقيقية كانت شركات من نوع فرجينيا، وكان رأس مال شركة فرجينيا مائة ألف جنيه إسترليني بنقود ذلك الزمان (1607)، وكان أهم ما قامت به الشركة، شق طرق واصلة إلى مختلف أنحاء فرجينيا، وقد فرضت الشركة رسوم مرور يدفعها المسافرون عليها في كل مرة يستفيدون منها، وكان ذلك اختراعاً جديداً في آراء الخدمات، يستوفي ثمنها أولاً بأول من لحظة إنشائها، وخلال مائة سنة كانت الشركة هي الولاية والولاية هي الشركة (شركة فرجينيا ـ ولاية فرجينيا).

مشهد:

 يورد جاك بيتي محرر الكتاب واحداً من تقارير شركة فرجينيا مكتوباً سنة 1624، ومرسلاً إلى جمعية المساهمين فيها في لندن، وفيه بالنص: "إن الخلاص من الهنود الحمر أرخص بكثير من أية محاولة لتمدينهم، فهم همج، برابرة، عراة، متفرقون جماعات في مواطن مختلفة، وهذا يجعل تمدينهم صعباً، لكن النصر عليهم سهل، وإذا كانت محاولة تمدينهم سوف تأخذ وقتاً طويلاً فإن إبادتهم تختصر، وسائلنا إلى النصر عليهم كثيرة، بالقوة، بالمفاجأة، بالتجويع، بحرق المحاصيل، بتدمير القوارب والبيوت، بتمزيق شباك الصيد، وفي المرحلة الأخيرة المطاردة بالجياد السريعة، والكلاب المدربة التي تخيفهم لأنها تنهش جسدهم العاري".

في فصل كتبه المؤرخ الإنجليزي الشهير "جول جونسون" ضمن فصول كتاب العملاق بدأ جونسون كلامه قائلاً: "هناك في تاريخ أمريكا نوعان من الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، نوع من صانعي الاستقلال وكاتبي وثائق الدستور، قادروا محاولة تطوير الشركة إلى دولة، رجال مثل ألكسندر هاملتون، وصمويل جونسون وجيمس ماديسون، وبنيامين فرايكلن وغيرهم. ونوع ثان من "البارونات اللصوص" قادوا الرأسمالية الأمريكية وحاولوا أن يحموا الشركة من طغيان الدولة، روكفلر ثم رجال مثل فورد، و فاندربيلت وديللون وراند".

وكان عالماً جديداً واعداً وقاسياً في نفس الوقت، لأن السيطرة على هذه السوق المتسعة كل يوم، تحتاج إلى وسائل مختلفة، وينقل "جاك بيتي" نص خطاب بعث به المليونير "كورنيليوس فاندربيلت" إلى منافس له معتبراً، أن ذلك الخطاب والحديث لهيكل "أبلغ تصوير وقع عليه لروح الرأسمالية الأمريكية المتوحشة، والخطاب شديد الاختصار موجه إلى شريك (فاندربيليت)، تحول إلى منافس له وأقام شركة مستقلة، والنص كما يلي موجه إلى مجلس إدارة الشركة المستقلة:

"السادة: أنكم حاولتم خداعي، لن أقاضيكم لأن إجراءات القانون تأخذ وقتاً طويلاً ولهذا فإني سوف أخرب بيوتكم".

المخلص كورنيلوس فاندربيليت ومن الممكن قياس ذلك "الإضافة من عندنا" على حرب الولايات المتحدة ضد ما تسميه بالإرهاب ضد بن لادن والقاعدة كالتالي:

بن لادن وجماعته:

إنكم خدعتموني بعد أن دعمتكم، ولن أقاضيكم وليس لدي وقت لإثبات التهمة عليكم فإجراءات الإثبات والمحاكم والبحث عن الدليل تأخذ وقتاً طويلاً ولهذا فإني سوف أخرب بيوتكم وبيوت أفغانستان التي استضافتكم وبيوت كل من يقف معكم "حزب الله، حماس، الجهاد الإسلامي، المقاتلين الكشميريين كمنظمات إرهابية".

المخلص رئيس الإدارة الأمريكية

لا داعي لإضافة كلمة مجلس لتصحيح "رئيس مجلس الإدارة الأمريكية". ينهي هيكل العرض قائلاً: "في بدايات القرن التاسع عشر أدركت الرأسمالية حاجة التعليم فأقيمت الجامعات وإلى جانب التعليم أدركت الرأسمالية حاجتها إلى المعرفة، لذا فإن مؤسسات الفكر والبحث الكبرى تحمل أسماء القادرين على التمويل والدعم، روكفللر، فورد، راند وغيرها (لاحظ أسماء البارونات اللصوص).

في مجلة وجهات نظر العدد الثاني مارس 99، قام الكاتب لارس أيريك نيلسون بعرض كتاب "شراء الكونغرس: كيف استولت المصالح الخاصة على حقك في الحرية وابتغاء السعادة" ومؤلف هذا الكتاب هو تشالز لويس مدير مركز "النزاهة في الحياة العامة" ويقدم الكتاب كما يكتب لويس، وجهة نظر أوسع بشأن الأموال الخاصة التي تقف وراء ما يشرعه الكونغرس وما لا يشرعه، وهذا موضوع كبير بل هو حياة أمريكا نفسها.

وبالمناسبة فقد أصدر لويس كتاباً آخر بعنوان "شراء الرئيس" سنة 2000 يقول نيلسون في عرضه للكتاب تحت عنوان "عندما يحسم المال قرار الكونغرس ـ ديمقراطية للبيع" أنه في دراسة حديثة تشير (جنيفر شبكتر وهي مركز السياسة المستجيبة) تشير الدراسة إلى أن عشرة من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب، الذين تلقوا أكبر مساهمات من صناعة السكر الأمريكية، صوتوا جميعاً لمصلحة الإبقاء على حصص السكر التي تظل بموجبها أسعار السكر مرتفعة للمستهلكين، ووردت مطابقات أخرى مشابهة فيما يتعلق بصناعة الأخشاب والطائرة القاذفة B-2 وصناعة القمار، وتشريع قيادة السيارات في حالة السكر، وغيرها إلا أن مثل هذه الدراسة لا يمكن القيام بها، فيما يتعلق بقانون المخصصات البالغة 512 مليار دولار الذي تم التصويت ضده في الكونغرس، والسبب بسيط وذكي فلم يكن هناك تصويت على مواد فردية، ونفقات المصالح الخاصة لمحاسيب حددتها حفنة من أعضاء الكونغرس خلف أبواب مغلقة، ومن ثم قدمت لكامل الأعضاء والرئيس على هيئة صفقة، إما أن تقبل بالكامل أو ترفض بالكامل ولا يدري أحد ما الذي فعله الكونغرس على وجه الدقة، فقد احتوى مشروع القانون النهائي على أكثر من4 آلاف صفحة وكان وزنه أكثر من أربعين رطلاً كما كان من الصعب قراءته، وهو المطلوب!

في عرضه للكتاب (شراء الكونغرس) ينشر نيلسون نقلاً عن لويس مؤلف للكتاب بعض القضايا التي تسلط الضوء، على تأثير الأموال وجماعات الضغط على القرارات في الكونغرس، وكيف تعمل الأصابع الخفية في داخل المؤسسة الأمريكية إذ يقول: بينما لا يتضح تماماً أن أي شخص يمكنه إثبات ما يؤخذ مقابل شيء ما ـ أي المال مقابل تصويت معين ـ فإن العلاقة بين المال المدفوع والتشريع، تظهر وجود رابطة مثيرة للتعلق، فعلى سبيل المثال أقنع زعيم الديمقراطية في مجلس النواب "ريتشارد جيهارت" الرئيس كلينتون بألا يفرض ضرائب على البيرة، لكي يمول خطة الصحة المقترحة التي أعلن عنها، وعلى مدار السنوات العشر الماضية حسبما يقول لويس تلقى جيهارت 318,950 دولار مساهمات في الحملات الانتخابية التي أعطتها له شركات "انهويزر ـ بوش" أو تسببت في حصوله عليها. وهذه هي أكبر منتج للبيرة في الولايات المتحدة.

إلا أنه في واحدة من الحالات الأخيرة الصارخة لم تكن هناك أية بصمات بالمرة، إذ تظل صناعة التبغ بزعامة فيليب موريس وأرجى أرنا بسيكو، واحدة من أكبر مصادر الأموال السياسية في أمريكا.

ففي سنة 1997 دست جملة مكونة من ست وأربعين كلمة بطريقة غامضة عبر كل من مجلس النواب والشيوخ دون أن يكون لها صاحب واضح، وكانت ستعطي صناعة التبغ إعفاءً مقداره 50 مليار دولار من الضرائب وعلم بعد ذلك أن رئيس مجلس النواب آنذاك "بنوث جنجرش"، وزعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ "ترنث لوت" كانا قد أصرا عليها.

ويعطي نلسون أمثلة لتلاعب الأموال في المؤسسة الأمريكية فيقول: إذا أردنا التخلص من مفوض إدارة الأغذية والأدوية، كنت أمول جماعات الإيدز، وأجعلها تشيع أنه لا يجُيز أدوية الإيدز بالسرعة الواجبة، وهنا يعلو صوتها بالاحتجاج، وتذهب إلى الرئيس وتجعله يفصل مفوض الأغذية، من الذي سيستفيد من ذلك؟ التبغ بالطبع غير أن جماعات الإيدز تقوم بهذا العمل الحقير لأنها متورطة، وهكذا يتم الأمر إنك لا تترك بصماتك على مسرح الجريمة.

في عرضه يضرب نيلسون مثالاً أبرز على جماعات الضغط في صناعة القرار خارج الولايات المتحدة ودورها غير البارز في السياسة الأمريكية وتحديداً دور صناعة الأسلحة، وقد كتب عن ذلك وليام دهارترنج مقالاً بعنوان "السياسة الخارجية لصناعة السلاح الأمريكية" في يوليو 2001  باستفاضة عن دور السلاح في السياسة.

يقول لويس أنه عندما صوت الكونغرس في العام 1998 على ضم بولندا والمجر وجمهورية التشيك إلى منظمة معاهدة شمال الأطلنطي (الناتو)، فقد أقر توسعاً كانت تسعى إليه شركات تصنع الأسلحة المتلهفة إلى بيع منتجاتها للأعضاء الجدد في الناتو، والتي لابد أن تجدد ترسانتها كي تحقق معايير (التشغيل البيني) الخاصة بالناتو، وهو تعبير محير نجده بصورة مثيرة للاهتمام في شعارات الحزب الجمهوري، وكان حشد التأييد السياسي لتوسيع الناتو ممولاً من "لوكهيد كوربوريشن" أكبر شركة لصناعة الطائرات. ثم يعطي لويس إجابة على السؤال الأساس لنفوذ المال الزائد على السياسة الأمريكية فيقول "إذا كنت تخوض معركة الانتخابات لدخول مجلس الشيوخ عن ولاية نورث كارولينا على سبيل المثال فإن ذلك سيكلفك حوالي ثمانية ملايين دولار، لابد أن تأتي عن مساهمات لا تزيد عن ألف دولار (وفقاً للقانون)، فإذا اتصلت بألف صديق يمكن أن يحرروا لك شيكات قيمة كل منها ألف دولار فإنك تحصل بذلك على ثُمن ما تريد، وتظل بحاجة إلى سبعة ملايين دولار، وفي تلك الأثناء يكون أعضاء جماعات الضغط ومساهمو الحملات الانتخابية الذين يمكنهم أن يزيحوا هذا العبء عن كاهلك واقفين هناك وهم يبتسمون.

أما القراءة الثالثة التي قدمها الدبلوماسي الأمريكي شبلي تلحمي إلى الأمم المتحدة خلال أزمة الخليج فقد انحصرت حول قرار واحد وهو قرار الحرب على العراق عام 1990. ومع أن ما عرضه تلحمي لا يظهر وجود واضح لدور الشركات والمصالح الخاصة في ذلك القرار، إذ يبدو على أنه قرار سياسي محصن، لكن النتيجة النهائية تشير إلى تحالف المصالح والشركات مجتمعة في منطقة الشرق الأوسط.

ففي قراءته التي حملت الردود على معظم ما قيل من تحليلات ونشرتها مجلة الدراسات الفلسطينية العدد 15، حاول تلحمي الإجابة على تدخل الولايات المتحدة عسكرياً، ومعتبراً أن الحجة القائلة أن الدافع الرئيس للتدخل هو*  التفسير، وتصريحات رسمية أكدت ذلك، بالتحديد، ريتشارد شيني وجورج بوش، لكن ثغرات خطيرة تشوب هذا التفسير إذ تشيد الأدلة المتعلقة بنمط تجارة النفط في الشرق الأوسط إلى أن الدول في المنطقة تبيع النفط بمعزل عن التحالفات الأيديولوجية والسياسية، وليس من الواضح استيلاء العراق على شبه الجزيرة العربية بكاملها حتى شكل تهديداً خطيراً كان من الممكن أن يكون له أثر كبير في السوق النفطية على المدى البعيد.

هناك شرح آخر سائد كما يقول هو أن إسرائيل ومؤيديها في الولايات المتحدة كانوا السبب الأساس في استخدام القوة ضد العراق، وقد لاقى هذا التفسير أنصار كثر في الشرق الأوسط حتى بين الدول العربية التي انضمت للتحالف، وأمور كثيرة تدعم هذا الشرح بأن مصلحة إسرائيلية جوهرية في أن ترى الآلة العسكرية العراقية مدمرة، والخيار الذي اعتمدته الولايات المتحدة يلتقي مع المصالح الإسرائيلية، ويثبت ذلك التصريحات الإسرائيلية عند مراجعتها خلال الأشهر التي سبقت دخول العراق للكويت أنها سعت لتسليط الأضواء على أن العراق يمثل تهديداً، خاصة بعد "التبجح العراقي" كما يقول تلحمي بقدراته العسكرية والأسلحة الكيماوية القادرة على أن تطال إسرائيل.

غير أن هناك ثغرات كبيرة في هذا البرهان، فالنظريات المتعلقة بتأثير اللوبي الصهيوني في السياسة الخارجية الأمريكية تركز عادة على أن تقول إن اللوبي في الكونغرس، أقوى مما هو عليه في البيت الأبيض، وأقوى في الحزب الديمقراطي مما هو عليه في الحزب الجمهوري، لكن واقع الأمور في أزمة الخليج هو أن رئيس الولايات المتحدة كان أول من اتخذ القرار في استخدام القوة حين كان الكونجرس متردداً وغير راغب في ذلك، فالرئيس بوش ربما كان سعى فعلاً إلى قرار تتخذه الأمم المتحدة حيال هذه القضية كوسيلة ضغط إلى حد ما على الكونغرس كي يدعمه، وكان الديمقراطيون أكثر ميلاً من الجمهوريين لمعارضة استخدام القوة، وموقف الرئيس بوش من طلب عشرة مليارات كقروض مضمونة يدل على ذلك في الواقع، فالرسميون الإسرائيليون كانوا حتى قبل أزمة الخليج شكوا من موقف واشنطن، وفي ربيع 92 كان العديدون في إسرائيل ومؤيدوها في الولايات المتحدة يتهمون الرئيس بوش ووزير خارجيته جيمس بيكر بأنهما ضد إسرائيل، إذن ليس من الممكن تجاهل العيوب في هذا التحليل.

أما الشرح الذي يقول أن المؤسسة العسكرية الأمريكية وجدت في أزمة الخليج فرصة سانحة لصياغة دور جديد لها إثر زوال التهديد السوفيتي، وهو يبدو معقولاً للغاية لكن الوقائع لا تتفق مع الافتراضات بسبب أن عدداً كبيراً من ذوي أرفع الرتب من الجنرالات بمن فيهم رئيس الأركان العامة "كولن باول" كانوا الأكثر اعتراضاً على استخدام القوة.

أما المنطق القائل إن شركات النفط الأمريكية المفترض أنها ذات تأثير رئيس من ولاية تكساس كانت العامل الأساس في القرار الأمريكي هو أيضاً موضع تساؤل، إذ متى كان احتمال ارتفاع أسعار النفط وانخفاض التمويل يشكلان عامل تهديد لشركات النفط؟

ثم قدم تلحمي إجابته التي تشرح التدخل الأمريكي في المنطقة مع عدم إنكار جميع ما سبق، إلا أنه لم يعتبرها أنها تشكل عامل رئيس في القرار الأمريكي لكنه اعتبر أن هناك سلسلة من التصريحات العراقية وردت على أعلى المستويات لفتت انتباه واشنطن وولدت قلقاً جدياً إزاء السياسة العراقية، ومما أثار حقاً القلق الكبير لدى الرسمية الأمريكية الخطاب المهم الذي ألقاه الرئيس العراقي في مجلس التعاون العربي في عمان في الأردن في فبراير 1990، فقد حذر الرئيس العراقي زملاءه العرب مما ينتابه من مخاوف حيال الهيمنة الأمريكية بعد ضعف الاتحاد السوفيتي وتحدى وجود الأسطول الأمريكي في الخليج محذراً، إذا لم تتدارك الشعوب الخليجية مع بقية العرب هذا الأمر فإن منطقة الخليج العربي ستحكمها إدارة الولايات المتحدة.

ثم ينتقل في خطاب الرئيس إلى ما نعتبره نحن أهم قضية تتماثل مع العروض السابقة إذا اقترح الرئيس العراقي صدام حسين نقل الاستثمارات العربية في الولايات المتحدة إلى أماكن أخرى تماماً كما تتحكم إسرائيل بمصالح لها تستخدمها للضغط على إدارة الولايات المتحدة وبالإمكان فعلاً تحويل بعضها إلى الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية.

ويقول تلحمي أدت هذه التصريحات إلى رفع الرايات الحمر في واشنطن وكان هناك قلق أمريكي حقيقي من التهديدات العراقية المحتملة إزاء السياسة الأمريكية الأعم في المنطقة.

وفي ختام مؤتمر القمة في بغداد يقول الموظف في الخارجية الأمريكية في نهاية أيار اتضح جلياً أن التصريحات العراقية التي صدرت في أوائل العام لم تكن مجرد انحرافات وهمية، إنما كانت إشارة طموحات عراقية أوسع "...الرغبة الإمبريالية الأمريكية.... إنني استعمل كلمة إمبريالية "يقول الرئيس العراقي" هنا فقط ففي الواقع لم استخدم هذه الكلمة منذ فترة طويلة لكن عندما اطلعت على مذكرة تقدمت بها مجموعة تعمل في وزارة الخارجية الأمريكية تشير إلى أنه ينبغي علينا عدم استعمال كلمة إمبريالية، قررت أن أستعملها".

يختتم الدبلوماسي الأمريكي قائلاً بعد أن قدم رؤيته: "لم يكن في نيتي إنشاء معلومات سرية يمكن أن تثبت دوافع أمريكية محددة للتدخل في الخليج، لا اعتقد بوجود مثل هذا البرهان، إن واحدة من الأمور المثيرة لشخص أمضى وقتاً ما في الحكومة هي مدى العقلنة لدى صانعي السياسة ومدى أهمية إعادة بناء الواقع على نحو استنتاجي.

القراءات الثلاث التي عرضناها سابقاً تختلف في مضمونها، فالأولى تعرض جانب تاريخي له علاقة بتشكيل الدولة وتتعرض لها بالجانب النفسي، والثانية تركز أكثر على المؤسسة التشريعية الأمريكية ونظام عملها، والعوامل المؤثر في صناعة القرار فيها، فيما الثالثة تدرس فقط قرار واحد وهو قرار إعلان الحرب على العراق، إلا أنها تتفق في جانب واحد أنها تشكل مفتاحاً لفهم واقعي لطبيعة الولايات المتحدة.

تتقاطع القراءات جميعها والكثير من الدراسات الأخرى، والمراقب للسياسة الأمريكية لا يمكن إلا أن يشمَ رائحة الأموال، والشركات في العديد إن لم نقل معظم القرارات الأمريكية، فيما تختفي تماماً أي تأثيرات أخرى سواء سياسية محضة لا يلعب فيها المال دوراً حيوياً، أو أن للجانب الشخصي أو العاطفي دور فيها.

وقد استطاع الفلسطينيون لمرة واحدة تحقيق نجاح يذكر حين اختلطت السياسة بالأموال، وتضاربت المصالح والشركات، وذلك عندما أعلنت هيلاري كلينتون عن تأييدها لقيام دولة فلسطينية عام 98، حيث لعب أحد الأطراف الفلسطينية دوراً هاماً في إتمام صفقة على النمط الأمريكي، موقف سياسي مقابل مصالح، ولا مجال لذكر تفاصيلها، لكن هذه التجربة الناجحة، لم تتكرر وكان يجب أن تشكل قاعدة للعمل لدى الجانب الفلسطيني في العلاقة مع الولايات المتحدة.

القراءات السابقة تعطي استنتاجاً واضحاً، بأن لا أخلاق ولا قيم تشكل ثوابت في السياسة الأمريكية، فكل شيء محسوب بمدى الربح والخسارة وحجم المدفوعات، وليس هناك حرج كما يبدو في أمريكا من ذلك، الأمر الذي يعني أن التعامل مع الولايات المتحدة بالمثل قد يحقق نتائج أفضل.

ولا أعتقد أن تلك الندية في التعامل بنفس المنطق معها، قد يشكل مصدر استهجان لدى مسؤولي الإدارة الأمريكية، إذ أن البناء النفسي لمعظمهم يبرر وسائل الضغط ونظام الصفقات، فمن المؤكد أن الولايات المتحدة تستغرب طبيعة علاقة العرب تجاهها وتستغرب أكثر سذاجتهم في التعامل معها.

وكان للعرب تجربة لم يستطيعوا استثمارها، حيث أن التحالف الذي أقيم لضرب العراق وشمل عدداً من الدول العربية، لم تتقدم الدول العربية بمطالبها كثمن للانضمام للتحالف، وقد أدارت الإدارة الأمريكية ظهرها للعرب فور انتهاء التحالف، واستطاعت تحقيق مصالحها بمساعدتهم ولا تزال قواتها موجودة في الدول العربية لحماية مصالحها، والتي تتناقض في الكثير منها مع مصالح العرب أنفسهم.

يبدو أن تعامل الدول العربية مع الولايات المتحدة ينطلق من إرث تاريخي قديم، يعطي وزناً كبيراً للقيم والعلاقات التاريخية والسياسية، ولكن هذا المنطق أثبت فشله في العلاقة معها، وها هو التحالف الجديد ضد ما يسمى "الإرهاب" دون أن يطلب العرب ثمناً لكونهم جزءاً من هذا التحالف، وتشير الأمور إلى أنهم سيكونون الطرف الخاسر أيضاً بعد نهاية الحرب، بينما نجحت العديد من الدول من عقد صفقات كشرط لتأييد الولايات المتحدة في حملتها الأخيرة وبعضها أرغم أمريكا على أن تدفع سلفاً منها روسيا، الهند، باكستان، تركيا.

القراءات السابقة لا تظهر دوراً كبيراً، كما يعتقد، لإسرائيل في صياغة القرار السياسي الأمريكي، فهناك شركات أمريكية تمتلك ما هو أكبر من الاقتصاد الإسرائيلي نفسه مثل شركات الطيران مثلاً، وهنا تثير الصفقة الأخيرة لشراء طائرات بمبلغ 15 مليار دولار لدولة الإمارات في هذا الوقت بالذات، بعد الضربة التي تلقتها شركات الطيران وهددت بإفلاس بعضها، وتسريح الكثير من موظفيها، فقد سببت حالة إنعاش كبيرة لشركات الطيران، والتي لها تأثير كبير على القرار السياسي الأمريكي، تثير هذه الصفقة سؤالاً: هل استثمرت دولة الإمارات هذه الصفقة بحيث تشكل عنصراً ضاغطاً على شركات الطيران لتضغط بدورها على المستوى الرسمي بما هو في صالح العرب؟؟.

ونتساءل عن موقع إسرائيل حين يبدو شخص بهذا التأثير مثل "فيليب موريس" أحد أصحاب أكبر شركات السجائر في الولايات المتحدة حين يمرر في الكونغرس ورقة كانت ستعفيه من ضريبة بمبلغ 50 مليار دولار في حين أن إسرائيل في حاجة دائمة للمال الأمريكي وأن ورقة فيليب موريس تكفي لإعالة إسرائيل لخمس سنوات قادمة!! وفي نفس الوقت فهذا الشخص يمتلك شبكة مصانع ومجموعة من شركات توزيع في العالم العربي يمكن أن تؤثر جدياً على مصالحه!!

إسرائيل ليست مسيطرة على القرار الأمريكي كما يقول البعض وكما تشير القرارات السابقة بل إن الولايات المتحدة ضمن مصالحها تستطيع إلزام إسرائيل ففي مقابلة مع جريدة يديعوت أحرونوت بتاريخ 2/11/2001 حين سأل الصحفي "دان شيلون" وزير الخارجية "شمعون بيرس" هل يتوجب القول لا لأمريكا؟ أجاب بيرس: لا يتوجب قول لا لأمريكا.

وإذا كان كذلك، فبالإمكان تحجيم إسرائيل إذا استطعنا استخدام أوراقنا بشكل جيد كما تفعل، فمجموع الشركات الأمريكية في العالم العربي أكبر بكثير منها في إسرائيل، بدءاً من شركات البترول ومشتريات الأسلحة ومطاعم الهامبورغر والسجائر وشركات المقاولات وغيرها، بالإضافة إلى حجم المليارات العربية التي تتحرك في الاقتصاد الأمريكي، لكن المهم هو القدرة على اللعب بهذه الأوراق.

القراءات الأمريكية للواقع الأمريكي تعطي العرب والفلسطينيين بشكل خاص معرفة بأن هناك مساحة واسعة للعب في الملعب الأمريكي، فالنظام القائم على المصالح والصفقات أسهل في اقتحامه من نظم تتحرك بإرث تاريخي أو أيديولوجي أو قيمي، وهو نظام ديمقراطي يقوم على الانتخابات الحرة، وتتيح قوانين الانتخابات وطبيعتها فرصة للآخرين وجماعات الضغط للعمل، فكل أربع سنوات انتخابات للرئاسة، وانتخابات مجلس الشيوخ والنواب كل أربع سنوات أيضاً، ولكن بشكل جزئي، مما يعني أن الولايات المتحدة تشهد كل عامين حملة انتخابية على مستوى الولايات والأهم من ذلك أن الحملات عملياً تبدأ قبل عام من الانتخابات، هذا يعني أن الولايات المتحدة إما في وضع انتخابات أو يحضر لها مما يتيح مساحة كبيرة لمن أراد العمل، هذا ما قاله الخبير الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط في لقائه مع بسام أبو شريف مستشار الرئيس الفلسطيني "الحزبان يحسبان ألف حساب لأموال اليهود أولاً ثم لأصواتهم... أين أموال العرب؟ لمن يحتفظون بها؟ لماذا لا يستخدمون جزءاً منها في التبرعات الشرعية للأحزاب والحملات الانتخابية ويكسبون من خلال ذلك تأثيراً في أوساط هذه الأحزاب ومرشحيها؟ كذلك فإن العرب غير فاعلين في مد المرشحين بمتطوعين للعمل معهم كمستشارين من ذوي الكفاءات المختلفة كما تقوم أيباك.

تابع الخبير الأمريكي:

هنالك عناوين كثيرة لما يجب عمله في واشنطن، لكن المهم أن يستوعب الفلسطينيون والعرب أنه لابد من العمل الدؤوب والمستند لمعرفة بالمجتمع الأمريكي وهيكلية السياسة والعلاقات التي تحكم الكونغرس بالإدارة والعكس وأهمية الإعلام لما له من تأثير على الجهتين.

بالإمكان أيضاً تحريك الشارع العربي للاحتجاج ضد السياسة الأمريكية في المنطقة وانحيازها لصالح إسرائيل، ليس بالمنطق السياسي، بل كمصالح تفهمها الولايات المتحدة، حيث أن المواطن العربي يشكل سوقاً مهماً للشركات الأمريكية من حيث المواد الخام وكذلك السلع المنتجة، وتخشى الولايات المتحدة من تلك الاحتجاجات التي قد تعرقل طموحاتها بالهيمنة على المنطقة ويؤكد ذلك ما جاء في التقرير الذي يحدد سياسة الإدارة الجديدة في الشرق الأوسط والذي انتهى إعداده في نهاية حزيران 2001 ووضع على مكتب الرئيس حذر من خطورة حركة العالم العربي، وجاء فيه: السلام الأمريكي بدأ يتعرض لضغوط من الرأي العام العربي في إشارة إلى التظاهرات التي حركتها الانتفاضة حتى أن نظماً صديقة للولايات المتحدة اضطرت أن تحتفظ لنفسها بمسافة تحميها من المشاعر المعادية لأمريكا وبدأت تظهر انتقادات وتمردات على السياسة الأمريكية، ويعطي التقرير أمثلة قائلاً: مثلاً اضطر وزير الخارجية المصري إلى كيل المديح لحزب الله، كما أن وزير الدفاع السعودي هدد بفرض عقوبات على الشركات الأمريكية، ثم أن رئيس وزراء الأردن قاد وفداً موسعاً إلى بغداد، ويواصل التقرير: ومع أن الولايات المتحدة تعودت مؤخراً أن تعطي لبعض أصدقائها في الشرق الأوسط رخص سماح إذا هاجموا سياستها خطابياً لإرضاء جماهيرهم، فإن هذه الازدواجية لها آثارها الخطرة وأولها أن يتحول التظاهر بالعداء لأمريكا بكثرة تكراره إلى سياسة ولو في اللاوعي، وثانيها أن الشارع العربي قد يستعيد قدرته في الضغط على الحكومات المعتدلة مما يعرض هذه الحكومات لمخاطر حقيقية".

انتهى التقرير لكن السؤال: ما ثمن السكوت على الانحياز الأمريكي، وما ثمن وجود القوات الأمريكية في الخليج العربي والتي يشير التقرير إلى إنجاز كبير وهام "بأن الرأي العام العربي تعود على وجود القوات الأمريكية على مياه الخليج وشطآنه وقواعده ولم يعد في ذلك بالعادة ما يزعج أو يثير:

والخلاصة أن لدى العرب قدرة كبيرة على تغيير السياسة الأمريكية تجاههم، ومن السهل العمل مع دولة وفي دولة ليس هناك ما هو ثابت في سياستها، وللأموال قدرة المعجزة في مؤسساتها، وهذا يشكل أحد أهم المفاتيح لاقتحام الأبواب الأمريكية الموحدة، لفهم الولايات المتحدة والتعاطي معها وفق مفاهيمها.

المراجع

1- بسام أبو شريف "نقاش غير رسمي مع رسميين أمريكيين" من أرشيفه الخاص، حزيران 98.

2- محمد حسنين هيكل، "مجلة وجهات نظر"، العدد 31، الشركة المصرية للنشر العربي والدولي، مقال بعنوان "إعادة اكتشاف أمريكا"، ص 4، عرض لكتاب العملاق، الذي شارك في تأليفه حوالي 30 مؤلفاً وأعده الكاتب الأمريكي "جاك بيتي".

3- راسن أيريك نيلسون، "وجهات نظر"، العدد 3، الشركة المصرية للنشر العربي والدولي، مقال بعنوان "عندما يحسم المال قرارات الكونغرس ـ ديمقراطية للبيع"، عرض لكتاب شراء الكونغرس، للكاتب الأمريكي تشارلز لويس.

4- شبلي تلحمي، "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 15، صيف 1993، ص 59، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ـ بيروت، دراسة بعنوان "شرح صنع القرار الأمريكي في حرب الخليج".

5- محمد حسنين هيكل، "وجهات نظر"، العدد 32، مقال بعنوان "خريف خطر".

6- الأيام ، 31/10/2000.

7- الأيام، 29/10/2000، مقال بقلم باتريك سيل.

8- يديعوت أحرونوت، 2/11/2001، مقابلة مع شمعون بيريس أجراها دان شيلون.

المصدر: sis.gov.ps