مشروع قانون النفط  اختبار في وطنية المجلس النيابي (2-4)

 

                                                                    د.علي الاسدي 

 

 

كنت قد ناقشت في الجزء الاول من هذا البحث والذي تطرقت فيه الى ما جاء في الفصل الاول والثاني، من مشروع قانون النفط، المعروض للمناقشة في المجلس النيابي، حال أنعقاده في الايام والاسابيع القادمة. وقد ضمنت الجزء المنشور قراءتي للمسودة في تسع ملاحظات، اعتقد انها في صالح مناقشة هادفة من قبل المهتمين لصياغة قانون وطني افضل لأستثمار النفط والغاز.

عاشرآ:- ورد في المادة رقم (10/ث )، ان منح التراخيص للعمليات الواردة في المادة 6/1 سوف تلتزم بالمصالح الوطنية في كل ما يخص الدفاع،الابحار، البحث، التطوير، الصحة، السلامة، المستوىالعالي لحماية البيئة.

ان مثل هذه المطالب تبدو وكأنها تمنيات ترجو ان  يلتزم بها طرف يمارس الاستكشاف والتنقيب والانتاج، في اي منطقة من أرض العراق ومياهها الوطنية والاقليمية. ويتطلب بدلا من ذلك  الصراحة والوضوح في وجوب التزام مالك حق التنقيب والانتاج، بالواجبات المنصوص عليها أنفأ. وفي حالة الاخلال بأحد او كل تلك الواجبات فستطبق بحقه العقوبات التي يجب ان ينص عليها قانون النفط والغاز، بالتفصيل في فقرة منفصلة. وبذلك فقط يمكن ضمان المصالح الوطنية المشار اليها، ويقطع الطريق على محاولات التحايل اوالتهرب من المسؤولية المادية والمعنوية التي قد تقع على تلكم المصالح.

 كما جاء في نفس المادة، في موضوع آليات التفاوض ما يلي :

تقوم الوزارة او شركة النفط الوطنية او الهيئة الاقليمية كل حسب  اختصاصه ومسؤوليته، وبعد أستكمال الاجراءات الاولية للتراخيص المشار اليها في المادة رقم (9)، بالتوقيع الاولي على عقد التنقيب والانتاج مع المقاول المختار.

ينبغي التذكيرهنا  بنقطة حساسة جدا، وهي ان تعدد الجهات المخولة بالتعاقد مع الجهات الوطنية او الاجنبية، لمنح التراخيص، بالتنقيب والانتاج السالف ذكرها في المادة(9)، سيثيرمشاكل بين المحافظات المنتجة للنفط، وبينها وبين الاقاليم ووزارة النفط .فهذه الجهات الاربعة كل منها له الحق بتوقيع عقود منح التراخيص، مما قد يسبب عواقب  غير محمود ة نتائجها على الوحدة الوطنية والسلم الاهلي.

 ان حق المحافظات النفطية،على سبيل المثال، البصرة والانبار او ميسان غير المنضوية باقليم،مخول لها ان تدخل في عقود أستثمار نفطها، في نفس الوقت الذي قد تقوم وزارة النفط بالتعاقد مع شركات أخرى اجنبية او وطنية للأستثمار في نفس المحافظات  او الاقا ليم.  أزدواجية التعاقد قد تكون سببا في تعطيل العملية الاستثمارية في عموم البلد، مما ينعكس سلبآ، على حركة الاعمار، التي ينتظر المجتمع بفارغ الصبر أنطلاقها بأقرب وقت. صحيح أن ان كل العقود الموقعة، تفترض موافقة المجلس الاتحادي للنفط والغاز، لكن ذلك لايمنع  من حدوث التعاقد قبل وصول العقود للمجلس في نهاية المطاف، عندها يكون الضرر قد لحق بالجميع.

حادي عشر- جاء في المادة (2) من مشروع القانون مايلي:-

يطبق هذا القانون على العمليات النفطية في جميع جمهورية العراق بما في ذلك  الارض وما تحتها وكذلك في المياه الاقليمية. يستثنى من نطاق هذا القانون تكرير البترول وتصنيع الغاز واستتخداماتها الصناعية وكذلك خزن وتوزيع المنتجات  النفطية.

واضح هنا ان مشروع القانون قد تحاشى الاشارة الى تصنيع النفط الخام، واقتصر على تلك النشاطات المحصورة في أستخراج النفط الخام والغاز.  ان طبيعة الشركات النفطية الاحتكارية لم تتغير عنها منذ اكثر من قرن من الزمان ، فهي تريد خام النفط لتصنيعه في مناطق أخرى من العالم، حيث اجور العمل والسياسات الضريبية والمناخ السياسي، اكثر ملائمة لها، لتحقيق اهدافها في تحقيق اقصى الارباح، من خلال بيع مشتقاته في السوق العالمي بأرباح مضاعفة.

ثاني عشر:- تنص المادة (12) من مشروع القانون الفقرة (أ)، تحت بند مشاركة الدولة، ان حكومة العراق تلتزم بالحصول على مشاركة وطنية حقيقية في أدارة وتطوير مصادرها النفطية على أساس المادة( 111)من الدستورالعراقي.

ان المواد 106،111،112،و121 من الدستور العراقي تنص على  ان الثروات النفطية والغاز وغيرها، ملك للشعب العراقي، في كل الاقاليم والمحافظات. ووفق هذا النص الصريح لا يمكن ان يتحول العراق الى مجرد شريك لطرف أجنبي،وبنسبة لم يتضح حجمها في مشروع قانون النفط والغاز.  ان عبارة (مشاركة حقيقية) الواردة في المادة (12) هي مخالفة للنص الدستوري الذي يؤكد بوضوح لا لبس فيه بان الثروة النفطية والغاز هي ملك للشعب العراق حصريا.

ان المادة (12) تقرمقدما بأن هناك شريك للدولة في أدارة وتطوير مصادرالثروة النفطية والغاز. لقد أختير للعراق مبدأ لم يعد يعمل به في الظروف الراهنة. فقد محله عقود الخدمة، وان هناك عشرات الشركات النفطية مستعدة للعمل وفقه في العراق وفي غيره من الدول  النفطية.

 لقد ظل العراق ضحية لقانون المشاركة الاستغلالي الذي فرضته سلطات الاحتلال البريطاني منذ العشرينات من القرن الماضي. وكانت الشركات النفطية وبموجب عقود جائرة، فرضتها سلطات الاحتلال البريطاني، تمنح للعراق ما يشبه الصدقة من ايرادات النفط المصدر. وفي الخمسينيات من القرن الماضي، وبعد صراع كان داميا لسنوات، انصاعت الشركات الاحتكارية، لمبدأ المشاركة وفق نسبة 50:50، والتي ضاعف العراق بموجبها موارده من النفط. برغم هذا التعديل في حصة العراق من مورده من النفط،  الا انه استمر ضحية لأستغلال الشركات حتى العام 1958، عندما تم اعادة النظر في عقود النفط، وفرض سياسة وطنية نفطية جديدة، استعيدت فيها سيطرة شبه كاملة على الصناعة النفطية.

بموجب عقود المشاركة التي يسوقها مشرعوا هذا القانون، ما يزال الوقت مبكرا للتعرف على نوايا الشركات النفطية وحقيقة مشاريعها لتقاسم غنائم الحرب الاخيرة.

ان الكثير من المهتمين بحقوق العراق في ثرواته النفطية والغاز،لم يطلعوا بعد على صورة واضحة عما يجري وراء الكواليس. لكن هناك أقلية قريبة من  الدائرة المغلقة لشركات النفط ، أبرزهم في العلن السيد فاضل الجلبي، الموظف السابق في وزارة الاقتصاد أبان النظام السابق ومديرمركز ابحاث النفط في لندن حاليا، والمقرب من سلطة القرارالامريكية،  ووزير النفط السابق الدكتور ابراهيم بحر العلوم والحالي الدكتور حسين الشهرستاني، و نائب رئيس الوزراء الدكتور برهم صالح، هم الاكثراطلاعا وربما أكثر من رئيس الوزراء نفسه.

ثالث عشر:- الفصل الثالث – مادة( 13) وتحت  بند عقد التنقيب والانتاج، ورد في الفقرة( أ) ما يلي:-

ان عقد التنقيب والانتاج سوف يعطي حقا حصريا، للقيام في عمليات استكشاف وانتاج البترول في منطقة التعاقد.

 الفقرة( ب) تشير الى : مالم يكن هناك حاجة لوقت أضافي، لاتمام العمليات لتقييم الاكتشاف والانتاج،فأن الحق الحصري للأكتشاف والانتاج سيتم منحه وفق الاتي: - مهلة أبتدائية يجب ان لا تتجاوز 4 سنوات.

- مهلة ثانية لمدة لاتتجاوز(2) سنتين، شريطة تقديم (مالك العقد) لبرنامج عمل جوهري يحققه خلال هذه الفترة.

- للهيئة المختصة ( لم يحدد  اسم الهيئة ان كانت وزارة النفط، المجلس الاتحادي او الهيئة الاقليمية) ان تمنح - مهلة ثالثة للتنقيب، مع مراعاة خاصة للأستمرارية، شريطة ان يتم تبرير هذا التمديد، على اساس جودة وموضوعية برنامج العمل.على ان لاتتجاوز مدة التمديد(2) سنتان فقط.

- في حالة  اكتشاف ما، فان مالك ترخيص التنقيب والانتاج، سوف يحتفظ بالحق الحصري لأتمام العمليات ، التي تم البدء بها ضمن  المنطقة المحددة، لتقييم او تحديد القيمة التجارية للأكتشاف لمدة اضافية امدها (2) سنتان.- وفي حالة اكتشاف غاز مصاحب يمنح مدة اضافية لا تتجاوز(4) سنوات.

- وبناء على على خطة تطوير الحقل، المعدة والموافق عليها، بمقتضى هذا القانون والعقد المعني، فان لشركة النفط الوطنية( وللحملة الاخرين) لتراخيص التنقيب والانتاج، امكانية الاحتفاظ بحصرية الحقوق، لتطوير وانتاج، لمدة يتم تحديدها من قبل المجلس الاتحادي للنفط والغازلا تتجاوز (20) سنة، تبدأ من تاريخ الموافقة، على تطوير الحقل، وتعتمد على المعطيات  المرتبطة بأفضل استخلاص للنفط، وافضل استفادة من البنية التحتية.

- وفي حالة تبررها الاعتبارات الفنية والاقتصادية، من الممكن منح مدة تشغيل اضافية من قبل مجلس الوزراء، بناء على شروط يتم التفاوض عليها مجددا، بحيث يتم منح تمديد لا يتجاوز(5) سنوات.  ويتم في جميع الاحوال  استعادة المنطقة (خارج منطقة التطوير والتشغيل)، عند انتهاء ترخيص التنقيب والانتاج ان المنطقة خارج منطقة التطوير والتشغيل ، تظل معطلة دون مبررطوال مدة المباشرة بالانتاج، اذ ان  منطقة التشغيل والانتاج لا تحتاج الى منطقة شاسعة، لأن منطقة التطوير والتشغيل التي بوشربالانتاج فيها، لا تشغل اكثرمن 1% من مساحة منطقة التعاقد المسمات بمنطقة الاستكشاف والانتاج. ولذا ينبغي على وزارة النفط او المجلس الاتحادي او الهيئة الاقليمية  ان تستعيد المناطق خارج منطقة التشغيل والتطوير، ومباشرة التنقيب فيها عن موارد  النفط والغازوغيرها، من خلال شركات النفط الوطنية او الاجنبية، لمصلحة الشعب العراقي. وهو ما سعى اليه القانون رقم 80 لسنة 1961 الذي على ما يبدو قد وضع جانبا .

وعودة الى الفترة الزمنية التي منحت لمالكي حقوق التطوير والانتاج بموجب مشروع القانون، والتي حددت بمدة لا تتجاوز( 20 ) سنة. ان هذا الرقم بعيد عن الحقيقة و تمويهي، فيما حقيقة المدة هي (37) سنة بالتمام. ان عملية حسابية بسيطة تكشف اساليب التحايل التي يمارسها مالكوا العقود من مصاصي دماء الشعوب. لنرى:

عند اعادة قراءة المادة(13) من الفصل الثالث من مشروع القانون، نلاحظ ان المشرع قد وزع مدة العقد (الامتياز) الممنوحة لمالك عقد التنقيب والانتاج، وزعها على عدد من الفترات الزمنية، قبل ان يمنحه الفترة التي أعتبرها مرحلة التطوير وألتشغيل. معتبرا ان الفترات الزمنية من- 1—5 من الجدول التالي فترات تطوير واستكشاف.

1- مهلة ابتدائية  4 سنوات

2- مهلة ثانية  2  سنتان

3- مهلة ثالثة  2 سنتان

4- مهلة رابعة   2 سنتان

5- مهلة خامسة  2 سنتان في حالة اكتشاف غاز في منطقة التطوير

6- مدة الامتياز  20   سنة

7- تمديد اخير   5 سنوات  بموافقة مجلس الوزراء

مدة العقد  37  سنة

ليس غريبا ان أن يخرج السيد زلماي خليلزاد سفير الولايات النتحدة الامريكية بمقاله (النفط أداة لتوحيد العراق) المنشور في صحيفة الواشنطن بوست،و المعاد نشره في جريدة الاتحاد الاماراتية في 4/3/07. والذي جاء فيه:

- ا ن هذا القانون يعد نجاحا كبيرا، لعدة نواحي واسباب، منها، التأكيد على ملكية جميع المواطنين لموارد النفط والغاز الطبيعي العراقيين. وبالتالي الالتزام بالتوزيع العادل لعائدات هذه الموارد بين جميع الاقاليم والمناطق. وكذلك أنشاؤه معايير دولية للشفافية، فضلا عن تمكينه لعامة الشعب، من الاطلاع على العقود المبرمة، وعائديتها ومدفوعاتها. اضافة الى ذلك، يقر التشريع الجديد، اطارا عاما يفتح الطريق امام الاستثمارات العالمية في قطاع النفط والغاز، فيما يعد تحولا بالغ الاهمية في نهج المركزية المفرطة الذي كان سائدا في العراق--.

لكن الباحثة الروسية جانا بوريسوفنا من معهد الطاقة الروسي، قد سلطت الاضواء على خفايا لم يصرح به  السيد خليلزاد، و لا الذين دفعوا بمشروع قانون النفط الى المجلس النيابي.

تذكر الباحثة الروسية في مقالها بعنوان : ( الشركا ت الروسية تخسر في العراق)، المنشورفي صحيفة البيان الاماراتية بتأريخ 3/3/07، والذي جاء فيه:

-- اعتبر الخبراء الاقتصاديون الروس في موسكو ان هذا القانون يغلق  الباب امام الشركات الروسية للعمل  في العراق-- .

 واوردت الباحثة ما ذكره المحلل الاقتصادي ميحائيل كروجين، في شركة( روس انرجي) الروسية،-- الى ان القانون الجديد للنفط ، يتضمن التخلي عن المناقصات المفتوحة، ويتيح للشركات  الامريكية، ابرام العقود، مع أجهزة ادارة الاقليم من خلال صلات مباشرة. فيما يعتقد العديد من المحللين ان هذا القانون يفتح الباب على مصراعيه امام الشركات الاجنبية، ويمنحها الفرصة لتوسيع نفوذها واعمالها في قطاع النفط  العراقي--.

وتضيف الباحثة في المعهد الروسي للنفط،-- وليس سرا  ان عددا من الخبراء الامريكيين يعملون كمستشارين في وزارة النفط العراقية لتوجيه  الادارات المختلفة وتحسين ادائها، وبطبيعة الحال لاقناعها بالعقود الامريكية وبمزايا العمل مع  الشركات الامريكية. وكان من المنطقي ان ترحب واشنطن بالقانون الجديد. ومن غير المستبعد ان يكون من اعداد خبرائها العاملين في وزارة النفط العراقية، بأعتبار انه يمكنهم من  السيطرة الكاملة على النفط عبرادارات الاقاليم-- .

 وترى الباحثة ،-- انه اصبح واضحا، ان الاقرار بحق شركة لوك اويل الروسية، (التي سبق ووقعت عقودا مع وزارة النفط العراقية في عهد النظام السابق، للاستثمار في حقول القرنة )، يتطلب دعما وتأييدا امريكيا ، عندما بدأت تدور حوارات حول مشاركة شركة CONOCO PHILIPS الامريكية لشركة لوك اويل الروسية.

شبكة النبأ المعلوماتية-الاربعاء 21 آذار/2007 -1/ربيع الاول/1